العنوان نقض الأمثال الشارحة لسد الذرائع
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2012
مشاهدات 58
نشر في العدد 2009
نشر في الصفحة 66
السبت 30-يونيو-2012
ليس من العسير - بعكس ما كنت أتوقع - حصر الأمثال المضروبة في شرح قاعدة الذرائع فتحا وسدا .. رغم كثرة المؤلفات الأصولية والفقهية التي تناولتها قديما ووسيطاً وحديثاً، وخصوصاً في كتب أصول المالكية والجانبلة وفروعهم، وشروحهم، وحواشيهم، وهي موجودة أيضا ولكن بدرجة أقل كثيرا لدى غير هؤلاء وأولئك، وقد خلصنا من حصرها إلى أن هناك ما لا يزيد على ثلاثين من الأمثال الأساسية الشارحة لقاعدة سد الذرائع وفتحها .. هي التي نجدها سارحة ومهيمنة على أغلب تلك المؤلفات.
ففي ذرائع العبادات والعقائد مثلاً : نجد باستمرار أمثال: سب الأوثان ... وسب الرجل والديه .. و من شك في وضوئه أو صلاته ... و المتحيرة في الحيض، ورجل له ثوبان أحدهما طاهر، والآخر نجس لا يستطيع تمييز أحدهما عن الآخر، يصلي عريانا على أحد الأقوال ، ودخول الركبة في حدود العورة، والأسير يلتبس عليه دخول شهر رمضان .. و من لبس خفيه فأحدث، ثم مسح، فشك هل كان قبل الصلاة أم بعدها ؟! ...
وفي ذرائع المعاملات الاقتصادية نجد باستمرار أمثال: حفر بتر في طريق المسلمين، ومسألة حمار ربيعة التي يمثلون بها لأغلب بيوع الأجال إلى اليوم كما عند المالكية، وبيع السلاح في زمن الفتن، وبيوع الغرر التي يمثلون لها إلى اليوم ببيع السمك في الماء، والطير في الهواء، وبيع المرء ما في كمه، وبيع عسب الفحل .. وشاة من قطيع ... وما دري معاصرونا أن الهاتف النقال، قد أزاح أكثر من ثلاثة أرباع الحاجة إلى فقه بيوع الغرر حيث خفضت الاتصالات الحديثة وسهولتها احتمالات الجهالة وما يترتب عليها من ضررهما ) على تحريم بيوع الغرر، ومعروف عند أصحاب النظر الفقهي أن الجهالة هي الأساس المكين الذي سعى المجتهدون القدماء إلى الاحتراز منه حتى لا تضيع الحقوق والمصالح في هذا النوع من البيوع، أما وقد قضت ثورة الاتصالات على بيئة الغرر وانقشعت غمامة الجهالة بهذا الجهاز النقال، فلم يعد للأمثال الموروثة لشرح بيوع الغرر من فائدة أو قيمة لا عملية ولا نظرية.
أما في الذرائع ذات الصلة بالعادات والأعراف والسلوكيات الاجتماعية، فالأمثال أقل عدداً وأقل انتشارا، ومنها التبول في الطريق العام والتصرف مع الخنثى المشكل ! والتجاور في سكنى البيوت، ودخول الحمامات العامة لغرض النظافة، ولعب الشطرنج، ونار في ملك امتدت للغير، وجارية مشتركة بين اثنين ... إلخ.
ما لاحظناه في الأمثال المضروبة في المجالات السابقة هو أنها باستثناء مثالين أو ثلاثة تكاد تندرج كلها في الاستدلال على «سد » ذريعة، أو احتياط من مفسدة متيقنة، أو يغلب على الظن وقوعها وليس منها أمثال، إلا ما ندر، على فتح ذرائع إلى جلب مسالح في أي من تلك المجالات، ومن ذلك المثل الذي ضربوه بـ عدم المنع من زراعة العنب بحجة أن يتخذ خمرا، والسماح بمجاورة البيوت رغم خشية وقوع الزنا، هذا بالرغم من أن الجميع يسلمون بأن الذريعة كما يجب سدها، يجب فتحها .. ويستذكرون مقولة الشاطبي، والقرافي من بعده التي يقول فيها، واعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، ويكره ويندب ويباح .....
وأما في ذرائع العقوبات والجزاءات الجنائية، فهي وإن كانت قليلة العدد مقارنة بالأمثال في المجالات السابقة؛ إلا أن أغلبها يندرج في خانة فتح الذرائع .. والمثير للانتباه هنا هو أن السلطان ... أو القاضي هو من رخصوا له في التصرف من باب فتح الذرائع في الجنايات، على ما يظهر من الأمثال التي ضربوها، وأكثر الأمثال شهرة قال بها المالكية، ومنها أن لولي الأمر التعزيز الشديد في أمور ليست فيها حدود منصوصة، ولو أتي التعزير على نفس المتهم... قال خليل المتوفي سنة ٧٧٦هـ / ١٣٧٤م يرحمه الله وعزر الإمام المعصية الله، أو لحق آدمي، وإن زاد على الحد أو أتي على النفس ومنها أن للقاضي أن يحكم بما يدل عليه ظاهر الشهود إذا زكاهم الثقات، وألا يرد شهادتهم لمجرد الاحتياط...
وهناك مثال ثالث يخص سارق الكفن (نباش القبور)، وقد تجادل في عقوبته الحنفية قديما، ولا يزال المحدثون يستعيدون المثال نفسه، مثلما يستعيدون غيره من الأمثال القديمة دون أي تغيير رغم أن وقائع تلك الأمثال قد توارت من الوجود، وكادت تتلاشى من المخيال الاجتماعي لانقطاعها من الواقع المعاصر، هذا الواقع المعاصر الذي بزغت فيه أمثال أكثر خطرا تصل إلى سرقة المال العام، ونهب البنوك، وتصل إلى سرقة الوطن»، وهو بلا شك أهم من مسألة سرقة الكفن التي لا يزال بعضهم يرددها للشرح والتفهيم.
لا تدل الأمثال النادرة في مسائل الجنايات والعقوبات على وجود فجوة معرفية، وتهميش المسائل أكثر أهمية فقط وإنما تدل تلك الأمثال أيضا على ميل جارف نحو فتح باب الذرائع على مصراعيه للحاكم ( السلطان) كي يفعل ما يشاء من منظوره الأمني حتى لو تجاوز الحد وأتى على النفس، على ما جاء في مختصر خليل، والمشكل هنا ليس في أنني أعاند في حق السلطان في التعزير، لاعتبارات أمنية، أو أقلل من حق القاضي فيه لاعتبارات حقوقية وإنما معاندتي هي في أن السابقين والمحدثين لم يبحثوا في كيفية التحقق من جدية الأدلة، وعدالة الإجراءات التي يتخذها السلطان، وضمان عدم إساءته للسلطة الممنوحة له؛ حتى تفتح أمامه الذرائع على هذا النحو، لا أظن أن المالكية أو غيرهم من الفقهاء قد طرحوا على أنفسهم هذا السؤال قديماً أو حديثاً ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل