العنوان موريتانيا.. حملة اعتقالات وتشويه سمعة.. تحمل طابع ما بعد ١١ سبتمبر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 31-مايو-2003
مشاهدات 75
نشر في العدد 1553
نشر في الصفحة 26
السبت 31-مايو-2003
الحملة تستغل تفجيرات الدار البيضاء لاتهام التيار
الإسلامي بالارتباط بجهات خارجية تدعو للعنف
نقلًا بتصرف عن موقع جريدة الراية
www.rayah.info الموريتانية
تقوم آلة النظام الموريتاني الإعلامية بحملة دعاية إرهابية مغرضة بحق الأئمة والدعاة لله والعاملين للإسلام في ذلك البلد، بشكل متزامن مع حملة الإرهاب التي تخوضها آلة النظام الأمنية في المساجد والتي اعتقلت بموجبها أكثر من عشر شخصيات إسلامية بارزة، إضافة إلى عشرات المصلين الذين يقبعون الآن خلف أسوار مفوضيات الشرطة بنواكشوط، وذنبهم الوحيد أنهم قالوا لا لاعتقال الأئمة والدعاة.
غني عن القول أن الإسلام هو دين سكان هذه الأرض منذ وطئتها أقدام عقبة بن نافع في القرن الأول الهجري، ومن نافلة القول كذلك: أن حركات إصلاحية ظلت تظهر بين الفينة والأخرى تجدد للناس أمر دينهم مصداق الوعد الرباني الذي أخبر به من لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 4) أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، ولكن التفصيل في هذين الأمرين «دخول الإسلام إلى هذا البلد وتاريخ الحركات الإصلاحية» أمر يضيق عنه المقام، وتفرض عجلة الإرهاب السلطوي المتسارعة تجاوزه بسرعة إلى تاريخ ما أصبح يعرف بالتيار الإسلامي الموريتاني: نشأته؟ وأبرز مواقفه وإلام يدعو؟.
تعود نشأة التيار الإسلامي الموريتاني إلى نهاية السبعينيات من القرن الماضي بشكل متزامن ومتناغم مع صعود نجم التيار الإسلامي في عدد من الدول العربيةوالإسلامية، ويتبنى هذا التيار المبادئ والأسس التي قامت عليها حركة الإخوان المسلمين المصرية التي أسسها الإمام الشهيد حسن البنا في مدينة الإسماعيلية عام ۱۹۲۸م، ولكنه يضيف إليها ما تقتضيه الخصوصية الموريتانية من أسس ومبادئ، فضلًا عن الأهداف والوسائل.
وحين نقول إن التيار الإسلامي يتبنى الأسس العامة لمنهج الإخوان المسلمين، فإننا نقصد بذلك أن نعطي القارئ صورة عملية لما يریده هؤلاء الذين رماهم النظام الموريتاني وراء قضبانه، وراح يتهمهم زورًا وظلمًا بالتحريض على الفتنة وعلى الإرهاب.
مواقف شاهدة
ظل التيار الإسلامي الموريتاني غاية في الاعتدال والوسطية لدرجة جعلت البعض يتهمه بالانزواء، وحتى لا نتهم بإصدار الأحكام دون دليل، دعونا نتوقف عند المواقف التالية:
1- حين أصدر بن بنيجاره دستوره المعروف الذي ينص على علمانية الدولة.. عبّر الإسلاميون عن موقفهم الرافض له بكل مسؤولية وقانونية فخرجوا في مسيرات أنطلقت من المساجد، ولم يدعوا إلى العنف، ولم يحرضوا عليه، وبالأولى لم يمارسوه.. وفي النهاية اضطرت الحكومة أمام الضغط الشعبي إلى سحب دستورها العلماني الذي لا يصلح للجمهورية الإسلامية الموريتانية.
2- وفي نهاية الثمانينيات حين نشبت الأزمة مع السنغال، وأثيرت الفتنة، كان الإسلاميون في طليعة من تصدى لتلك الفتنة، وساهم في إخماد أوراها، وكانت خطب المساجد الحاضة على الأخوة والوحدة، والمحذرة من قتل المسلمين بغير حق سببًا في وأد تلك الفتنة البغيضة التي راحت ضحيتها أنفس بريئة في كلا الطرفين.
3- وفي بداية التسعينيات يوم رفضت وزارة الداخلية مجرد استقبال ملف حزب الأمة الذي تقدم به عدد من الإسلاميين، كان رد الفعل الإسلامي سلميًا ومدنيًا إلى أبعد الحدود، فتوجه الإسلاميون إلى أحزاب وهيئات أخرى لممارسة حقهم الطبيعي في التعبير عن آرائهم وصبروا على حرمانهم من لافتة تخصهم، في الوقت الذي منحت فيه كل القوى السياسية الأخرى «وطنية وقومية ويسارية.. إلخ» لافتات تخصها بالاسم الذي طلبت والبرنامج الذي وضعت.
4- وفي منتصف التسعينيات حين لفقت للإسلاميين تهم زائفة، تقربًا للدوائر الصهيونية التي كان النظام يومها واقفًا على بابها، متأبطين ملفاته يستجدي الدخول، استمر الإسلاميون على منهجهم في الصبر والاحتساب، وظلوا كما
كانوا دعاة خير وإصلاح..
5- ويوم أصدر النظام على عجل إصلاحه التعليمي الذي همّش لغة القرآن، وساوى التربية الإسلامية بالرياضة البدنية، في استجابة مفضوحة لإملاءات الممولين الذين باتت تمويلاتها مصدر دخل مربح للصوص الكبار من حاشية النظام، يومها عبّر الإسلاميون عن موقفهم في بیان مشهور عنونوه بــ «هذا بلاغ للناس»، وحمل توقيع أكثر من ٢٠ شخصية من رموز التيار الإسلامي لم يدعوا فيه للعنف ولم يثيروا فيه أي فتنة.
6- وحين ارتمى النظام في أحضان الصهاينة الغاصبين محتلي قبلة المسلمين الأولى ومسرى الحبيب محمد ﷺ، وأعلنت الوكالة الموريتانية للأنباء التي تصمت دهرًا وتنطق شرًا أن الحكومة الموريتانية متمسكة بعلاقاتها من الصهاينة مهما تطورت الأمور ووصلت إلى حد «الحرب والخراب والدمار..» وطار بن عبدي لمصافحة السفاح شارون ويداه تقطران من دم محمد الدرة وإيمان حجو.. حينها، والموقف في غاية الاستفزاز والصلف والخطورة، تمسك الإسلاميون بسلميتهم التي تعلموها في مدرستهم القرآنية الحافلة بدروس التغييب والإصلاح، فكانت مقاومتهم للتطبيع مهرجانات ومسيرات وفتاوى وعرائض.
حملة سب الإسلاميين
لعل أصدق وصف ينطبق على التصريحات النارية للمسؤولين الحكوميين هذه الأيام هـي وصف «الحملة» التي يبدو أنها ستنضاف إلى قائمة الحملات الوطنية التي تميز بها نظام ولا الطابع من حملة «فرن المصلحة»، في نهاية الثمانينيات إلى حملة الكتاب والمطالعة في بداية الألفية الثالثة، مرورًا بحملات العلم والمعرفة. ومحاربة السمنة في التسعينيات.
هي حملة بالفعل بدأها وزير الثقافة المُقال أسلم بن سيد المصطف يوم هدد بتحويل المساجد التي تنحرف عن مسارها إلى مخابز، وثنَي فيها خلفه لمرابط بن محمد الأمين الذي تقمص دور ضابط الشرطة، فتعهد بمواصلة التحقيق بعناية لمعرفة الأسباب التي تقف وراء تلك الانحرافات كما سماها.
أما قمة الذروة -حتى الآن- فكانت مع الوزير الأول شيخ العافية بن محمد خونه في تصریح أدلی به علی هامش زيارة دار الكتاب بلكصر وصف فيه الإسلاميين بالخطر الداهم، واتهمهم بسب وتكفير العلماء، ومحاولة تضليل المواطنين وتحريض الشباب على أعمال العنف، ودفع النساء للظهور بزي خاص غريب على المجتمع الموريتاني - على حد زعمه.
وتأسيًا بالوكالة الموريتانية للأنباء - وظف بن محمد خونه انفجارات الدار البيضاء لإثارة الخوف لدى المواطنين الذين طلب منهم أن يقفوا صفًا واحدًا للتصدي لتلك الحركات الخائنة.
والمتأمل في مضامين حملة السب هذه يجد أنها تتمحور في الأساس حول تهم ثلاث هي:
- التحريض على العنف.
- سب العلماء وتكفير المجتمع.
- ربط علاقات بشبكات إرهابية في الخارج.
وسنحاول بشيء من الإيجاز وبعيدًا عن أساليب المواجهة والتشهير أن نتعرف مواقف التيار الإسلامي في هذه القضايا الثلاث:
في مسألة العنف
يمكن للمتتبع لأدبيات التيار الإسلامي الموريتاني المنشورة «محاضرات ومقالات، ومقابلات»، أن يكتشف دون كبير عناء أن هذا التيار يؤمن بأن العنف لا يجوز أن يستخدم وسيلة للتغيير في العالم الإسلامي، وأن القمع والتسلط الذي قد يواجه به دعاة الإسلام من طرف المستبدين إنما يواجه بالصبر وبالنضال السلمي.. وكثيرًا ما يردد الإسلاميون الموريتانيون مقولة أحد رواد الحركة الإسلامية المعاصرة مخاطبًا أتباعه في وقت ابتلاء: «كونوا صحيفة وطنية يقول فيها ردًا على سؤال عن للناس كالشجر يرمونه بالحجر فيرميهم بالثمر»، وبين يدي الآن آخر مقابلة أجراها الأستاذ محمد جميل منصور فك الله أسره، قبل اعتقاله مع صحيفة وطنية يقول فيها ردًا على سؤال عن موقع التيار الإسلامي في الحياة السياسية بعد أن سرد ما تعرض له الإسلاميون الموريتانيون من ظلم: «الحالة الإسلامية حالة تتعاطى مع الواقع حرصًا منها على اعتدال الخطاب ووسطيته، حرصًا منها على ألا تنجرف البلاد فيما انجرفت فيه البلدان الأخرى من تجاذب سلبي في إطار صراع لا يخدم لا الإسلاميين ولا الوطن، حرصت على أن تتحمل بعض الظلم الذي وقع عليها».. وفي مكان آخر من المقابلة يقول جميل: «القوة لا يمكن أن تكون وسيلة لحل صراع سياسي بين أصحاب الوطن الواحد».
تكفير المجتمع وسب العلماء: حقًا إذا لم تستح فاصنع ما شئت، وقل ما شئت وإلا كيف يمكن اتهام هؤلاء الذين يؤكدون في محاضراتهم، ودروسهم ومقالاتهم بشكل دائم على موقفهم الذي لا لبس فيه من قضية تكفير المجتمع؟!.
إن هؤلاء ما فتئوا يؤكدون ليل نهار أن مجتمعنا مجتمع مسلم مليء بالخير والإيمان والتقوى.. وأن التكفير حكم خطير لا يحق لغير القضاة إصداره.
أما عن علماء البلد فاحترام هؤلاء وتقديرهم لهم معروف، وأحيل إلى شريط مسجل للشيخ محمد الحسن بن الددو -فك الله أسرِه- عن النهضة العلمية في بلاد شنقيط يسرد فيه نماذج من العلم والورع والجهاد والدعوة في هذه البلاد، ما يجعل مستمعه يخرج بانطباع غير الانطباع السائد عند بعض العوام عن علماء هذا البلد، وهنا أود أن أنوه أيضًا إلى كلمة للإمام بداء بن البصيري -مد الله في عمره- ما زلت أتذكر صوته وهو يقول لي أثناء مقابلة أجريتها معه الجريدة الراية قبل حوالي سنة: «أنا أبو الدعوة الإسلامية في هذا البلد، والعاملون للإسلام أبنائي وتلامذتي».
وقبل أن أختم هذه النقطة لا بد من الإشارة إلى أن الإخوان المسلمين الذين يتبنى التيار الإسلامي الموريتاني الأسس العامة لمنهجهم مع بعض الإضافات - معروف دورهم في مواجهة فتنة التكفير التي نشأت في السجون المصرية بسبب القمع الشديد الذي تعرض له بعض الشباب هناك، ولا شك أن الكثيرين ممن لهم أدنى معرفة بالمشهد السياسي والثقافي العربي المعاصر قرأوا عن كتاب المرشد العام للإخوان المسلمين الاستاذ حسن الهضيبي «دعاة لا قضاة».
قصة الارتباط بالخارج
وككل مرة يستهدف فيها الإسلاميون، ولأن الهدف المراد تحقيقه في الغالب خارجي، كانت تهمة الارتباط حاضرة في قائمة الاتهامات بصيغة معدلة ومطبوعة بطابع ما بعد ١١ سبتمبر: الارتباط بشبكات إرهابية دولية.
وهذه التهمة كسابقتها لا أساس لها من الصحة، فموقف الإسلاميين الموريتانيين مما يُعرف بشبكات الإرهاب الدولية معروف، وأساسه رفض المنهج الذي تسير فيه هذه الجماعات والأسلوب الذي تتبع وهنا أحيل القراء الكرام إلى الآراء التي عبّر عنها كل من محمد بن المختار الشنقيطي، ومحمد جميل بن منصور في مقالات منشورة في جريدة الراية الأسبوع التالي لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، ليروا كيف أنهم أدانوا تلك الهجمات وأكدوا اختلافهم الكبير مع الجهات التي تقف وراءها أيًا كانت هويتها وانتماؤها.
هذا الموقف المبدئي للإسلاميين الموريتانيين يتناغم مع موقف أغلب الحركات الإسلامية الوسطية التي عبّرت عنه في ذلك الوقت وفي كل وقت يتطلب فيه الأمر ذلك، وبين يدي الآن ورقة إخبارية عن إجماع فصائل الحركة الإسلامية المغربية على إدانة الأعمال التفجيرية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء مؤخرًا، واعتبارها أعمالًا تقدم خدمة مجانية للمتربصين بالدول الإسلامية وتبرر مزيدًا من التدخل الأجنبي والتحكم في حاضر الشعوب الإسلامية ومصائرها من أجل إخضاعها للإملاءات الأجنبية.
تلك بعض الحقائق والمواقف عن التيار الإسلامي الموريتاني رأيت أن أسجلها في هذا الوقت الحرج الذي يتداعى فيه أعداء الإسلام الخارجيون والداخليون لصد هذا الشعب عن دينه، أردت تسجيلها كما هي بلا زيادة ولا نقصان، حتى يرى الناس الحقيقة كما هي بعيدًا عن الأغلفة التي يريد النظام بواسطة أصباغه الوزارية والعلمية للناس أن يروها.
إن الحقيقة التي يدركها من له أدنى مسكة من عقل ووعي أن التيار الإسلامي
الموريتاني:
- مستهدف لأنه رفض الانخراط في جوقة الفساد والإفساد التي يسير بها النظام الموريتاني بهذا البلد إلى الهاوية.. مستهدف لأنه قال لا للديكتاتورية والاستبداد وألح على الشورى والديمقراطية..
- مستهدف لأنه قالها صريحة ومدوية: لا للتطبيع مع الصهاينة الغاصبين..
- مستهدف لأنه قال لا للظلم الاجتماعي الواقع على بعض فئات المجتمع، وطالب بعدالة اجتماعية في توزيع ثروات البلد الكثيرة التي تنهبها قلة فاسدة مفسدة..
- مستهدف لأنه قال لا لحماية الفساد الأخلاقي في البلد.. وطالب بمحاربة الذين ينشرون الفاحشة في الذين آمنوا.
ببساطة.. جريمة التيار الإسلامي الموريتاني إنه أكثر من قول لا، في وجه نظام لم يعتد على من يقول له لا.. أبدًا.
ولعمري إنها لجريمة ما مثلها جريمة.