; الإمارة .. بين الإعانة عليها والوكالة إليها «1من 3» | مجلة المجتمع

العنوان الإمارة .. بين الإعانة عليها والوكالة إليها «1من 3»

الكاتب توفيق علي

تاريخ النشر السبت 21-يناير-2006

مشاهدات 72

نشر في العدد 1685

نشر في الصفحة 54

السبت 21-يناير-2006

ماجستير التفسير وعلوم القرآن

من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل فإنه يندم إذا جوزي بالخزي يوم القيامة

ليس كل من طلب الإمارة حريصًا عليها.. فثمة صالحون يحركهم الهم العام والتقدم بالدعوة خطوات للأمام

هي حمل ثقيل ومغرم لا مغنم ومن طلبها لم يعنه الله عليها بل وكله إلى نفسه ومن كلف بها أعانه الله عليها

تعريف الإمارة: أمر الرجل يأمر إمارة إذا صار عليهم أميرًا«1»

المقصود من الإمارة قال الإمام ابن تيمية الواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات «2».

وللإمارة فضائل كثيرة المقسطون على منابر من نور قال: إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولواء «رواه مسلم ».

- حسد الغبطة في البخاري: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها ... قال ابن حجر في الحديث الترغيب في ولاية القضاء لمن استجمع شروطه، وقوي على أعمال الحق، ووجد لها أعوانا، لما فيه من الأمر بالمعروف ونصر المظلوم وأداء الحق لمستحقه وكف يد الظالم والإصلاح بين الناس، وكل ذلك من القربات.

- حب الله ورسوله والفتح على يديه عن أبي هُرَيْرَةَ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية رجلًا يحب اللهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ الله على يديه.. قَالَ عمر بنُ الخَطَابِ مَا أَحْبَبْتُ الإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذ قَالَ: فَتَسَاوِرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أَدْعَى لَهَا . قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ  علي بن أبي طالب. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، وَقَالَ: «امش، ولا تلتفت. حتى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ، قَالَ: فَسَارَ عَلَيَّ شَيْئًا ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ يلتفت. فصرح: يَا رَسُولَ الله عَلَى مَاذَا أَقَاتِلُ النَّاسَ قَالَ: «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللهُ وَأَنَّ محمدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَإِذَا فَعَلُوا ذلكَ فَقَدْ مَنْعُوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله»...

قول عمر بن الخطاب: فما أحببت الإمارة إلا يومئذ إنما كانت محبته لها لما دلت عليه الإمارة من محبته لله ورسوله ومحبتهما له والفتح على يديه.

وقوله فتساورت لها أي: حرصت عليها وأظهرت وجهي وتصديت لذلك ليتذكرني.

التحذير من طلب الإمارة عن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رسول الله : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بن سَمُرَةَ لا تسأل الإمارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَها عَنْ مَسْأَلَة وكلت إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتُهَا عَنْ غَيْرِ مسألة أعنت عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفَتْ عَلَى يَمِين فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خيرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَن يمينك، وانتِ الَّذي هوخير «3».

قال ابن حجر: ومعنى الحديث أن من طلب الإمارة فأعطيها تركت إعانته عليها من أجل حرصه..

ويستفاد منه أن طلب ما يتعلق بالحكم مكروه فيدخل في الإمارة القضاء والحسبة ونحو ذلك، وأن من حرص على ذلك لا يعان، فإن من لم يكن له من الله عون على عمله لا يكون فيه كفاية لذلك العمل، فلا ينبغي أن يجاب سؤاله، ومن المعلوم أن كل ولاية لا تخلو من المشقة، فمن لم يكن له من الله إعانة تورط فيما دخل فيه وخسر دنياه وعقباه، ومن كان ذا عقل لم يتعرض للطلب أصلًا بل إذا كان كافيًا وأعطيها من غير مسألة فقد وعده الصادق بالإعانة، ولا يخفى ما في ذلك من الفضل النهي عن تمني الإمارة أبلغ من النهي عن الطلب: قوله : لا تسأل الإمارة وفي رواية بلفظ: «لا تتمنين الإمارة بصيغة النهي عن التمني مؤكدًا بالنون الثقيلة. قال ابن حجر والنهي عن التمني أبلغ من النهي عن الطلب.

قال النووي: وفي هذا الحديث فوائد: منها كراهة سؤال الولاية سواء ولاية الإمارة والقضاء والحسبة وغيرها. ومنها بيان أن من سأل الولاية لا يكون معه إعانة من الله تعالى ولا تكون فيه كفاية لذلك العمل فينبغي ألا يولى «4».

جاء في صحيح مسلم عن رسول الله: «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة. وفي سنن البيهقي: «ما من أمير استرعي رعية لم يحتط لهم ولم ينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة.

وفي شعب الإيمان: وما من أمير عشيرة إلا أتى الله عز وجل يوم القيامة مغلولًا لا يطلقه إلا العدل..

هل هناك تناقض بين فضل الإمارة والنهي عنها؟

يقول الإمام الغزالي في الإحياء: ولعل القليل البصيرة يرى ما ورد من فضل الإمارة مع ما ورد من النهي عنها متناقضًا، وليس كذلك، بل الحق فيه أن الخواص الأقوياء في الدين لا ينبغي أن يمتنعوا من تقلد الولايات، وأن الضعفاء لا ينبغي أن يدوروا بها فيهلكوا، وأعني بالقوي الذي لا تميله الدنيا ولا يستفزه الطمع ولا تأخذه في الله لومة لائم، وهم الذين سقط الخلق عن أعينهم، وزهدوا في الدنيا وتبرموا بها، وبمخالطة الخلق وقهروا أنفسهم وملكوها، وقمعوا الشيطان فأيس منهم فهؤلاء لا يحركهم إلا الحق، ولا يسكنهم إلا الحق، ولو زهقت فيه أرواحهم، فهم أهل نيل الفضل في الإمارة.

وقال الإمام الغزالي في الأحياء: ولم يزل المتقون يتركونها ويحترزون منها ويهربون من تقلدها وذلك لما فيه من عظم الخطر، إذ تتحرك بها الصفات الباطنة ويغلب النفس حب الجاه ولذة الاستيلاء ونفاذ الأمر وهو أعظم ملاذ الدنيا.

قال ابن حجر: قال المهلب الحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها، حتى سفكت دماء واستبيحت الأموال والفروج، وعظم الفساد في الأرض، وهذا الحرص القديم الذي جر للدماء وسفكها، قد يتوافر اليوم، وتسفك فيه طاقات العاملين للإسلام من غير دماء، وتستباح فيه الدعوة لتكون عرضة لنزاع شخصي، ويغطى كله بصالح الدعوة وصالح العمل الإسلامي وليعظم التأخر في الإنجاز ولتعيش المؤسسة صراعات شخصية مبطنة، كل ذلك من جراء هذا الحرص المقيت.

وللحديث مرام تربوية تتمثل في كبح أطماع النفوس من حب للرئاسة والعلو والظهور وما في ذلك من مكاسب مادية ونفسية.

قال بعض السلف: ما حرص أحد على ولاية فعدل فيها.

القيام بالإمارة خشية الضياع

ليس كل من طلب الإمارة حريصًا عليها فثمة صالحون يحركهم الهم العام، وسد الفراغ، والتقدم بالدعوة والمؤسسة الدعوية خطوات للأمام، من بعد جمود وتخلف قد لفها دهرًا .

قال ابن حجر وهو يشرح حديث إنا لا نولي هذا الأمر من حرص عليه، قال رحمه الله في التعبير بالحرص إشارة إلى أن من قام بالأمر خشية الضياع يكون كمن أعطى بغير سؤال، لفقد الحرص غالبًا عمن هذا شأنه، وقد يغتفر الحرص في حق من تعين عليه لكونه يصير واجبًا عليه.

ثابت بن أقرم والقيام بالإمارة خشية الضياع لما استشهد عبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة وسقطت الراية التقطها ثابت بن أقرم الأنصاري، وقال: «يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد «5». وجاء في إمتاع الأسماع: «أن ثابت بن أقرم نظر إلى خالد بن الوليد فقال: خذ اللواء يا أبا سليمان فقال: لا أخذه، أنت أحق به أنت رجل لك سن فقد شهدت بدرًا فقال ثابت: خذه أيها الرجل، فوالله ما أخذته إلا لك، فأخذه خالد ابن الوليد رمون «1»

نلاحظ في هذا الموقف دروسًا بليغة لقادة الدعوة وجنودها:

1- أن ثابتًا أخذ الراية، أداء منه للواجب وخشية لحدوث الفوضى والاضطراب داخل الصف.

٢- أنه جمع المسلمين أولًا وأعطى الراية أبا سليمان خالد بن الوليد الجدير بها.

3- أنه لم يقبل قول المسلمين: «أنت أميرنا»، ذلك أنه يرى منهم من هو أكفأ منه لهذا العمل حتى لو لم يمضي على إسلامه أكثر من ثلاثة أشهر.

4- حينما يتولى العمل من ليس له بأهل فإن الفساد يتوقع، وحينما يكون لله تعالى لا يكون فيه أثر لحب الشهرة أو حظ النفس.

الدخول في الإمارة بغير أهلية

أخرج مسلم عن أبي ذر: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: «إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها.. قال النووي: هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية ولا سيما لمن كان فيه ضعف وهو من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل فإنه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالخزي يوم القيامة، وأما من كان وعدل فيها فأجره عظيم كما تظاهرت به الأخبار ولكن الدخول فيها خطر عظيم ولذلك امتنع الأكابر منها..

الهوامش

1- لسان العرب ج ٣١/٤

2- مجموع الفتاوى «ج ۳۹۱/۲۸».

3- صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، رقم الحديث « ٦٢٤٨».

4- صحيح مسلم بشرح النووي.

5- سيرة ابن هشام «٢٧/٤».

٦- إمتاع الأسماع «٣٤٩٣٤٨/١».

الرابط المختصر :