; بلا حدود: خليفة رابين | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود: خليفة رابين

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1995

مشاهدات 73

نشر في العدد 1176

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 21-نوفمبر-1995

اكتسب إسحاق رابين- رئيس وزراء إسرائيل القتيل شعبية كبيرة بين الإسرائيليين من خلال سجله الدموي الحافل بالجرائم البشعة التي ارتكبها ضد العرب والمسلمين طوال ما يزيد على خمسين عامًا، شأنه في ذلك شأن الزعماء الصهاينة الذين قادوا إسرائيل، منذ عام 1948م وحتى الآن؛ لذلك فإن أنظار الصهاينة لم تتجه بعد مقتل رابين إلى شيمون بيريز - رديف رابين في حزب العمل، حتى وإن اختاروه مؤقتًا رئيسًا للحزب ورئيسًا للوزراء خلال هذه المرحلة، وإنما اتجهت إلى شخصية دموية أخرى تربت على يد رابين، ومارست نفس سياساته الدموية تجاه العرب والمسلمين، وهي شخصية تحمل نفس الروح الاستئصالية للوجود العربي في فلسطين وما حولها.. هذه الشخصية هي شخصية يهودا باراك - وزير الداخلية الإسرائيلي الحالي، ورئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي.

ولد يهودا باراك في إحدى المستوطنات اليهودية في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٢م، وفي عام ١٩٥٩ التحق بوحدات الكوماندوز بالجيش الإسرائيلي، وتم ترقيته في عام ١٩٦٢م إلى رتبة ملازم، سافر بعدها إلى فرنسا، حيث تلقى دورات تدريبية عسكرية، وفي عام ۱۹۷۸ حصل على الماجستير في تحليل الأنظمة من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا، ثم حصل على الدكتوراه في الفيزياء والرياضيات من الجامعة العبرية في عام ١٩٨٦م، إلا أن الدور الرئيسي لباراك كان داخل أجهزة الجيش الإسرائيلي المختلفة، حيث حفل سجل باراك بالترقيات السريعة والعمليات العسكرية البارزة، والتصفيات الدموية التي نالت شخصيات عربية معروفة، فقد شارك باراك في حرب ١٩٦٧م، وكان برتبة نقيب، وقاد إحدى كتائب الكوماندوز التي قامت بعمليات عسكرية خلف خطوط الجيوش العربية، كما شارك في حرب ١٩٧٣م، وكان قائدًا لكتيبة دبابات شاركت في الحرب على الجبهتين المصرية والسورية، وفي عام ۱۹۸۲ كان باراك قائدًا لفيلق يضم مجموعة فرق مدرعة قامت بغزو جنوب لبنان، ثم عُيّن في عام ١٩٨٦ قائدًا للمنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، حيث شارك بشكل مباشر في قمع الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية، مما جعل أيدي باراك ملوثة بدماء المصريين والسوريين والإردنيين واللبنانيين والفلسطينيين شأنه في ذلك شان أستاذه رابين.

 لكن جرائم باراك لم تقف عند هذا الحد، وإنما حَفِل سجله بعمليات تصفية دموية جريئة قام بها الكوماندوز الإسرائيلي لرموز فلسطينية، كان باراك هو العقل المدبر والمنفذ لها، ففي إبريل عام ١٩٧٣ قاد يهودا باراك مجموعة كوماندوز إسرائيلية؛ حيث نفذوا في بيروت عملية اغتيال أبو يوسف النجار، وكمال عدوان وكمال ناصر، الذين كانوا يعتبرون من أبرز قادة منظمة التحرير الفلسطينية في ذلك الوقت، وفي إبريل ۱۹۸۸م شارك باراك في تصفية خليل الوزير «أبو جهاد»، الرجل الثاني في منظمة التحرير في عملية مشابهة، ولكن في تونس هذه المرة.

هذا السجل الحافل لباراك في الجرأة والدموية والإجرام جعله يقفز السلم العسكري في الجيش الإسرائيلي بسرعة، حتى أصبح الجندي الذي حصل على أكبر من الأوسمة في تاريخ «إسرائيل» مما دفع الجنرال موشى ديان- وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق وأحد القادة الدمويين في إسرائيل. إلى أن يصف باراك بعد إحدى عمليات الكوماندوز التي نفذها قائلا: «إن باراك يعتبر الجندي اليهودي الأكثر شجاعة؛ حيث شارك باراك في كل عمليات الكوماندوز التي نفذتها الدولة الصهيونية ضد أهداف عربية خلال الثلاثين عامًا الماضية.

وعلاوة على المناصب التقليدية التي تقلدها باراك خلال حياته العسكرية، فقد تقلد مناصب حساسة في الجيش الإسرائيلي أبرزها رئاسة شعبة التخطيط في هيئة الأركان عام ١٩٨٢م، وبعد ذلك أصبح في إبريل ۱۹۸۳ رئيسًا لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي خلفًا ليهوشع ساجي، وفي عام ۱۹۸۸ أصبح باراك رئيسًا لشعبة العمليات في هيئة الأركان، وبذلك أصبح نائبًا لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وظل في منصبه هذا حتى اختاره رابين بعدما تولى رئاسة الوزارة في عام ١٩٩٢م رئيسًا لأركان القوات الإسرائيلية، وكان باراك يحظى برعاية خاصة من رابين، وزادت هذه الرعاية بعدما وجد رابين أن باراك هو أصلح من يخلفه في زعامة الحزب وقيادة الدولة العبرية.

لقد حرص رابين منذ تولى زعامة حزب العمل في منتصف السبعينيات أن يبحث عن خليفة دموي مثله يحمل صفاته، وينهج نهجه العدواني الدموي في التعامل مع العرب، ووجد رابين ضالته آنذاك في موردخاري جور الذي كان تاريخه الدموي يكاد يكون صورة طبق الأصل من تاريخ رابين؛ وهذا ما دفع رابين في ذلك الوقت أن يعين جور رئيسًا لأركان الجيش الإسرائيلي، ثم يدخله بعد ذلك في السلك السياسي كما فعل رابين، وهذا ما حدث بالفعل، فبعدما تقاعد جور في بداية الثمانينيات من الجيش التحق بحزب العمل، وعمد رابين إلى تصعيده حتى أصبح جور الرجل الثالث في الحزب بعد رابين وبيريز. وحينما تولى رابين رئاسة الوزارة في عام ۱۹۹۲م احتفظ لنفسه بمنصب وزير الدفاع وعين موردخاي جور نائبًا له تمهيداً للقفزة الأعلى إلا أن الله سبحانه وتعالى أفسد على رابين خططه وأُبتُلی جور بأمراض فتاكة جعلته خيارًا صعبًا لرابين، وجعلت جور بعد ثلاث سنوات من عذاب المرض ينتحر بمسدسه في بداية عام ١٩٩٥م حتى ينهي عذاب الدنيا، لذلك كان اختيار رابين لباراك.

فباراك بعد تقاعده من رئاسة الأركان في بداية ١٩٩٥، كان قد قضى ٣٥ عامًا في الجيش، وهي نفس المدة التي قضاها رابين، ومر تقريبًا بمعظم المراحل العسكرية التي مر بها رابين وزعامات العمل التاريخية التي حكمت إسرائيل، مثل ديفيد بن جوريون وليفي أشكول وموشى ديان، وإيجال ألون، وله نفس المقدار من الكراهية للعرب والنبوغ في العمليات الدموية الإجرامية ضدهم، كما أنه يعتبر شابًا بالنسبة لزعامات العمل الرمزية التي تجاوزت السبعين، فعمره ٥3 عاما، وهو ما يُمكنه من مواجهة زعامة الليكود الشابة المتمثلة في بنيامين نيتنياهو «٤٦» عامًا ولعل هذا ما دفع مارتن إنديك . سفير الولايات المتحدة اليهودي في إسرائيل، ليقول: «إن حزب العمل لن يفوز في الانتخابات القادمة، إلا إذا استطاع أن يقنع باراك بتولي الزعامة فيه»، لذلك فقد عينه رابين وزيرًا للداخلية بعد تقاعده من رئاسة الأركان في بداية ١٩٩٥م، وعينه بيريز الآن في حكومته الجديدة التي أعلنها في الأسبوع الماضي مشرفًا على وزارة الدفاع إلى جوار وزارة الداخلية، وتعتبر وزارة الدفاع هي أرفع المناصب في الكيان الصهيوني بعد رئاسة الوزراء، وبقيت الخطوة الأخيرة لباراك وهي قيادة حزب العمل، ومن ثم قيادة إسرائيل في مرحلة جديدة من مراحل الصراع والمواجهة الدموية مع العرب والمسلمين.

الرابط المختصر :