; شارون آخر.. في بغداد | مجلة المجتمع

العنوان شارون آخر.. في بغداد

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر الجمعة 25-يونيو-2004

مشاهدات 65

نشر في العدد 1606

نشر في الصفحة 30

الجمعة 25-يونيو-2004

*«قاتل هندوراس» له تاريخ في انتهاك حقوق الإنسان... بعلمه كان يتم إلقاء المعارضين أحياء من طائرات الهيلوكوبتر.

*اقترح إنشاء قاعدة جوية في هندوراس لتدريب عصابات الكونترا من نيكاراجوا.. وفي هذه القاعدة مورست أبشع صور التعذيب واكتشفت مقبرة جماعية تضم جثث 185 شخصًا ماتوا تحت التعذيب.

*مطلوب من الحكومة العراقية الجديدة خطوة جريئة برفض تعيين نيجروبونتي سفيرًا لديها.

عندما قام الرئيس الأمريكي جورج بوش بتعيين جون نيجروبونتي سفيرًا للولايات المتحدة في بغداد ليتسلم أعمال منصبه بعد ٣٠ يونيو الجاري، فإنه أعطى إشارة واضحة إلى نوعية السياسة التي عزمت الولايات المتحدة على اتباعها في العراق. فهذا السياسي له تاريخ حافل بالجرائم في البلدان التي كان سفيرًا لبلده فيها، ولا سيما عندما كان سفيرًا لبلده في هندوراس في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان، حيث يلقب بـ«قاتل هندوراس»، وهو الآن يشغل منصب مندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة. وقد ارتفعت أصوات معارضة عديدة داخل الولايات المتحدة وخارجها تنتقد تعيين مثل هذا الشخص في هذا المنصب لأن سجله السيئ معروف لدى الجميع. وهو أرثوذكسي، معروف بعلاقاته الحميمة مع «إسرائيل». وسيكون سفيرًا في بغداد في أكبر سفارة للولايات المتحدة حول العالم، حيث سيعمل فيها ٣٣٠٠ موظف أكثرهم من كوادر المخابرات المركزية CIA والمختصين والخبراء في سياسة الشرق الأوسط وسيستخدم أحد القصور الفخمة لصدام حسين كسفارة.

ونتيجة لسجله وتاريخه السيئ، فهناك اتهامات ضده تبلغ آلاف الصفحات في الإنترنت من قبل جمعيات حقوق الإنسان في هندوراس والولايات المتحدة. وقد صرح ريد برودي Read Brody رئيس منظمة «مراقبة حقوق الإنسان» Human Rights Watch في نيويورك تعقيبًا على تعيين نيجروبونتي سفيرًا في بغداد فقال:

One would have to wander what kind of message the Bush administration is sending about human rights by this appointment

أي: «إن المرء ليعجب من نوعية الرسالة التي تريد إدارة بوش إرسالها -بهذا التعيين - عن حقوق الإنسان».

بعد كل الفضائح التي ظهرت من تصرف الأمريكيين في العراق والتي سجلت ووثقت بصور التعذيب الوحشية في سجون العراق، والتي جرحت الضمير العالمي وأدْمته ولم تنفع التمثيلية التي قامت بها المخابرات المركزية الأمريكية CIA، ونقصد تمثيلية قطع رأس أحد اليهود الأمريكيين والتي برهنا في مقالة سابقة على أنها نُفذت من قبل CIA (المجتمع ١٦٠٣) في إزالة آثارها ولا في تجميل الوجه الأمريكي البشع. بعد كل هذه الفضائح كان على الإدارة الأمريكية أن تقوم بخطوات إيجابية لتحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي، وليس إرسال سفاح من نوع شارون. كما أن على الحكومة العراقية الجديدة رفض قبول هذا التعيين والإعلان بأن نيجروبونتي شخص غير مرغوب فيه.

والآن لنعطِ بعض التفاصيل عن حياة هذا الشخص:

اسمه الكامل «جون ديمتري نيجروبونتي» John Dimitri Negroponte ولد في ٢١ يوليو ١٩٣٩ في لندن، والده يوناني كان يعمل في لندن في مؤسسة بحرية، تخرج في جامعة «يالا» عام ١٩٦٠م، خدم في الخارجية الأمريكية اعتبارًا من عام تخرجه حتى عام 1997 في ثمانية مراكز مختلفة في آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، وشغل مراكز مهمة في إدارة الدولة وفي البيت الأبيض، وعمل وكيلًا للمدير التنفيذي لمؤسسة أسواق ماك جرو- هيل العالمية Global Markets of theMc Graw-Hill حتى تعيينه في سبتمبر ٢٠٠١م سفيرًا للولايات المتحدة في الأمم المتحدة. وفي ١٩ أبريل ٢٠٠٤ عينه الرئيس بوش سفيرًا في العراق ليتسلم مهام عمله بعد ٣٠ يونيو، وهو يتقن خمس لغات.

لماذا لقب بـ «قاتل هندوراس»؟

نستقي المعلومات الآتية من «دائرة المعارف الحرة The Free encyclopedia ومن مقالة Contra Aide بقلم Sarah Wildman سارة ولدمان، ومن مقالات أخرى نشرت في بعض مواقع الإنترنت.

عندما كان سفيرًا للولايات المتحدة في هندوراس (١٩٨١ - ١٩٨٥) ارتفعت في هذه السنوات المساعدات العسكرية الأمريكية لهندوراس من ٤ ملايين دولار إلى ٧٧ مليون دولار، واتهم بأنه كان يشرف على استراتيجية سرية للإدارة الأمريكية في عهد الرئيس رونالد ريجان كان تستهدف القضاء على حكومة «الساندينستا» Sandinistas اليسارية في نيكاراجوا، والتي جاءت إلى الحكم بطريقة ديمقراطية عن طريق الانتخابات.

في سنوات خدمته هذه ارتفع معدل الإخلال بالحقوق الإنسانية في نيكاراجوا وأصبح أمرًا اعتياديًّا، وكان جون نيجروبونتي يقف وراء هذا الإخلال بالحقوق الإنسانية الذي شمل قتل آلاف المواطنين المدنيين وتعذيب آلاف أخرى منهم. وشمل هذا صنوفًا من القتل تقشعر لهولها الأبدان، منها مثلًا إلقاء الأشخاص المسجونين الذين لا يعترفون أو لا يدلون بالمعلومات المطلوبة من طائرات الهيلوكوبتر وهم أحياء.

وتنفيذًا لاقتراح نيجروبونتي فقد تم إنشاء قاعدة جوية أمريكية في هندوراس هي قاعدة الأجواكيت ELAGUACATE التي استخدمت لتدريب عصابات الكونترا التيكاراجوية ضد حكومة «الساندينستا». كما استُخدمت كسجن سري مورست فيه أبشع صور التعذيب. وقد صُدم العالم في شهر أغسطس من عام ٢٠٠١م عندما تم اكتشاف مقبرة جماعية في هذه القاعدة الجوية كانت تحتوي على بقايا هياكل عظمية لـ١٨٥ شخصًا ماتوا تحت التعذيب ودُفنوا هناك.

كما تشير الوثائق إلى أن الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA قامت -بالتعاون مع الجيش الأرجنتيني- بتشكيل وحدة استخبارات عسكرية خاصة في هندوراس اسمها 3-16 Battalion قامت باختطاف وقتل المئات من أهالي هندوراس. وتشير الوثائق كلها إلى أن السفير الأمريكي «نيجروبونتي» كان على علم تام، بل كان وراء هذه العمليات الوحشية التي تشكل إخلالًا كبيرًا بالحقوق الإنسانية، وأنه استمر في التعاون مع الجيش الهندوراسي. وعندما استُدعي أمام الكونجرس الأمريكي بعد أن فاحت رائحة هذه العمليات غير الإنسانية أنكر بكل صلف الاتهامات الموجهة إليه، وكذب على الكونجرس.

في شهر مايو عام ١٩٨٢ ذهبت مبشرة اسمها «الأخت لاتيتا بوردس» LactitiaBordes. كانت قد قضت عشرة أعوام في السلفادور- إلى هندوراس لمعرفة مصير ثلاثين مبشرة سلفادورية كن قد ذهبن إلى هندوراس عام ١٩٨١ بعد اغتيال رئيس الأساقفة «أوسكار رومارو» Archbishop OscarRomero وقابلت السفير نيجروبونتي مستفسرة منه عن مصير هؤلاء المبشرات. غير أن نيجروبونتي أنكر علم السفارة بأي خبر عنهن. ولكن في عام ١٩٩٦ صرح جاك بنس Jack Binns- وكان سلفا لنيجروبونتي في سفارة هندوراس- لجريدة «بلتمور صن» Baltimore sun بأن جماعة من السلفادوريين من ضمنهم هؤلاء المبشرات ألقي القبض عليهن في ٢٢ أبريل١٩٨١ وعذبوا بصورة وحشية من قبل البوليس السري في هندوراس، ثم ألقي بهم من طائرات الهيلوكوبتر وهم أحياء، وأن السفير الأمريكي نيجروبونتي كان على علم بهذا الأمر.

وفي بداية عام ١٩٨٤ اتصل شخصان أمريكيان من المرتزقة وهما «توماس بوسي» Dna Parker و«دنا باركر» Thomas Posey بالسفير نيجروبونتي وأخبراه باستعدادهما لتزويد المعارضة النيكاراجوية بالأسلحة اللازمة، بعد أن قطع الكونجرس الأمريكي المساعدات العسكرية عن هندوراس. وتقول الوثائق إن نيجروبونتي قام بمهمة حلقة الوصل بين هذين الشخصين والجيش في هندوراس. وبعد تسعة أشهر انكشفت هذه العملية وعرفت بها الصحافة الدولية، ولكن إدارة الرئيس ريجان أنكرت وجود أي ضلع للولايات المتحدة بهذه العملية، مع أن سفيرها في هندوراس كان متورطًا فيها حتى أذنيه.

وقام جاك بنس، سلف نيجروبونتي الذي كان قد عين سفيرًا في هندوراس من قبل الرئيس جيمي كارتر بتقديم عدة شكاوى، وأدلى بعدة تصريحات يندد فيها بحوادث الإخلال بالحقوق الإنسانية في هندوراس. وعندما تم تعيين «نيجروبونتي» محله في السفارة بعد مجيء ريجان إلى الرئاسة، قدم له ملفًّا كاملًا حول تفاصيل حوادث الإخلال بالحقوق الإنسانية التي تجري في هندوراس من قبل الجيش ليكون السفير الجديد على علم كامل بما يجري في البلد، ولكن مع وجود هذا الملف المفصل فقد أصر نيجروبونتي بأنه لم يكن على علم بأي إخلال لحقوق الإنسان في هندوراس. وبعد مضي مدة على سفارته هناك اتهمت لجنة حقوق الإنسان في هندوراس السفير الأمريكي بضلوعه في عمليات الإخلال هذه.

وقامت جريدة «صن» Sun بتحقيقات واسعة حول الموضوع، وتبين لها في النهاية أن الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA والسفارة الأمريكية في هندوراس كانتا على علم بجميع حوادث القتل والاختطاف والتعذيب الجارية في هندوراس، بل إنهما تعاونتا وبشكل وثيق مع المخابرات العسكرية لهندوراس التي يطلق عليها اسم 16-3 Battalion.

ولم تكتفِ إدارة الرئيس بوش بتجاهل الاعتراضات التي ثارت عندما تم تعيين نيجروبونتي سفيرًا للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، بل قامت بجهود حثيثة للتستر على ماضيه، فقامت مثلًا بترحيل العديد من المهاجرين الهندوراسيين الموجودين في الولايات المتحدة ممن يعرفون ماضي نيجروبونتي، وتعاملوا معه في عملياته السرية القذرة والذين يستطيعون الإدلاء بشهادات ضده في أي تحقيق قد يثار في الكونجرس الأمريكي معه. وقد أشارت جريدة «لوس أنجلس تايمز» الأمريكية في ٢٥ مارس ٢٠٠٤م إلى هذا الأمر، وإلى هذا الترحيل المشبوه والمفاجئ، وأشارت إلى السبب الكامن وراءه.

بعد كل هذا نعود فنسأل: ما مصلحة الولايات المتحدة في إرسال شخص له هذا الماضي الملوث سفيرًا لها إلى العراق؟ أليس من الضروري لها القيام بمحاولة لتجميل صورتها أمام الرأي العام العراقي والأمريكي والعالمي ولا سيما بعد فضيحة صور التعذيب؟ وهل يمكن مساعدة العراقيين في إرساء حكم ديمقراطي في العراق عن طريق هذا الشخص الذي لا يتقن سوى التعاون مع أجهزة الاستخبارات السرية لاختطاف وتعذيب وقتل الأبرياء من المدنيين؟ أم تريد الولايات المتحدة بهذا التعيين إرسال رسالة إلى الجميع بأنها ستزيد من قبضتها الحديدية، وتعامل المعارضين لسياستها الحالية ولبقائها في العراق بالحديد والنار؟

نكرر هنا ونقول: إن على الحكومة العراقية الجديدة رفض تعيين هذا الشخص، فإن فعلت هذا فإنها تبرهن على أنها تملك جزءًا من السلطة ومن السيادة، وتستطيع أن تحيط الأمم المتحدة بأسباب رفضها، وسيكون هذا الرفض مبررًا ومعقولًا لأن الأمم المتحدة تعرف جيدًا ماضي هذا الشخص.

أيتها الحكومة العراقية الجديدة! نحن ننتظر منك هذه الخطوة الجريئة.

الرابط المختصر :