العنوان دروس تربوية من الثورات الشعبية (1)
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 19-مارس-2011
مشاهدات 62
نشر في العدد 1944
نشر في الصفحة 50
السبت 19-مارس-2011
تعد الثورات الشعبية العربية أحدث المدارس التربوية، تميزت ثورة تونس بالسبق فألهمت الشعوب فقه التغيير، وبثت الأمل بعد الجزع الطويل، فتحية إلى أهل تونس العظماء السباقين.
ثم جاءت مدرسة مصر، ذلك البلد العظيم الذي علم الأمة في مختلف العصور، وقادها
إلى العلياء أحيانا، وهبط بها - لضعف القيادة - أحيانا أخرى.. ففي إحدى الانطلاقات
العلوية قامت ثورة مصر، التي كان لها أثر بالغ في النفوس والسلوكيات.
لقد دفعت ثورة مصر قادة الغرب وأجبرتهم على أن يقولوا عنها: إنها يجب أن تدرس في المدارس والجامعات، لأنها علمت الدنيا فقه التغيير السلمي الراقي، والحفاظ على الإرث الحضاري، هؤلاء الذين نظموا المرور، وبثوا الطمأنينة عندما عربد المفسدون المجرمون، هؤلاء الأبطال الذين وقفوا في وجوه المخربين، وحموا النساء والشيوخ والبنات والبنين بدمائهم ونفوسهم، وشتان بين من يهب دمه ونفسه ويبذلهما في سبيل الله، وبين من يهتف بحنجرته وسيفه وبغاله وجماله بالروح بالدم نفديك يا فلان!! هؤلاء الذين امتزجوا بأهلهم، فأطعموا الجياع، ووفروا الدفء لمن تأففوا من شدة البرد، وحملوا الجرحى وشيعوا الموتى، ونظفوا الشوارع، صبغوا الأسوار والحوائط، هؤلاء الذين علمونا الإحساس بالمسؤولية، وسقونا الولاء والانتماء، وعلمونا الواجب وأداءه، وربونا على الصبر والعزيمة والإصرار على تحقيق الهدف والأمل، والهمة العالية، والبصيرة النافذة، والإيثار، إن هذه السلوكيات الراقية تجعل كل إنسان يتهافت عليها، وينبهر بأصحابها فيتمنى، ذلك أن أداءهم الحضاري وما أحدثوه من نتائج على أرض الواقع والحقيقة يعد نقطة تحول في حياة شعوبنا وأمتنا، وهي بحق لحظة خلاقة سجلها التاريخ بحروف من ذهب على صفحات من فضة هذا بالإضافة إلى الرصيد الشعبي الإبداعي العظيم من شعر وإنشاد وطرائف وفكاهات وغيرها من سائر الفنون التي تأخذ بالعقول والأفئدة.
ثم جاءت الثورتان الليبية واليمنية وفيهما رأينا ثبات الثوار وبسالتهم، وصلابة
استمساكهم بثوابتهم وأهدافهم كلما زاد قمع الأنظمة وصلفها.
وثمة دروس تربوية عظيمة وكثيرة، من أهمها:
1 - الإيمان بالله أقوى أسباب النصر
فقد بدأت كل ثورة وليس هناك مجال للمقارنة بين قوة النظم المستبدة، وقوة الشعب الأعزل،
وأقصد هنا القوة المادية، وبرغم ذلك انتصرت قوة الشعب الأعزل، إلا من قوة الله تعالى
وتوفيقه، وصدق ربنا سبحانه إذ يقول: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ
الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾(آل عمران:126) ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40).
إن آيات ربانية تجلت في أحداث الثورات العربية، كان من أهمها التناقض الذي وقع
فيه قادة النظم القمعية بين استعطاف هؤلاء القادة لشعوبهم، وبين العنف والضرب والقتل
والاعتقالات التي تعقب هذا التضارب مما أيقظ الطيبين السذج من الشعب - وهم كثيرون
- ونبههم إلى أن ما يقوله القادة المستبدون، ويعدون شعوبهم به، لا يتجاوز حناجرهم،
وما هو إلا خداع وسراب.
ومن الآيات الإلهية التي نراها جلية في الثورات العربية تلاحم قوى الشعب، رغم
اختلافها في الفكر والفلسفة والدين والعمر والجنس.
ومن الآيات الربانية للثورات العربية الشعبية، أن فتح الله لها قلوب العالم والبشر
وسواء في الداخل أم في الخارج، حيث روی شهود العيان أن أفراد الشعب القادرين المتيسرين
كانوا يتبرعون بالطعام والشراب والغطاء والمأوى للثوار، ويفتحون لهم قلوبهم وأذرعهم
يحتضنونهم.
2- صلابة الإرادة وقوة العزيمة من أهم
أسباب النجاح:
فلطالما أشفق الناس على الثوار، وتعاطفوا معهم، كلما حمي الوطيس، فكان التضييق
والعنف لا يزيد الشعوب إلا صلابة وإصرارا على المضي في طريقهم حتى تتحقق آمالهم.
3- فلترة الأخبار وتوقي الإشاعات:
فلقد حاول الإعلام الخائن وأصحابه المنافقون أن يشيعوا الشائعات، وأن يهزموا
الثوار بترويج الإشاعات، وإضعاف الروح المعنوية، ولقد أريد بنا أن نتعلم في مؤسسات
تربوية تربينا على الطاعة العمياء والخنوع ولم نتدرب على النقد الحقيقي وإبداء الرأي
في ذوق وشجاعة.
4- إرادة الحياة تستحق التضحيات:
فقد جاءت الثورات بعد زمان طال فيه القهر من العصابات التي يتم التحقيق معها
الآن من زبانية الحكم ولصوص مقدرات الشعوب وممتلكاتها بعد أن حرموا الشعب من الحرية
والعدالة، وبعد أن استفحل الفساد وتورم، واتسعت المحسوبية والرشوة وساد الفقر والجوع
والمرض والحرمان، وعطل القانون، وحرف الدستور، وتحول الخونة إلى أمناء، ورمي الأمناء،
وقذفوا بالخيانة، بعد أن تحكم الطغاة في أبواق الإعلام، واستخدمت ضد الشعب وهي من ماله
وإنفاقاته!!
بعد هذا الأمد الطويل الذي بدأ كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه
سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض.. نهض المارد من رقاده الطويل، ينشد التحرير ويريد تمكينه
من تحقيق ذاته والحصول على حقوقه وتحقيق حريته التي تمكنه من العطاء لوطنه والإبداع
من أجل تقدمه، وبعد أن عانى التغني بالتقدم الزائف الذي فقد فيه الوطن عزته وكرامته.
جاءت ثورات عام ۲۰۱۱م ضد الظلم والاستغلال والتسلط بعد أن صار الناس كالقطيع
لا يشعرون بالأمن والأمان، واغتيل تفكيرهم، وزيفت إرادتهم، وانتبه الشعب فلما أفاق
قال: سبحانك»، علمني ربي أنه لا ثمرة دون جهد، ولا نجاح دون تضحيات، فنهض الشعب باذلا
مضحيا معطاء، فافتدى وطنه بدمه وروحه، ليعلم البشر كيف يتحررون من الظلم والاستعباد..
لقد أعادت الشعوب - التي طالبت بحقوقها بأساليب راقية متحضرة - الكرامة والحرية لما
جاهدت وضحت، وبذلك رسمت الطريق لمن يشعر بأنه سجين في وطنه كيف يحصل على حريته.
5- نعم للإيجابية لا للسلبية:
عندما تكون سلبيين إنما تكون شركاء في الفساد، فيجب أن يمتنع الناس عن دفع الرشوة
والإتاوات ونقول للمخطئ قف ونرفض تنفيذ الأوامر الخطأ ونقوم بالإبلاغ عن المخالفات
ونحرص على تغيير الباطل ونتصدى للفساد، ونقاطع الألفاظ والممارسات السلبية مثل: وأنا
مالي؟»، وودع ما لقيصر لقيصر»، أو داخل الحيط»، و«أنا موش هصلح الكون.... فنحن إن تجنبنا
هذه السلبية كنا إيجابيين، وانتصرنا على اليأس، ومن ثم يشيع الإصلاح، ويعود مردوده
علينا وعلى مجتمعاتنا وأمتنا.
6- بداية الهلاك خطأ يجر خطأ:
فلقد رأينا وسمعنا على مر السنوات الماضية بعض المخلصين من أبنا الشعوب المقهورة
يطلبون حقوقا زهيدة، فتقابل - من قبل المسؤولين - بصلف واتهامات بالتحريض وعدم الولاء
للوطن وإثارة الشعب ولم يستجب ولاة الأمور لهذه المتطلبات والحقوق الزهيدة، وظل الخطأ
يتلو الخطأ ولو استجابوا لما وقعت الواقعة، ولكنهم لم يدركوا أن المخطئ جبان، فكان
ذلك في صالح الشعب الذي سرقت حريته وحقوقه، وكان ذلك بمثابة المسمار الأخير الذي دق
في نعش الجبابرة.
7- ضرورة العمل الجماعي لا ينكر أحد أنه لا يوجد عصر من العصور إلا وفيه مصلحون،
لكن التاريخ علمنا أن الفرد مهما أوتي من قوة وعزيمة وهمة... فإنه لا يستطيع أن يصلح
عظائم الأمور بمفرده، فلما اجتمعت طوائف الشعب وأفراده على كلمة سواء وكانت الرسالة
سلمية سامية خالصة مخلصة.. كتب الله للشعوب النجاح والنصر والفلاح.
فما أعظم قول ربنا سبحانه يخاطب الجماعة ويأمرهم بالعمل في قوله عز وجل: ﴿وَقُلِ
اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ
وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا
كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:105) وأعظم بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم
بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ
فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران:103).
وفي المقابل، فإن جميع الأنشطة والأعمال الفردية لم تفلح في تحقيق علاج جذري
لهذه النظم المستبدة المتسلطة على شعوبها.
8- المستحق أن تخشاه هو الله:
فقد ينتفش الباطل ويتورم، ويبدو للجبناء قويا، لكنه في الحقيقة كنمر من ورق،
ولك أن تتصور أن جهازا قوامه نحو مليون ونصف المليون فرد مزود بكل أسباب القوة ينهار
بين عشية وضحاها، ويتبخر فلا ترى له أثرا، وقد كان منذ سويعات يعتقل الناس ويسومهم
سوء العذاب!! ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ
عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21).
وقد ظل الناس حينًا من الدهر يخشون الناس والله أحق أن يخشوه، فلما استعاد الناس
إيمانهم، واستقووا بربهم، أعزهم الله ونصرهم، ورحم الله عمر: كنا ضعفاء فأعزنا الله
بالإسلام، فإن طلبنا العزة في غير الإسلام أذلنا الله..
9- ليس الصواب في رأي الأقوى:
فقد ظل من لديهم القوة وسخرت لهم إمكانات البلاد يسيطرون بآرائهم الفاسدة التي
أرجعت البلاد والعباد القهقري، وضيع حزب الأغلبية الحزب الوطني الفاسد كرامة الأمة
وهيبتها، وتعللوا وهللوا بأنهم الأغلبية، وطاوعهم كثير من السذج أو علماء السلطة المنتفعون،
وروجوا الأكاذيب وأعطوها مصداقية الأغلبية وبريق العلم الزائف المسخر لصالح أهل الباطل
ضد أصحاب الحق، ولن أنسى أبدا خطبة أحد هؤلاء ممن يسمون علماء وهم في الواقع أبواق
للسلطة، ذلك الرجل الذي تجاوز السبعين، ولم ينهه علمه، ولم تزجره شيبته حتى تمادى وسمى
الثائرين بمصر - في خطبة الجمعة التي كانت جمعة الخلاص من النظام في مصر - سماهم «المارقين!!
أين علمك أيها الشيخ الأستاذ؟ ألم يكفك عمرك الطويل في التطبيل للسلطة؟! ألم يكفك دعمك
لنظام نهب البلد، وجوع شعبه، وأهانه وأضاع هيبة بلده، وحاصر إخوانه في الدين والعروبة
في غزة المقهورة من الأحباب والأعداء؟! فحسبنا الله ونعم الوكيل.
10 - ضرورة التربية الذاتية لنا ولأولادنا على التعايش مع الآخر في الوطن الواحد:
إن النجاح يعني الرقي في المنصب، وإن المنصب لا يعني بالضرورة أن صاحبه ناجح فالطالب الذي التحق بكلية الطب مثلا لا يعني أنه نجح، ولكن تميزه في أداء دوره هو الذي يؤكد نجاحه، وأن نعي أن الرهان دائما يكون على العنصر البشري، وليس على ما يمتلكه الإنسان من عدة وعتاد، وقدرات مادية وأن نتربى على أن الرزق في السماء لا في يد المخلوق، وكذلك أعمارنا وأولادنا، فأقدارنا جميعا بيد الله لا بيد المخلوق، وأن نزداد إيمانا ويقينا بالله إذا قام أعداؤنا بإرهابنا وتخويفنا فلنا في سلفنا الصالح الأسوة الحسنة، ولنا في القرآن الكريم خير توجيه، فقد قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173) فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران:174).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل