; عندما تتجسد العظمة امرأة | مجلة المجتمع

العنوان عندما تتجسد العظمة امرأة

الكاتب الأستاذ حسن التل

تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1981

مشاهدات 69

نشر في العدد 523

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 07-أبريل-1981

 

 

«مَنْ كان يُصدِّق أن عصر الهزيمة والضياع والانحطاط والتخلُّف يُفرز كل هذه العظمة، فتكون النساء فيه أحرص على اختيار الموت العزيز المتأبي من ملايين أشباه الرجال، الذين هم أحرص على حياة مجبولة بكل ألوان الذُّل والعار والهوان؟!»

 

من كان يُصدِّق أن تتشقق هذه الظلمة الحالكة التي تلف كل الأرض العربية عن غرسة ضياء تُحقِّق كل هذا الانبهار؟

 

ففي وهدة الانحطاط العربي حيث هانت كرامات الرجال، وتقهقرت قيم الأمة أمام البغي الذي اجتاح عاصمة الحضارة العربية، يرتفع صوت بنان العطار الطنطاوي من أرض الغربة، ليؤكد أصالة أمتنا، التي ما زالت أقوى من الخناجر والشظايا التي تختلط بلحوم أبداننا؟ ‏

 

امرأةٌ مسلمةٌ وفي أرض غريبة وبعيدة، تتألق في لجة الظلام، كأنها كوكب دُري، تجتاز كل الحفر والخنادق والحواجز، وترتفع فوق كل الأكداس، وتكسر كل النصال، لتُؤكِّد حقيقة أمتها، أنها ستبقى دائمًا قادرة على إفراز البطولات القادرة على التحدي.

 

أجل إن هذه الفترة الحالكة في تاريخ الأرض العربية، لم تعدم القدرة على العطاء..

 

‏فمن بعيد جاء التحدي هذه المرة لطوابير الغدر وأدوات الخيانة؛ رغم ما تملك من الظلم والظلام – على شكل امرأةٍ اسمها بنان العطار الطنطاوي – تسقي الأرض التي جفَّت، بدمها العزيز الغالي الذي نزف بيد غادرة خسيسة، وبتدبير لئيم حاقد، أراد شيئًا، وكانت إرادة الله على غير ما أراد الجبناء  - وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال -.

 

إن دم بنان العطار الطنطاوي؛ جاء شهادة اعتزاز لجيل بأكمله، ودلالة الرفض لجحافل جاسوا خلال الديار..

 

من رفض انحناءة الظهر في عصر لم تنتصب فيه قامة لرجل أو امرأة، إلا أولئك الذين لانوا بإيمانهم وقالوا في وجوه الجبارين على لسان أحد عظمائهم" «إني أسجد لهذا الإله مرة، ثم أنظر من علٍ لأحتقر الجبَّارين في الأرض».

 

إن بنان العطار الطنطاوي، أستاذة في مدرسة امتازت بالقدرة على إنجاب البطولات، وتقديم التضحيات في عصر اهتزت فيه كل المدارس والمعاهد والجامعات، وأصبحت مُباحة لغزاة الفكر والقيم والسلوك. 

 

بنان العطار الطنطاوي شاهد، وأي شاهد على عصر وجيل ومنهاج! 

وهي ظاهرة التحدي المتفوق على كل الجحافل الهمجية التي أرادت أن تُطفئ نور الله، ولكن الدم الزكي الذي رعف من الجسد المُمزَّق برصاص البغاة، هو الذي استجاب لدعوة الله، فبدَّد حلكة الليل، وأكَّد أصالة الأمة وقدرتها على التحدي؛ رغم شراسة الطغاة ووعورة المسالك.

 

إن بنان العطار الطنطاوي، التي جسَّدت العزَّة والتضحية والفداء بذلك الاختيار العظيم منهجًا وسلوكًا وخاتمةً، أرادها الله شاهدًا وشهادة لهذه الدعوة في هذا العصر.. تمامًا كما كانت سمية شاهدة وشهيدة للطليعة المسلمة في وجه الجاهلية العربية الأولي!

 

أنا أعلم أن الجسد المُعفَّر بالدم الذي سقط برصاص البغاة، كان حافز تحدٍّ عظيم لابنها أيمن وأخت أيمن، كما كان راحة كبرى لأبيها الشيخ الجليل العالم الأستاذ علي الطنطاوي، الذي أنجب بنان وربًّاها على الفداء والعطاء.

 

 أمَّا الزوج الكبير، عصام العطار، فقد كان دم زوجته النازف عل أرض بيته في ديار الغربة، شهادة اعتزاز ووسام، عظمة وصدق عقيدة وسلامة نهج.

 

من كان يُصدِّق أن عصر الهزيمة والضياع والانحطاط والتخلُّف يُفرز كل هذه العظمة، فتكون النساء فيه أحرص على اختيار الموت العزيز المتأبي من ملايين أشباه الرجال، الذين هم أحرص عل حياة مجبولة بكل ألوان الذل والعار والهوان؟

 

يا تاريخ هذه الأجيال المنكودة: حذارِ أن تنسى دفقة الضياء التي شحنتها دفقة دماء بنان بهذه الطاقة الضخمة، التي أكَّدت عظمة هذه الدعوة، التي انفجرت إعصارًا مُقدَّسًا في وجه جحافل البغي، لتنتصب عزيزة متأبيَّة، تتقدم صفوفها الأولى النساء قبل الرجال، تغذي إرادة الحياة وتجود بالنفس في سبيل الله، وتُعطي غير منتظرة إلا مثوبة الله، تتطلع إلى اليوم الذي تعلو فيه كلمات الله، لتُصبح الحياة الجديدة حُبًّا وعدلًا واعتزاًزا وعطاءً حضاريًّا، لا يعرف تفرقة الأجناس، ولا غدر الطوائف ولا لؤم الشعوبية.

 

حذارِ أن تنسى يا تاريخ أن هذه الدعوة وحدها هي القادرة أن تقول: لا للطغاة مهما كانت قسوتهم وظلمهم وفجورهم.. فالحركة الإسلامية وحدها هي التي رفضت انحناءة الظهر أمام كل الطواغيت حيثما كانت، وكانوا والعصر الحديث شاهد كما كل العصور، فالإسلام وحده هو الذي تجسَّد عِزَّةً ورفضًا في وجه كل طاغية حيثما كان.

 

أمس قضى شهيدًا سيد ويوسف وعبد القادر وفرغلي، واليوم تزيَّنت الجنة لاستقبال بنان وإخوان بنان، وليس غير مدرسة الإسلام استطاعت أن تثبت للتحدي، وليس غير الإسلام قادر على التغيير.. ويأيتها الأيام القادمة بكل ما فيك من بلج يجتاح سواد أيامنا، وعفونة واقعنا، فإن بنان بنت علي الطنطاوي، وزوجة عصام العطار، هي التي تقدَّمت الصفوف، لتُزيح العتمة وتشعل مصباح الضياء!

 

أجل إنها والله مدعاة اعتزاز، وإنها والله شهادة الصدق على سلامة المنهج وصدق الإرادة، فما أسهل أن يحيا الإنسان حياة الرفه، وما أرخص أن يعيش المرء في زمرة الجبناء، بل ما أكثر هذا الغثاء الذي يتراءى بشيء ويكتم في أعماقه الهزيمة والمهانة والعار؛ رغم كل الرياش والمظاهر الكاذبة التي يحاول أن يخدع بها نفسه.. إن الحياة الذليلة لا تُحسب في عداد عمر الإنسان الكريم.. لأن عظمة الإنسان تبرز في اختياره لطريقه وثباته عليها، وقدرته على اختيار موته بنفسه؛ مُتجاوزًا الرعب مُترفعًا عن المصلحة العارضة، يتقدَّم الصفوف نداء لفكرة بنفسه، لأنها الوسيلة الوحيدة التي تُؤكِّد عظمة الاختيار والمختار..

 

وبعد؛ فما أكثر الخواطر التي تجول في الصدر.. فيا دماء بنان الطنطاوي العطار: إنك رفد الحياة لدعوة الإسلام التي لا تتغذى إلا بالدم، فبُورك ذلك الجسد، وبُورك الوالد والوالدة، وبُورك الزوج والابن والبنت والحفيد..

 

فأنتم المشاعل، وأنتم الشهود على دعاة الإسلام الحقيقيين، الذين يعطون ويرفضون المثوبة إلا من الله، والله مع الذين صدقوه، وصدق الله العظيم:

 

﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40) وما أظن أن بيننا وبين النصر إلا أيامًا، هم يرونها بعيدة، ونحن نراها قريبة، وقريبة إن شاء الله - تعالى.

 

إنها تلوح بالأفق، تتقدَّمها دماء بنان العطار الطنطاوي، وكأنها شعاع الشمس، قبل أن ينشق عنها الأفق تلوح بتباشير النصر.

 

فالإسلام اليوم اجتاز مرحلة الضياع، لأن نساءنا تُغذِّيه بالدم قبل الرجال، والشباب الزغب يسبقون الكهول للفداء، وأنتِ يابنة الطنطاوي، وزوجة العطار، وأم أيمن، هنيئًا لكِ هذه النهاية، فقد تجسدَّت فيك عظمة الداعية العزيزة المترفعة، فأنتِ وحدك من بين كل النساء، كانت لك هذه النهاية العظيمة. فطوبى لك داعية عظيمة.. وطوبى لك شهيدة غريبة.. فطوبي لك يا ربيبة العلم وطوبي لك يا ربة الأسرة المجاهدة.. طوبي لك هذه النهاية التي كانت نهج لسانك دائمًا إلى الله.. طوبى لك فقد جسدت يا أم أيمن العظمة امرأة.

 

هل نسكت؟

 

- ليلة اغتيال الشهيدة حرم الأخ عصام العطار في مدينة آخن بألمانيا

 

  لنْ نسكتَ يا آخنْ!

 

 لنْ نسكتَ والموتُ خناجرْ

 

 لنْ نسكتَ والموتُ أظافرُ وحشٍ غجريٍّ يا آخنْ

 

 وحشٍ غجريٍّ مَكْلوحٍ الرُّؤيا خائنْ

 

 وحشٍ دمويٍّ ممسوخٍ القسماتِ تلظّى في آخنْ

 

 والثَّكلُ عيونُ دِماءْ

 

 واليتمُ دماءٌ عاقَرها الغجريُّ بآخنَ والشهباء

 

 وفي جنات كان يُقالُ لها الفيحاءْ

 

 الثكلى كان يُقال بها الفيحاءْ

 

 ما فاحَ العطر.ُ. ويا حزنًا في.. أعلى جناتٍ..

 

 وبناتُ الوردِ يتيماتٌ يبكينَ «بنانْ»!

 

 يا حزنَ الغارِ وغصنِ البان

 

 لنْ نسكتَ مهما عضَّ الوحشُ خدود الغارِ وغصنَ البانُ

 

 لنْ نسكتَ ما دامتْ في السفحِ.. عروقٌ تنبضُ بالإيمانْ

 

 أختاهُ.. وروحُكِ لنْ تسكتْ

 

 لن تسكتَ! فهي تمورُ.. تمورُ معَ الإخوانْ

 

 وتثورُ.. تثورُ مع الشجعانِ

 

 لنْ نسكتَ مهما أغوى للقتلِ الشيطانُ

 

يا ألعنَ من شيطانْ

 

 يا ألعنَ من فرعونَ.. ومن هامانَ.. ومن إبليسْ

 

 يا أنتنَ تاريخٍ لرئيسْ

 

 يا ألعنَ من كلِّ اللعناتِ.. وأنذل مشنوعٍ وخسيسْ

 

 عنْ آخنَ لنْ نسكتَ!

 

 لنْ نسكتَ عن آخنْ!

 

 محمد عبد الهادي

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 412

88

الثلاثاء 19-سبتمبر-1978

الأسرة (العدد 412)

نشر في العدد 1205

870

الثلاثاء 25-يونيو-1996

المجتمع التربوي- (العدد 1205)