; من الحياة يحبنا ونحبه | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة يحبنا ونحبه

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 11-أبريل-2009

مشاهدات 62

نشر في العدد 1847

نشر في الصفحة 48

السبت 11-أبريل-2009

وقفت أتطلع جبل أحد، وأجول ببصري في أرجاء المكان، حيث جبل الرماة، وتحركت في خاطري ذكريات الماضي، وكأني أسمع قعقعة السيوف، وأشاهد السهام الخاطفة في معركة بين أبطال الإسلام وخير القرون بقيادة الرسول ﷺ ومعه أصحابه المجاهدون الأخيار وبين مشركي قريش، وأخذت أسترجع شريط المعركة كما قرأته في كتب السيرة، وذكرتني كل حبة رمل في هذه الأرض بالرسول وصحبه، وصولاتهم وجولاتهم في هذا الميدان، فشعرت بشوق شديد وحب لا يوصف لهذا الجبل العظيم، وشعرت بصدى قوي مؤثر لما جاء في الحديث عن رسولنا الكريم ﷺ في قوله: «أحد جبل يحبنا ونحبه»، ولقد أحببته، وهكذا ينبغي لكل مسلم أن يحبه، كما أحبه أكرم الخلق وأفضل معلم للحب محمد ﷺ.

يطل جبل أحد على المدينة المنورة من الجهة الشمالية، وهو بمثابة حصن طبيعي منيع، في شكل سلسلة تمتد من الشرق إلى الغرب مع الميل نحو الشمال من المدينة المنورة، بطول سبعة كيلو مترات، وعرضه يتراوح بين ٢ - ٣ كيلومترات ويبعد عن المسجد النبوي الشريف حوالي خمسة كيلو مترات تقريبا، وقيل: إن ارتفاع جبل أحد يتراوح بين مئات الأمتار في بعضه، ويزيد على ألف متر في بعضه الآخر.

وتتكون صخور جبل أحد من الجرانيت الأحمر، كما تميل أجزاء من هذه الصخور إلى اللون الأخضر الداكن وكذلك اللون الأسود وتتخلل هذه الصخور تجويفات طبيعية تسمى «المهاريس»، تحتجز مياه الأمطار.

وتنتشر بالقرب من جبل أحد مجموعة من الجبال: لكن جبل أحد له مكانة خاصة في قلب كل مسلم، حيث شهد غزوة أحد في العام الثالث من الهجرة بين المسلمين والمشركين الذين جاؤوا من مكة للأخذ بثأرهم من المسلمين، حيث انهزم المشركون أمام المسلمين في غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة.

وجبل أحد يمثل موقعًا إستراتيجيًا بالنسبة لجيش المسلمين آنذاك، إذ يطل على ملتقى عدد من الأودية الجارية والواحات الخضراء.

ولقد تمنيت أن أطيل النظر وأدقق البصر، وأن أمكث طويلاً في هذا المكان، وألا أترك شبرًا واحدًا من هذا الجبل حتى أزوره، وذلك لدوافع وجدانية عاطفية شعرت بقوتها وشدة تدفقها وتأثيرها فهو جبل:

1- يذكرنا بأمجاد النبي ﷺ، وحسن تخطيطه للمعركة، وتعميقه ممارسة الشورى مع أصحابه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

2-له هيبة عجيبة وكأنه يقف شامخًا يحكي أحداث الأمس، وثبات الأبطال، وفوز الشهداء، ويعلمنا التضحية والفداء.

3-يحتضن قبور الشهداء، في هذه الغزوة الشهيرة، وهؤلاء الشهداء من خيرة الشهداء، بلغ عددهم سبعين شهيدًا، منهم: أسد الله حمزة بن عبد المطلب، عم النبي ﷺ وأخوه في الرضاعة ومصعب بن عمير وسعد بن الربيع وحنظلة «غسيل الملائكة»، وعبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح وعبد الله بن جحش.. وغيرهم من الصحابة الكرام.

٤ -يحيي في النفس فريضة الجهاد، ويبث في الشباب روح الرجولة رافضين الميوعة التي وقع فيها كثير من شباب العصر، فمالوا إلى النعومة أو التخنث، أو التشبه بالفتيات والنساء !!

5- زيارته سنة عن الرسول الكريم، حيث بين ﷺ فضل زيارة هذا المكان العظيم، فعن عباس بن سهل عن أبي حميد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وساق الحديث، وفيه ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فقال رسول الله ﷺ: «إني مسرع، فمن شاء منكم فليسرع، ومن شاء منكم فليمكث فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة فقال: هذه طابة، وهذا أحد، وهو جبل يحبنا ونحبه»، والحديث متفق عليه.

وعن قتادة بن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسوله ﷺ: «إن أحدًا جبل يحبنا ونحبه» (متفق عليه). وعن أبي عيسى بن جبر مرفوعًا: «جبل أحد يحبنا ونحبه، وهو من حيال الجنة». ذكره ابن حجر في الفتح، وعزاه لأحمد.

وقد رجح ابن حجر في الفتح أن الحب من الجانبين على حقيقته وظاهره.

إن إقرار النبي ﷺ بحب الأثر «جبل أحد» إنما هو اعتراف بحب الأثر لا عبادته، وذلك نراه أيضًا في تقبيل الحجر الأسود، واستلام الركن اليماني إن رسول الله ﷺ بذلك يقر تلك القاعدة العظيمة التي مفادها أن حب الأثر دون اعتقاد خطأ.. إنما هو حب خالص وليس بدعة ولا شركًا.

إن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما تحرى أماكن صلاة رسول الله ﷺ. إن رؤية الآثار بعد استماعنا لقصصها وأحداثها تزيد من إيماننا، ونسيانها يجعلنا ننسى الجغرافيا والتاريخ والحب، وبرؤيتنا للآثار تزيد الأشواق إليها، ويتنامى حبنا لأصحابها، فرؤيتنا لآثار المصطفى ﷺ تزيدنا حبًا له صلوات ربي وسلامه عليه.

ولقد قرأت أن الملك عبد العزيز رفض مطالبات بإزالة قبة مسجد الرسول ﷺ، وإذا نظرنا إلى الإسبان- مثلًا- لرأينا كيف يحاول الغرب أن يصنع له تاريخًا دون أن تكون له جذور ممتدة في ذلك التاريخ.. إن الإسبان يبذلون كل جهد في الحفاظ على الآثار ببلادهم وإن كانت من صنع غيرهم، وكذلك يفعل الغرب كله، بل يحاول بعض غير المسلمين أن ينسب-كذبًا -لغيره آثار الغير، ولقد رأينا عبر الشاشات رئيس الكيان الصهيوني الأسبق «بيجين» يدعي أنهم بناة الأهرامات بمصر، على مسمع من الرئيس المصري محمد أنور السادات.

في هذا المكان العظيم تذكرت قصيدة كنت قد قرأتها سلفًا لأحد زوار هذا المكان الحبيب، وهو الشاعر الدكتور محمد الحمدو، ولندعه يصف الموقف، حيث يقول: «ذات مرة كنت أعمل في الصحة المدرسية في المدينة المنورة، قد كلفت بزيارة صحية المدرسة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وكان الفصل شتاء-فتوكلت على الله تعالى، وانطلقت من منزلي آنذاك من الحرة الشرقية-أحد أحياء المدينة المنورة-فإذا بي- وأنا أقود سيارتي أجد نفسي أمام مقابر الشهداء رضوان الله عليهم أجمعين، ولأن الزيارة مفاجئة لم أخطط لها سلفًا أخذتني رعشة روحية لجلال الموقف، وتحدرت دموع ساخنة امتزجت مع السعات خفيفة من البرد، وكانت تلك القصيدة بعنوان: «أحد جبل يحبنا ونحبه»، وفيما يلي بيانها: 

أحسد عليك مهابة ووقار *** وعليك من حسب النبي دثـــار

والريح تأخذ من سفوحك عطرها *** فدم الشهادة مسكها والغار

والغيم يأخذ من خشوعك طهره *** فتراه تغبط طهره الأمطار

والشمس تبدي فيك أجمل فجرها *** ولدى صباحك تمزج الأنوار

والبدر فوقك من حناء ينثني *** ولديك ترقد ثلة أقمار

الصادقون العهد لما عاهدوا *** الأوفياء الصحبة الأخيار

المانعون المصطفى بدمائهم *** فكأنهم يوم الوغى إعصار

الزائدون عن المدينة يوم قد *** فر المنافق واعتدى الكفار

فجزاهم المولى عن الإسلام ما *** هو خير ما يجزى به الأبرار

 ما الصخر يا أحد برأسك شدني *** أبدًا وهل تستعذب الأحجار

 لكنه حب النبي المصطفى *** ويحبه تحضوضر الأشعار

وبحبه تشفى القلوب من الهوى *** تصفو النفوس وتشمخ الأفكار

وبحبه الأرواح تسمو حيث لا *** حسد ولا حقد ولا استكبار

أو غيره صلى عليه الله في *** ملكوته أو غيره المختار

 أو غيره يعطى لواء الحمد في *** يوم لشدته يشيب صغار

مدحي لغيرك فيه بعض تكلف *** ومدع قدرك عزة وفخار

وبشسع نعلك هذه الدنيا وهل *** كجلال قدرك تمنح الأقدار

صلى عليك الله يا علم الهدى *** ما نام ليل واستفاق نهار

صور ودروس:

جالت بخلدي بعض الصور والأحداث التي شهدها جبل أحد فنظرت فيها نظرة المتدبر المعتبر، وكان من أهمها:

۱-«شوق الفتيان»:

فقد تذكرت مشهد رافع بن خديج وسمرة بن جندب، وكانا صغيري السن فأجاز النبي ﷺ رافع بن خديج لمهارته في رماية النبل فقال سمرة: أنا أقوى من رافع، أنا أصرعه، فلما أخبر رسول الله ﷺ بذلك أمرهما أن يتصارعا أمامه فتصارعا، فصرع سمرة رافعاً فأجازه أيضًا.

قلت: سبحان الله! أين كثير من شباب المسلمين من هذا الموقف؟ فتيان صغيران يتوقان للجهاد في حين انشغل كثير من شبابنا بما أراده لهم الأعداء والمنافقون من «موضات» قص الشعر والملابس التي تختلط فيها الذكورة بالأنوثة!!! فليت شبابنا يفيق من سكرات الموضات وغيبوبة الانحرافات.

٢ -تمرد المنافقين:

كأني بعبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، وقد انسحب بثلث الجيش (ثلاثمائة مقاتل من المنافقين)، وهو يقول: ما ندري علام نقتل أنفسنا؟ متظاهرًا بالاحتجاج بأن الرسول ﷺ ترك رأيه وأطاع غيره.

قلت في نفسي: لا شك في أن الهدف من انسحاب هذا المنافق هو إحداث الاضطراب والبليلة في جيش المسلمين على مرأى ومسمع من عدوهم ولو كان السبب عدم نزول النبي ﷺ على رأيه كما زعم لما سار مع جيش المسلمين منذ بدء تحركه ولكنه قصد تشجيع الأعداء، وإضعاف الروح المعنوية للمسلمين المجاهدين ولا شك أيضًا في أنه كان يخشى على نفسه من الموت، وهكذا ديدن المنافقين في كل مكان وزمان! ولقد كاد هذا المنافق أن يحقق هدفه، فلقد همت طائفتان (بنو حارثة من الأوس، وبنو سلمة من الخزرج) أن تفشلا، ولكن الله عز وجل تولاهما، فثبتنا بعد أن همتا بالانسحاب والرجوع. قال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران:122)

قلت: ليت السذج من المسلمين أصحاب النيات الحسنة يدركون خطورة المنافقين، وليس ببعيد ما يحدث في أرض الرباط بفلسطين، حيث يوجد فريق المجاهدين الصادقين السائرين على درب المصطفى وصحبه، وهناك الفريق المنافق الذي يخذل هؤلاء المجاهدين ويضعف من عزيمتهم ويخطط لإحداث الاضطراب والارتباك وإضعاف الروح المعنوية لأهل الحق، ومساعدة الأعداء عليهم، ولعل أشد ما يؤلم كل مسلم مخلص أن كثيرًا من المسلمين البسطاء ينخدعون بأقوال المنافقين وتصرفاتهم !!

٣ - الباطل ملة واحدة:

أرسل أبو سفيان إلى الأنصار يقول خلوا بيننا وبين ابن عمنا فتنصرف عنكم، فرد عليه الأنصار ردًا شديدًا وأسمعوه ما يكره.

وتجولت نسوة قريش بقيادة هند بنت عتبة-في صفوف المشركين يضرين بالدفوف، ويستنهضن الرجال، ويحرضن على القتال.

ولقد ذكرني كلام أبي سفيان بدسائس الأعداء ومحاولاتهم تفرقة المسلمين، كما ذكرني فعل نسوة قريش بما يبث على بعض الشاشات عن الاحتفال بالنصر من تمايل الراقصات تحت شعار الفن، ولا أدري ما العلاقة بين الرقص والميوعة وبين انتصار الأبطال في ساحات الإباء والجهاد.

4-كيف نعبر عن فرحة النصر؟

لما تقارب الجمعان، وحانت لحظة القتال خرج طلحة بن أبي طلحة العبدري حامل لواء المشركين-وكان من أشجع فرسان قريش-فدعا أحد المسلمين للمبارزة وهو راكب على جمل فأحجم الناس لفرط شجاعته، لكن الزبير لم يمهله، وسرعان ما وثب إليه وثبة الأسد حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض فألقاه عنه وذبحه بسيفه، فلما رأى النبي ﷺ ذلك كبر وكبر المسلمون، وأثنى ﷺ على الزبير، وقال في حقه: «إن لكل نبي حواريا، وحواري الزبير» (ذكره صاحب السيرة الحلبية ١٨/٢).

5- يا لهم من رجال !!

أ- أسد الله حمزة:

لقد قاتل حمزة قتال الليوث المهتاجة فبعد أن أسهم في إبادة حاملي لواء المشركين، أشبع المشركين قتلًا وأوجعهم، إلى أن حانت لحظة تكريمه بالشهادة، فقتله وحشي ذلك الحبشي الذي وعده سيده «جبير بن مطعم» بعتقه إذا قتل حمزة رضى الله عنه عادة ولم تكن له مهمة سوى تلك، ولكنه لم يجرؤ على مواجهة أسد الله حمزة، فاختبأ خلف شجرة وقذفه بحريته فلقي حمزةt ربه شهيدًا مكرمًا.

ب- أبو دجانة رضي الله عنه:

هو صاحب العصابة الحمراء، كان يلبسها ويمشي متبخترًا، وحينئذ قال رسول الله ﷺ: «إنها المشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن».. لقد قاتل قتال الأبطال، وجعل لا يلقى مشركًا إلا قتله. وقد حمل أبو دجانةt على قائدة نسوة قريش «هند» دون أن يدري أنها امرأة، يقولt واصفًا ذلك الموقف: «فلما حملت عليه ولول، فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة».

ج- غسيل الملائكة «حنظلة» رضي الله عنه: 

وبحث المسلمون عن حنظلة، فوجدوه في ناحية فوق الأرض يقطر من نعشه الماء، فأخبر رسول الله ﷺ أصحابه أن الملائكة تغسله! ثم قال: «سلوا أهله ما شأنه»، فسألوا امرأته فأخبرتهم أنه سمع بالمعركة وكان يجامعها-وكان حديث عهد بالزواج-فانخلع من الفراش، ولبى داعي الجهاد، فاستشهد.

الرسول ﷺ يعلمنا:

لقد علمنا رسولنا الكريم في هذه الغزوة:

-كيف نمارس الشورى ونعمقها.

-كيف نستعد للأعداء.

-كيف نتعامل مع المنافقين.

-كيف ندير الأزمات.

-الثبات عند الزحف.

-التضحية بالثمين الغالي من أجل الدين.

-الحفاظ على الأصحاب والأحباب ونبذ الأنانية.

-شكر الله تعالى والثناء عليه في كل الأحوال. 

- حب الله والدين والأحباب والأصحاب.

ولقد علمتنا الغزوة:

-ألا نعصي الله تعالى ورسوله ﷺ، فعصيان الرماة لأوامر الرسول كانت سببًا في تحول المعركة الصالح المشركين.

-بالجهاد يتميز المؤمنون الصادقون من المنافقين المخادعين.

-الشهادة في سبيل الله تعالى شرف وتكريم ووسام عظيم.

-حب القيادة والتفاني في الدفاع عنها مادامت لا تأمر بمعصية الله تعالى.

- إن مع العسر يسرًا.

اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب من يقربنا إلى حبك، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين ... آمين.. آمين.. آمين.

(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

152

الثلاثاء 31-مارس-1970

مقامة

نشر في العدد 330

108

الثلاثاء 28-ديسمبر-1976

من شذرات القلم (عدد 330)

نشر في العدد 397

77

الثلاثاء 30-مايو-1978

أعداء المسلم (الجزء الثاني)