العنوان الهداية إرادة المولى ثم استعداد يتوقد في النفس
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2005
مشاهدات 72
نشر في العدد 1662
نشر في الصفحة 58
السبت 30-يوليو-2005
حصاد تجربتي
الفنان حسن يوسف
إن الله سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان حدد له وظيفته الأساسية وهي العبادة والتي ورد ذكرها في سورة الجن في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، بين له طريقين للسير، أحدهما للخير والآخر للشر.. قال تعالى ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد:10)، أي: طريق الحق وطريق الباطل، طريق الهدى وطريق الضلال وعلى قدر العمل يأتي الحساب.
لا بد أن نقدم النافع ولا نلهث وراء «البهارات» التي تتمثل في العري والكلام المُسفّ والسكر.
أقول لأبنائي وبناتي: احذروا الهجمة الشرسة لتفريغكم من دينكم وعقيدتكم وهويتكم.
والخلاصة كما اكتشفتها تنطلق من خلال القرآن الكريم الدستور الإلهي، حيث يقول تبارك وتعالى في سورة الرعد ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: ۱۷)
وعليه فحينما أنعم عليَّ ربي بنعمة الاصطفاء والالتزام رأيت أنني لا بد أن أقدم للناس ما ينفعهم وليس ما يضرهم. فالنافع ليس في الفن فقط، لكنه في الصحافة والطب والصيدلة والمحاماة، وأي مهنة أخرى، وعامل النظافة أيضًا يستطيع أن ينفع الناس ويضرهم.
شيخنا الشعراوي
ولشيخنا الشعراوي يرحمه الله مقولة جميلة نذكرها هنا حيث يقول: «لا تحقروا أية مهنة.. فلو أن عامل جمع القمامة تأخر يومًا أو مرض وتركها فإنكم لا تستطيعون أن تخرجوا من بيوتكم»، ومن هنا فكلمة ما ينفع الناس تنطبق على كل المهن من أعظمها إلى أدناها.
ونحن حينما نطبق الآية السابقة إنما نستحضر آية مهمة يقول فيها المولي عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56) وآية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(الأنعام: 162)، وهنا ضع ألف خط تحت كلمة محياي، والعبادة ليست الصلاة فقط والركوع والسجود، فهذه فرائض لا نتحدث عنها، المهم هنا أن نتحدث عما بعد الفريضة، وأقصد بالطبع العبادة في العمل، عدم الغش في السلعة، عدم التطفيف في الميزان، إذن فجميع نواحي الحياة لا بد أن ننظر فيها ونتحرى ما يرضي الله وينفع الناس.
وهنا أيضًا وبعد الالتزام نجد أنفسنا أمام فريقين: فريق مفرط أي متنطع يعتقد أن الالتزام ألّا يترك السجادة والصلاة، وذلك الفريق ينطبق عليه قول المصطفى ﷺ: «هلك المتنطعون»، وقوله: «إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى». فالمسألة يسيرة، لكن المهم في التطبيق. وآخر مفرط وهو الذي يفرط في عيش الحياة، فالمطلوب هو نموذج المسلم الذي يعيش الحياة ليتمتع بالآخرة، ومثال ذلك عندي الشيخ الشعراوي- رضي الله عنه- والعلامة القرضاوي الذي يجمع بين الدنيا والدين.
أنا أحب أن أجد المسلمين يتبنون منهج الوسطية ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: ١٤٣). فالمسألة بالنسبة لي أن الله أعانني في بداية التزامي بالعلماء أمثال الشعراوي والقرضاوي والدكتور عبد الصبور شاهين والدكتور عمر عبد الكافي، وكنت آخذ الفتوى الصحيحة من مكانها الحقيقي الذي يقود إلى الوسطية.
كيف نرتقي بالفن؟ لكي نرتقي بالفن لا بد أن تهتم بالجوهر وليس المظهر لا بد أن نقدم النافع ولا نلهث وراء عمل البهارات التي تتمثل في العري والكلام المسف والسُّكْر والبنات التي تميل وتخرج مع صديقها وتذهب معه إلى الشقة إلى ما وراء ذلك.
والمعروف أن الفن بوابة الرقي في المجتمع، ولننظر إلى الفن في المجتمعات الغربية حيث نجده يقدم أعمالًا تمزج بين العاطفة والقيم. أما عندنا هنا فعندما نعرض موضوعًا عاطفيًا، فلا بد أن تخلع الفنانة ملابسها وتسكر وتمارس الرقص بمجون وخلاعة.
لا أحد يمكن أن يجزم بأن الفن حرام فحلاله حلال وحرامه حرام، وكما قال الإمام الشعراوي الفن عبارة عن كوب فارغ أنا أشرب فيه شايًا وغيري يشرب فيه ويسكي المهم هو كيفية تنقيته من الهذيان المتردي الذي يطل علينا اليوم من الشاشة الفضية ويتناثر علينا العري أكثر من قطرات المطر.
والمعاهد الفنية المتخصصة عليها عبء في الإعداد، إذ لا بد أن يفهم الفنان أن الفن رسالة مهمة في توجيه المجتمعات وتقويم الاعوجاج المنتشر فيها والمساعدة في إصلاح أحوالها.
إن مهمة الفنان مثل مهمة الوزير ومدير المستشفى، إنه حلقة في مسلسل المجتمع لذا يجب أن يكمل الصورة الطيبة لهذا المجتمع بحثًا عن المثالية المطلوبة والإصلاح المنشود.
فالإعداد يريح عقل الفنان لأداء رسالته في المستقبل، وأنا شخصيًا مقتنع بأن النظرة التي تحكم الفنان والوسط الفني كله هي «تدفع كام»! فالمادة هي التي تسيطر على معاملات الفنانين حتى إذا ابتعدنا قليلًا وتحدثنا خارج إطار المحيط الفني، فإننا نجد أنه في ماراثون الانتخابات الماضية لمجلس الشعب كان أحد المرشحين يوزع الفياجرا على الناخبين للإدلاء بأصواتهم! وكذا مرشح فتح مقهى حتى يشرب الجمهور المشاريب «ببلاش» كل هذه أعمال تبعدك عن مفهوم الشرف والأمانة، والفن أيضًا بحاجة إلى ارتقاء بهذا المنهج، حتى أمريكا التي تدعي أنها تدوس على الحكام العرب لتطبيق الديمقراطية لا تستطيع أن تخفي وجهها القبيح الذي يحمل خلفه دماء وأشلاء وجثثًا وقتلى هنا وهناك في فلسطين والعراق.
نصيحة
أقول لشبابي وبناتي: احذروا من الهجمة الشرسة عليكم لتفريغكم من دينكم وعقيدتكم ومن هويتكم.
القيم الآن تزعزعت والقاعدة التي نقف عليها انهارت من تحت أقدامنا.
أبنائي وبناتي: لا تقلدوا العري في الملابس التي تصف وتشف تظهر البطن العارية. حافظ على دينك وعقيدتك.. حافظ على قيم مجتمعك «ولا تعمل زي اللي رقصوا على السلم فأنت عمرك ما تصبح يومًا أمريكاني»، فحافظ على شخصيتك وتمسك بعقيدتك حتى لا تصبح مسخًا لا طعم ولا لون ولا رائحة له.. فالشخصية المميزة هي التي تستمد وجودها من القيم الموجودة في مجتمعاتها.
وتحري القدوة الطيبة التي رسمها لك القرآن في قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ۲۱)، وفي السنة المطهرة، وكن متحريًا القدوة الطيبة ترضي الله ويرضى عنك.
رؤية
يقول المولى جل وعلا: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
(آل عمران: 26) فلو نظرنا إلى هذه الآية.. إلى الجزء الأكبر منها في ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، نجد أن الله تبارك وتعالى يستطيع أن يهدي عباده كلهم إذا أراد لهم الخير. ومن ثم فالهداية مسألة تتعلق بإرادة المولى واستعداد يتوقد في النفس على استقبال هذا التغيير في المعاملات والحديث وطريقة التوصيل والإلقاء.. إنها حياة جديدة بالفعل، حيث النفحات الربانية والفتوحات الإيمانية وفى ظل القرب من الله تبارك وتعالى والتقرب إليه.
انظر إلى المسلمين جميعًا على أنهم إخوة في الدين لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)، والله تبارك وتعالى يشير بقوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: ۱۳)، امتدت الرؤية الجديدة عندي إلى محاولة إحياء سنة التعارف بين الناس وهي سنة مهجورة عند الكثيرين، وبالتالي مجالسة العلماء والتعلم منهم والحفظ عنهم والتطبيق والتعامل من منطق شرعي.
وأنا دائمًا أحاول أن أحمل معي الميزان الشرعي لأقيس عليه الأمور سواء في التعاملات والأقوال والأفعال.
النظرة أصبحت أكثر شفافية لأنني بدأت منذ معرفتي طريق الحق وتفعيل ذلك الالتزام في صورة علم وعمل عن طريق قراءة القرآن والوقوف على الموروث الفقهي والبحث في الجديد منه. وانسحبت الرؤية أيضًا للمخطئين على أنهم أصحاب معاص يجب الأخذ بيدهم والرفق واللين في التعامل معهم، لا أصحاب ذنوب ومعاصٍ.
أدعو الله الكريم أن يأخذ بيدنا إلى دار الرحمة، وأن يجعل آخر كلامنا في الدنيا: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
حسن يوسف
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل