العنوان نزعة الاستعلاء في الفكر الغربي الحديث
الكاتب مولود عويمر
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2001
مشاهدات 64
نشر في العدد 1482
نشر في الصفحة 40
السبت 29-ديسمبر-2001
"الحركة الاستعمارية تمثل أسوأ ما أفرزته نزعة الاستعلاء الغربية.. فهي تجسيد لرغبة ملحة في الهيمنة"
"الثقافة الإسلامية لا تعيش اليوم حالة من الانقطاع الحضاري كما يدعي البعض وإنما الهيمنة الغربية جعلتها مهمشة إسلاسي"
"ليس من مصلحة المسلمين الدخول في معركة مع الغرب أو الصدام الحضاري وإنما عليهم السعي لإقامة علاقات على أساس الاحترام والتعاون"
"الثقافة الغربية ليست ثقافة جاذبة رغم رصيدها المادي الضخم ومسيرتها الفكرية الطويلة"
"والشعوب الضعيفة على قلة مواردها لم تقبل بالحضارة الغربية لأنها لا تعبر بصدق عن هويتها"
صرح رئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني مؤخراً بأن الحضارة الغربية أفضل من كل الحضارات، وذكر أن الحضارة الإسلامية ليس لها نصيب في خلق القيم العليا المنتشرة اليوم في العالم، وردد بعض رجال الأدب والسياسة ووسائل الإعلام مقولات مماثلة. إن الخطر الأكبر لا يكمن في تمجيد الحضارة الغربية، وإنما في طريقة التمجيد، فهم يقارنونها دائماً بما يمثله المسلمون اليوم وكأن الشكل الوحيد الممكن للتحضر هو الموجود في الحضارة الغربية.
إن كل ما صدر من التصريحات لم يكن مجرد زلة لسان أو خطأ عارض في التعبير، وإنما هو صورة كاشفة لفلسفة عميقة الجذور في الثقافة الغربية تعتبر المركزية الغربية وعقدة الاستعلاء أعظم ما يميز الفكر الغربي، فهو يقصر اهتمامه على الإنسان الغربي، ويهمل غيره من البشر الذين لا يمثلون في نظره إلا مستوى أدنى، ويحصر الحضارة والمدنية على الأول ويقدمه كنموذج لغيره في كل مجالات الحياة من أفكار وملبس وأسلوب تعامل، لا ينظر الغرب إلى الثقافات الأخرى إلا بمعاييره الخاصة، في هذا الصدد يقول شيدر في كتابه روح الحضارة: كل من نشأ ونشئ داخل الحضارة الغربية لا يستطيع أن يفهم الحضارات الأجنبية إلا من وجهة نظره الخاصة، شاء أو لم يشأ.
لخص عادل حسين هذه النزعة التي مست تقريباً كل أدباء وفلاسفة عصر التنوير بقوله: أعلام الفكر الغربي كافة لم يخرجوا من قبضة هذه الأيديولوجية، نظرة السيطرة أو الاستعلاء.
فولتير ومنتسكيو وكوندورسيه تحدثوا مثلاً عن الحضارات الأخرى بقدر من الاحترام، ولكن في تحقيق التقدم الحديث لم يكن لديهم أي شك في سيادة الغرب وموقعه القيادي الطبيعي، وكان فولتير يعتقد أن الزنوج بالذات غير قابلين لأي تحضر حقيقي، وجيبون كان يستخدم في سرده المقابلة بين المواطن والبربري، أي بين أهل الغرب وأهل الشرق، والنظرة نفسها شائعة في كتابات هوبز ولوك وروسو ودافيد هيوم كان يكتب بصراحة أن الحضارة احتكار للبيض، ودفاع ج.س. ميل عن الحرية لم يكن يمتد إلى ضعاف العقول، أي إلى الشعوب التي لم تتقدم إلى المستوى الأوروبي، وسان سيمون كان يرى أن أوروبا المنظمة وفق طريقته ستمد نعمة التقدم إلى العالم وتملأ الأرض بسكان من العنصر الأبيض الذي هو أرقى من الأجناس الأخرى، وهيجل كان يضع الشرق في أدنى درجات سلمه، أدنى من الإغريق والرومان.
ويمثل نيتشه أكبر المفكرين الغربيين الذين مجدوا القوة. وتقوم فلسفته على إرادة القوة والسعي لإنجاب الإنسان الأعلى، وأخذ هذه الفكرة هتلر وبنى عليها نظريته في تفوق العرقية الجرمانية التي ترتب عنها جنون القوة وهاجس التوسع وقهر الشعوب الأخرى، وأفرزت حروباً مدمرة لأوروبا.
ويرفض الغرب أن تقوم حضارة أخرى تقارع حضارته وتتفوق عليها، فهذا المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي يصرح في كتابه الإسلام والغرب والمستقبل، بتخوفه من قيام الحضارة الإسلامية من جديد بوظيفتها التاريخية إذا ثارت البروليتاريا العالمية للعالم المتغرب ضد السيطرة الغربية، ونادت بزعامة معادية للغرب، فقد يكون لهذا النداء نتائج نفسانية لا حصر لها في إيقاظ الروح النضالية للإسلام، وقد يوقظ أصداء التاريخ البطولي للإسلام. فإذا سبب الوضع الدولي الآن حرباً عنصرية، يمكن للإسلام أن يتحرك ويلعب دوره التاريخي مرة أخرى، وأرجو ألا يتحقق ذلك، ولا يرضى توينبي أن تقوم حرب على أساس عنصري ينتصر فيها المعسكر الشيوعي، ولكن يسعده أكثر ألا تقوم هذه الحرب أصلاً حتى لا ينهض المسلمون من سباتهم العميق وتبقى الغلبة والهيمنة للغرب.
مظاهر الاستعلاء في الفكر الغربي الحديث
الاستشراق:
لا يشكل المستشرقون تياراً علمياً وإيديولوجياً متجانساً، ولا ينظرون نظرة واحدة للإسلام والمسلمين. لا يمكن لأي باحث منصف أن يتجاهل ما قدمه بعضهم من جهود في تحقيق التراث الإسلامي والدفاع عن بعض قضايا العرب والمسلمين، بينما اهتم مستشرقون آخرون بالطعن في القرآن الكريم وتشويه صورة النبي محمد ﷺ والتشكيك في رسالته وتقزيم دور المسلمين في دفع عجلة الحضارة الإنسانية، فهم يدعون أن المسلمين عاشوا قروناً عالة على الحضارات السابقة ولم يقوموا إلا بدور ثانوي وهو نقل الحضارة اليونانية إلى أوروبا.
ثم انصبت اهتمامات المستشرقين الجدد، على خلاف الجيل القديم، على الحركات الإسلامية المعاصرة وصراعها مع الحكومات القائمة ومستقبل الإسلام في الغرب، ويمكن أن نفسر هذا التحول في التوجه الأكاديمي بعدة أسباب:
1. وجود ملايين من المواطنين يدينون بالإسلام في أوروبا، وهذا ما يمثل ظاهرة اجتماعية جديدة في الغرب، فالمسلمون لم يعودوا يشكلون أقلية مهاجرة ترجع إلى أوطانها حين تزول دوافع الهجرة، وإنما صاروا جزءاً من النسيج القومي الغربي، يتمتعون قانونياً بجميع حقوق المواطنة، وتسعى الدراسات إلى الكشف عن مدى تفاعل المسلمين مع القيم العلمانية والديمقراطية الغربية والبحث عن المدى البعيد من الاستقرار السياسي والانسجام الاجتماعي.
2. رجحت الصحوة الإسلامية والأحداث العالمية (الثورة الإيرانية، احتلال السوفييت لأفغانستان، اغتيال السادات في مصر...) الجانب السياسي في الدراسات الإسلامية دون العزوف كلية عن الجوانب الأخرى.
3. التكوين الجامعي لهؤلاء، فأكثرهم تخرجوا من المعاهد السياسية وهم اليوم أساتذة للعلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي، فمعهد الدراسات السياسية بباريس على سبيل المثال هو اليوم أكثر حضوراً وإنتاجاً وتأثيراً من معهد الدراسات الشرقية الشهير أو جامعة السوربون العريقة.
تسود اليوم في عالم الدراسات الحضارية فكرتان: تفوق المشروع الليبرالي الذي تجسده الحضارة الغربية وفشل المشروع السياسي الإسلامي، وليس غريباً إذن أن تخرج هاتان النظريتان من المعاهد السياسية في الولايات المتحدة وفرنسا.
وقد كان لكبار المفكرين المسلمين جميعاً تقريباً كتب حول الاستشراق، نذكر منهم مصطفى السباعي، مالك بن نبي، محمد الغزالي، ومحمد قطب، وحتى الكتاب الذين لا يمكن أن نصنفهم في الإسلاميين مثل عبد الرحمن بدوي وإدوارد سعيد كتبوا عن هذا الموضوع الحساس، ويسعى الاستشراق في نظر كثير منهم إلى محو الوازع الديني ومحاربة اللغة العربية وخلق صراعات عرقية داخل الأمة الإسلامية وإيجاد الشعور بالنقص في نفوس المسلمين والشرقيين عامة وحملهم من هذا الطريق على الرضا والخضوع للتوجيهات الغربية، وقد قام هؤلاء العلماء المسلمون بالرد على شبهات المستشرقين ودحض أباطيلهم التي استهدفت مصادر التشريع الإسلامي وسيرة الرسول ﷺ والتاريخ الإسلامي واللغة العربية، وبدأت بعض الجامعات الإسلامية في السنوات الأخيرة تهتم أكثر بدراسة إنتاجات المستشرقين دراسة أكاديمية معمقة، وأنشئ قسم خاص للاستشراق بجامعة المدينة المنورة.
الاستعمار:
الحركة الاستعمارية هي أسوأ ما أفرزت نزعة الاستعلاء الغربية، فهي تجسيد الرغبة الملحة في الهيمنة على الشعوب التي تعيش خارج دائرة الحضارة الغربية، لقد بين المؤرخ الفرنسي شارل روبير أجرون كيف توغلت فكرة الاستعمار في العمق الثقافي والسياسي الفرنسي على اختلاف التوجهات الفكرية والإيديولوجية، فالمثقفون والسياسيون الذين ينتمون لليمين اتفقوا جميعاً على أن التوسع الاستعماري ضرورة لدفع عجلة التطور التي انطلقت مع الثورة الصناعية، فصار البحث عن الثروات الجديدة والأيدي العاملة هاجساً لرجال الاقتصاد والسياسة، في حين تذرع اليساريون بتحديث المجتمعات المتخلفة ونقل الحضارة إلى الشعوب المتوحشة والبدائية!! فالمدنية تمثل في نظرهم ملكاً مشاعاً ليس مقتصراً على الإنسان الأبيض، لكن هؤلاء الذين يسمون بأصحاب النزعة الإنسانية يؤمنون أكثر من غيرهم بعالمية الحضارة الغربية، وبعدها الكوني وعلو قيمها فهي مادامت صالحة في الغرب وأخرجت الغربي من التخلف، فهي لا شك ستنقذ الآخرين.
لكن هؤلاء اصطدموا بمقاومة شعوب ذات حضارة عريقة في مقدمتهم المسلمون، وكانت الصدمة عنيفة وقوية لعدة أسباب:
1. الثقافة الغربية رغم رصيدها المادي الضخم ومسيرتها الفكرية الطويلة لم تقدر أن تكون ثقافة جذابة، والدليل أن قليلاً من الشعوب هو الذي عمد إلى الأخذ منها في حياتها اليومية، فالزي الغربي وأنماط معيشته لم ينتقل إلى إفريقيا وآسيا إلا مع الحملات الاستعمارية، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: هل يكون التغريب الذي نلحظه اليوم في العالم الإسلامي على هذا الشكل لو لم تستعمر بلدانه في القرون الماضية؟
2. الشعوب الضعيفة على قلة مواردها لم تقبل الحضارة الغربية لأنها لا تعبر بصدق عن هويتها وتتناقض مع معتقداتها الدينية وقيمها الخلقية.
3- كان من الصعب على "الإنسانيين" أن يتحملوا فكرة أن الحضارة الغربية التي يعتقدون بتفوقها وصلاحيتها في كل مكان وزمان ترفضها الشعوب المستضعفة لأنها لا تتناسب مع معاييرها الحضارية، وهذا ما يفسر تبرم الأحزاب اليسارية الغربية من الحركات التحررية في العالم الإسلامي لأنها ترى فيها تعبيراً عن الذات والمقومات القومية ورفضاً للاستعمار الذي يريد فرض مقومات مغايرة، والتاريخ الاستعماري حافل بمظاهر قمع الحريات وممارسة العنف على الثقافات الأخرى.
الغزو الثقافي:
تسربت المناهج التربوية والتعليمية الغربية إلى العالم الإسلامي من حيث المضمون والأهداف، ويكفي دليلاً على ذلك أن نعلم أن دروس التاريخ المقررة في مدارس وجامعات بعض الأقطار العربية، تعتبر فترة الحكم العثماني للعالم العربي استعماراً في حين تقدم الحملة الفرنسية على مصر سبباً رئيساً في بعث النهضة العربية الحديثة والهدف المقصود هو ترسيخ أن كل تخلف يعود لعوامل داخلية وأن التقدم يكمن في الحلول الجاهزة المستوردة. وهذه دعوة خفية لاعتناق العلمانية وحصر الإسلام في ممارسة العبادات كمرحلة أولية وفرض الإلحاد وحرية الاعتقاد «الردة أو التنصر مثلاً» في مرحلة تالية وفتح الطريق أمام اللغات الأجنبية على حساب العربية.
يعاني الكثير من المثقفين المسلمين من مركب النقص تجاه الثقافة الغربية والنتيجة هي بقاء العالم الإسلامي في التخلف واستمرار التبعية الثقافية والاقتصادية للقوى الغربية، وصدق المفكر مالك بن نبي حين قال إن كل مجتمع فقد حضارته يفقد بذلك كل أصالة في التفكير، أو السلوك أمام أفكار الآخرين.
وهذا لا يعني الاستلاب الفكري والاستسلام الكامل للغرب، فإن في العالم الإسلامي من يقاوم حملات الغزو الثقافي ويرفض الانحراف عن دينه وهويته العربية والإسلامية ويأبى الانفصال عن حضارته، فقد قامت احتجاجات طلابية ومظاهرات شعبية في أقطار إسلامية لمنع توزيع كتب أو عرض مسرحيات أو أفلام تسيء للإسلام وتعارض القيم الأخلاقية للمجتمع، وهذه الصور النضالية تؤكد حيوية الأمة الإسلامية رغم كل المحن والضربات وقدرتها على الاستجابة للتحدي الحضاري المضاد.
الحواجز التي منعت الغرب من فهم الإسلام
لعبت عوامل عدة في منع الغربيين من فهم الإسلام فهماً صحيحاً، وسنقتصر هنا على ذكر ثلاثة عوامل أساسية:
التاريخ والدين
بقيت آثار الحروب الصليبية راسخة في الذاكرة الجماعية الغربية، ويصور المفكرون الغربيون أن المسيحية تمثل الدين المعتدل والمستنير والواقعي، ويصفون غيرها من الديانات الأخرى بالبدائية والعدوانية ونحوهما من الصفات.
يقول الكاتب الفرنسي بول بولتا، "بقيت صورة العرب في ذهني وأنا طفل هي صورة الهمج الذين قدموا من آسيا الوسطى في القرن الخامس غازين أوروبا وخاصة فرنسا، فالكتب لا تذكر لنا إلى جانب ذلك أن العرب أقاموا حضارة في إسبانيا من أرقى الحضارات، حضارة لم تدانيها حالة فرنسا آنذاك وحالة بقية أوروبا ...". وبقي بعض هذه الصور عن الإسلام والمسلمين إلى اليوم، وقد ظهر ذلك في البحوث التي درست الكتب المدرسية الفرنسية وفي كتب القصص والروايات الأدبية المنشورة، خاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا.
الإعلام والسينما
يمثل العالم الإسلامي في منظور الإعلام الغربي بؤرة التوتر ومنطقة النزاعات. ولا تقل هذه الصورة قتامة عن الصور التي يعطيها للعربي أو المسلم بعض إعلانات الإشهار والأفلام السينمائية والتليفزيونية، فهو يظهر غالباً في أشكال مخيفة ولا يمثل في كثير الأحيان إلا أدواراً شريرة. وقد ألقت ربيكا ستون، الأستاذة بجامعة كاليفورنيا، محاضرة في مؤتمر الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط بعنوان «ثقافة مزيفة: موضوعات من الشرق الأوسط في أفلام هوليوود» وخرجت بنفس النتيجة السلبية.
تخلف المسلمين
يشكل تخلف المسلمين وما يسود في مجتمعاتهم من صراعات داخلية ومظاهر الأمية والفقر... أكبر العوائق في سبيل تحسين صورة المسلمين في أنظار الغرب. لقد صار العالم الإسلامي مطابقاً للعنف والتزمت والكره والعداء للقيم الغربية.
هذه الصورة القائمة ليست محصورة عند عوام الناس بل نجدها عند المثقفين. وقد لاحظنا مراراً في الندوات والمؤتمرات الأكاديمية حول الدين والديمقراطية أو الدين وحقوق الإنسان عزوف المنظمين عن إدراج الإسلام كمحاور في برنامج المحاضرات والمناقشات وكأنه ليس للإسلام ما يقوله عن هذه الأمور، وفي اتجاه معاكس ينال الإسلام النصيب الأكبر في الملتقيات التي تخصص للتطرف والعنف.
النزعة الإنسانية في الفكر الإسلامي
يتبنى الإسلام على عكس الفكر الغربي النزعة الإنسانية. وحين يتحدث القرآن عن التكريم يأتي اللفظ عاماً بالإنسان: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ» (الإسراء: 70). والتفضيل لا يحدده عرق أو جنس أو لون أو حسب، إنما ميزانه التقوى فقط: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات: 13). ويمنع الإسلام الاستكبار وما يترتب عليه من تعدٍّ على الآخرين فرداً أو جماعة أو دولة.
يقول سيد قطب في تفسير الآية القرآنية: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا» (القصص: 83): "لا يقوم في نفوسهم خاطر الاستعلاء بأنفسهم على غيرهم، ولا يهجس في قلوبهم الاعتزاز بذواتهم والاعتزاز بأشخاصهم وما يتعلق بهم".
ولكن لماذا اصطدمت الحضارتان الإسلامية والغربية في القرون الماضية، خاصة في فترة الحروب الصليبية؟
يقول أبو الأعلى المودودي مجيباً عن هذا السؤال: "الحضارة الإسلامية حضارة مستقلة تامة ذات دستور واضح مكتمل شامل لجميع شعب الحياة الإنسانية من ناحيتي الفكر والعمل، تختلف اختلافاً كلياً عن مبادئ الحضارة الغربية. فكان - بطبيعة الحال - أن جاءت هاتان الحضارتان تتزاحمان في كل مجال وتصطدمان على كل صعيد، ولا يزال هذا التصادم قائماً بين القوتين إلى هذا اليوم يؤثر في كل شعبة من شعب حياة المسلمين العملية والاعتقادية أسوأ الآثار".
لا تعيش اليوم الثقافة الإسلامية في حالة من الانقطاع الحضاري كما يرى المفكر فؤاد زكريا، وإنما الهيمنة الغربية هي التي جعلتها مهمشة، لنأخذ مثلاً جائزة نوبل العالمية التي أصبحت معياراً للتقدم والتطور، فبعد مرور قرن من عمرها، فاز بها أكثر من 700 من رجال العلم والسياسة والأدب، ليس فيهم إلا خمسة ينتمون للعالم الإسلامي، هل يعني هذا أن المسلمين لا يشاركون في حركة التمدن؟ إن المعايير التي يستند عليها المشرفون على الجائزة هي التي حرمت علماء ومفكرين وأدباء مسلمين منها، وهم لا يقلون عبقرية ونبوغاً عن سواهم، فالغرب لا يعترف اليوم إلا بما يخرج من مراكزه العلمية والفكرية أو ما كتب بلغاته، ويرى بعض النقاد أن الأديب المصري نجيب محفوظ لم ينل جائزة نوبل إلا بعد أن ترجمت كتبه إلى الفرنسية، أي أن التقييم كان للمضمون ولم يهتم بالأسلوب الأدبي للكاتب وهو أمر مهم في تقييم الأدب.
وفي العالم الإسلامي معاهد فكرية وعلمية لا تقل نشاطاً عن المعاهد الغربية ولكن ما زالت أعمالها محصورة داخل العالم العربي.
نحو آفاق جديدة للعلاقات
هل تكون الجالية الإسلامية في المهجر في حوار مع الغرب أم صراع؟ هل يمكن أن تتحول من جالية مغلوبة إلى أقلية ضاغطة؟ إن وجود المسلمين في الغرب مشاركين في تقدمه العلمي والاقتصادي أو مواطنين مستقرين يفرض عليهم اختيار الحوار بدلاً من التصادم، ويجب أن يختاروا لهذا الحوار أدوات مناسبة تحفظ لهم حقوقهم وتمكنهم من أداء دور فعال في المجتمع والتأثير في المستقبل على سياسات الدول الغربية تجاه العرب.
إن تاريخ الهجرة يحمل أمثلة عديدة عن نجاح بعض الأقليات في تحويل هجرتها الاقتصادية ولجوئها السياسي إلى هيمنة ثقافية ومالية ونفوذ إعلامي وسياسي، وحسبنا أن نأخذ الولايات المتحدة كمثال.
لقد وضع الفيلسوف الشهير نوربير إلياس دراسة عن يهود أوروبا الوسطى والشرقية، تبين كيف أصبح هؤلاء أقلية غالبة بعد فرارهم من الحكم النازي، فقد تمكنوا من السيطرة على التجارة والاقتصاد والإعلام في الولايات المتحدة، وكان نفوذ علمائهم كبيراً في الحياة الثقافية والعلمية وفرضوا لغتهم - الألمانية - على الطلبة الأمريكيين الذين يتقدمون للدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه)، كما استطاع الإيرلنديون الذين كانوا في أسفل سلم المجتمع الأمريكي بعد الهنود الحمر والأفارقة السود أن يقتحموا العمل السياسي وينفذوا إلى مراكز القرار على كل مستويات الدولة الأمريكية.
والسؤال الأخير، كيف يجب أن يتعامل العالم الإسلامي مع الغرب؟ ليس من مصلحة المسلمين الدخول في معركة مع الغرب، أو الصدام مع الحضارة الغربية، وإنما على المسلمين السعي لإقامة علاقات على أساس التعاون والاحترام، لا علاقة الغالب بالمغلوب. ولا يتحقق هذا إلا إذا استفاد المسلمون من التقدم العلمي والصناعي الغربي وساهموا في اكتشاف أسرار الإنسان والطبيعة والكون وشاركوا في دفع مسيرة التحضر معتمدين في ذلك على تراثهم الثقافي وآخر ما توصل إليه العلم الحديث.
إنه الضمان الأكبر للحفاظ على وجودهم أمة وحضارة والسبيل لدفع الأمم والحضارات الأخرى إلى تقديرهم والاعتراف بهم.
يكون الصراع بين حضارتين حين تكون كل واحدة مختلفة عن الأخرى اختلافاً شاسعاً في المبادئ والأهداف، ويتخذ الصراع أشكالاً متغايرة حسب موازين القوى، وبإمكان العالم أن يتفادى حروباً مدمرة إذا عرفت الحضارات القائمة أن قوة الحضارة لا تقاس بما تملكه من وسائل الدمار والغنى والرغبة في الاستعلاء، وإنما بمدى استعدادها للتقارب الحضاري وقدرتها على التعايش السلمي ورضاها بسياسة توازن المصالح وعدم التعامل مع غيرها بميزان الضعف والقوة.