; من وحي الهجرة | مجلة المجتمع

العنوان من وحي الهجرة

الكاتب د. محمد يوسف عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 07-فبراير-2009

مشاهدات 62

نشر في العدد 1838

نشر في الصفحة 54

السبت 07-فبراير-2009

التضحية والفداء والإعراض عن حظوظ الدنيا من أبرز معالمها…

انتصار الصهاينة في السابق على الجيوش العربية لا يعود لقوتها ولكن إلى عدم جدية قادة الدول التي واجهتها في هزيمتها

من أبرز معالم الهجرة النبوية. على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم التضحية والفداء، والإعراض الكامل عن حظوظ الدنيا، والإقبال على الأخطار ومدلهمات الأمور لعز الإسلام والمسلمين و... والله العزة ولرسوله ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون:8).

وهذه المعالم تتضح بجلاء من قصة الهجرة، وتعقب قريش للرسول وصاحبه الصديق ولادة: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ( التوبة:40)، وقول أبي بكر الصديق و الرسول الله ﷺ: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا..

كما يتضح من بيتوتة علي في بيت الرسول ﷺ ليموه عنه، ويخيل إليهم أن الرسول ﷺ مازال نائما في بيته، وهو المحاصر من قبل من اختارتهم قريش من فتيانها لقتل الرسول ﷺ ، وما يمثله ذلك الموقف الفدائي من المخاطرة شبه المحققة بالنفس، لولا عناية الله ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال:30).

مخاوف الطريق

وهجرة المؤمنين التي تتابعت تاركين أولادهم وأزواجهم وممتلكاتهم وأوطانهم التي ألفوا العيش فيها، مع مخاوف الطريق التي لا حدود لها: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر:8)، يدل دلالة واضحة لا لبس فيها على أن المسلم في سبيل نصرة دينه، وإنقاذ عقيدته، وبناء دولة الإسلام في الأرض يجب أن يخاطر بحياته وماله، وأن عليه أن يركب المهالك، ويقتحم مظان الموت في سبيل تحقيق ذلك الهدف النبيل، كما أن مئات النصوص القرآنية والحديثية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)  تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(11)  يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(12) وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف:13)، وقول النبي: من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانه... فكل ذلك يدعو المسلم إلى الذهاب إلى هذه الوجهة والتضحية بالمال والنفس دون تردد قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم.

قبول الهوان

ومع هذه النصوص وتلك الأفعال التي توصل في المقام الأول للفداء بالنفس والمال فقد كثر هذه الأيام في أوساط المسلمين عامة، وحتى في رجال الصحوة الإسلامية من ينظر للاستسلام للهجمة الشرسة التي يشنها أعداء الأمة عليها في الأصعدة كلها، وقبول الهوان في سبيل العيش الذليل والحياة المهانة، متلبسا بلباس الحكمة أحيانا، وقبول الآخر أحيانًا أخرى، وحفظ المكاسب تارة والابتعاد عن المغامرة تارة أخرى.

مع إن التجارب تؤكد أكثر من أي وقت مضى أن ما يسمونه بعصر العولمة الذي نعيشه أكثر ارتكازا للظلم على الضعفاء وأن المستكبر في هذا العصر لا تردعه القيم والشرائع السماوية، ولا تمنعه القوانين ولا النظم الأممية - كما يقولون - من ارتكاب أبشع الجرائم في حق الأمم والشعوب التي لا تقوى على الدفاع عن النفس، وخير دليل على هذا ما يحدث في فلسطين على مرأى ومسمع من العالم كله: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ (التوبة:10).وأن ما ذهبت إليه الأمم القديمة وحكمتها القائلة: من لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم، يتأكد الآن أكثر فأكثر.

وكأن هؤلاء راضون بضربات الأعداء وقابلون لما يفعله المستكبرون على الضعفاء ربما من باب ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ۩﴾ (الحج:18).

أو من باب قول المتنبي: من يهن يسهل الهوان عليه

ما لجرح بميت إيلام

إنهم يريدون منا أن نتقبل كل الاعتداءات الموجهة إلينا من الأعداء برحابة صدر، وأن بعد أنفسنا للحياة في المساحة التي يسمح لنا هؤلاء الأعداء، دون أن نطالب بأي حق يغتصبه غاصب، وأن نتلقى الكيل بكيلين، ولا نحتج لرفع أي ظلم فرضه علينا الظالمون لأن المطالبة بهذه الأمور ومقاومة تلك الاعتداءات - في نظرهم - تؤدي إلى إراقة الدماء والعنف، وتكدير العيش أو الخروج عما يسمى بـ السلام العالمي والتعايش الدولي»، وهي كلمات لا مدلول لها في واقع العالم الذي نعيش فيه، وإنما تلقن لنا لیرددها على مسامعنا عملاء الأجنبي في أوطاننا الموكل إليهم مهمة ترويضنا على قبول المخطط الموضوع لنا بجدارة فائقة ولو كان سيؤدي في النهاية إلى قبول المحتلين في بلادنا، باعتبار ذلك أمرا واقعا لا يجوز تجاوزه، ويحتجون لذلك بانتكاسات حصلت للأمة كانت الغلبة فيها للأعداء المحتلين.

قوة الصهاينة

وقد سمعت أحدهم يقول في تبرير ذلك: إننا لو قبلنا تقسيم فلسطين في الأربعينيات من القرن الماضي إلى دولة يهودية وأخرى فلسطينية لما احتلت إسرائيل فيما بعد الأراضي المصرية والسورية وبقية أرض فلسطين ولاستراحت المنطقة من تلك الحروب التي لم تأت بنتيجة»، ناسيا أو متناسيا أن الأمر لا يعود في حقيقته إلى قوة إسرائيل»، ولكن إلى عدم جدية قادة الدول التي خاضت تلك الحروب في الانتصار على العدو وإيقاع الهزيمة به، وللتدليل على ذلك تذكر حقيقتين:

الأولى: أن هذه الدول المجاورة للأراضي المحتلة لا تسمح لأي كان بالتسلل إلى فلسطين المقاومة العدو.

فكأنها حريصة على أمن «إسرائيل» ربما أكثر من حرص إسرائيل على أمنها وإلا فكان يكفي لإزالة هذه الدويلة أن تفتح هذه الدول لشعوب العالم الإسلامي المتعطشة للجهاد في سبيل الله حدودها لينطلق المجاهدون - وما أكثرهم - لاقتلاع جذور هذا الشر الذي زرعوه في قلب الأمة الإسلامية، وما فعله المجاهدون في غزة، وما فعله حزب الله بهذا الكيان في الصيف قبل الماضي خير دليل.

والثانية أن أحد زعماء أهم دولة من تلك الدول صرّح بأن هدفه من حرب ٧٣ كان فقط تحريك الموقف.

استعداد للتضحية

لكن في الأمة من يرفض هذا النهج الانهزامي ولديه استعداد كامل للتضحية والفداء، اقتباسا من معالم الهجرة، واقتداء بسلف الأمة، وتمسكا بالآيات والأحاديث التي تدعو المسلم للشهادة، قال تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ(141)  أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران:142).. فلسفتهم في ذلك أن المسلم خلق للعبادة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ(57)  إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات:58).

والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال يحتل أعلى مراتب العبادة وأفضلها، فإما العيش بعز وكرامة، وإما الشهادة في سبيل الله والفوز بالجنة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ (التوبة:52)، وما عداهما ذل وهوان في الحياة الدنيا وعذاب وشقاء في الآخرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38) إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة:39). ويتناقض مع حديث الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. ثم إن الواقع المفروض لم يكن حجة أبدا على الأمم للتنازل عن حقوقها الثابتة فجزيرة هونج كونج الصينية احتلتها بريطانيا قبل أكثر من مائتي عام ولكن الصين لم تقبل هذا الاحتلال الواقع بل ظلت تطالب بجلاء القوات البريطانية عن الجزيرة جيلا بعد جيل، حتى حصل هذا الجلاء عندما رأت الإمبراطورية المنهارة أن الصين تعاظم شأنها، ولا يمكن لها أن تحتفظ بالجزيرة الصينية بالقوة.

فلو أخذنا بنصيحة هؤلاء الانهزاميين فعلى الناس أن يتقبلوا الاحتلال الإسرائيلي» ل فلسطين، والأمريكي لـه العراق... وهلم جرا.

ومن ناحية أخرى، لم يكتف أعداء الأمة بفرض التبعية والهيمنة على بقية الأمة في خارج البلاد المحتلة، بل يريدون أن يتحكموا في الأسر داخل بيوتها، وأن يخرجوا الزوجة عن طاعة زوجها، والولد عن بر والديه، والمال عن تصرف مالكيه والناس عن عبادة ربهم.

وفي مثل هذه الأوضاع فباطن الأرض خير للإنسان الحر من ظاهرها، فالنهج الاستسلامي يتنافى مع معالم وأهداف الهجرة النبوية التي نعيش على عبقها ونفحاتها في هذه الأيام.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 876

94

الثلاثاء 26-يوليو-1988

العيد... آمال وآلام وتضحيات

نشر في العدد 1198

66

الثلاثاء 30-أبريل-1996

عيد الأضحى.. ودرس الفداء

نشر في العدد 1847

64

السبت 11-أبريل-2009

من الحياة يحبنا ونحبه