; حقيقة الصراع | مجلة المجتمع

العنوان حقيقة الصراع

الكاتب محمد معجوز

تاريخ النشر السبت 13-ديسمبر-2003

مشاهدات 71

نشر في العدد 1580

نشر في الصفحة 55

السبت 13-ديسمبر-2003

دعائم النهضة ومعالم النصر

maagouz@hotmail.com

إدراك حقيقة الصراع ومعرفة أطرافه وتحديد ميدان المعركة حاليًا من أهم مفردات ومكونات الرؤية الواضحة... والناظر إلى المعركة الدائرة بين أمة الإسلام وبين عدوها قد يظن لأول وهلة أنها صارت معركة غير متكافئة ولم يعد هناك مبرر لاستمرارها، إذ يبدو أنها حسمت بالتفوق الساحق لأعداء الإسلام على المسلمين في كل مكان حتى صار المسلمون لا يملكون من أمر أنفسهم شيئًا؛ فهناك فجوة هائلة في امتلاك أسباب القوة بين المسلمين وأعدائهم.

وعلى الصعيد السياسي فإن الكيانات السياسية التي تضم المسلمين على اتساع الكرة الأرضية لا تملك استقلال الإرادة السياسية وحرية القرار، ومعنى ذلك أننا على صعيد الصراع السياسي مع الكيانات الأخرى نعتبر مهزومين، إذ يستطيع عدونا توجيه القرار السياسي لبلادنا بما يحقق مصالحه هو وإن تعارضت مع مصالحنا، وقد يكون هذا منتهى مراد معظم المتصارعين في الحروب والنزاعات... أن يسلب أحدهم غريمه الإدارة السياسية أو حرية اتخاذ القرار وعندها تضع الحرب أوزارها. 

وعلى الصعيد الاقتصادي تتعجب عندما تلاحظ أن المسلمين الذين يتمتعون بثروات هائلة لا يملكون على أرض الواقع استقلالًا اقتصاديًّا ولا هم مسيطرون على ثرواتهم سيطرة حقيقية. إننا نعاني من التبعية الاقتصادية... ولا يخفى أن كثيرًا من أصحاب الأطماع في عالمنا المعاصر رأوا في السيطرة الاقتصادية على مقدرات منافسيهم بديلًا كافيًا ومرضيًا عن الاحتلال العسكري.. فهم يعدون النجاح في إرغام عدوهم على التبعية الاقتصادية انتصارًا حقيقيًّا ومعيارًا لهزيمة عدوهم الشاملة.

والآن.. ماذا يريد المنتصر أكثر من هذا؟ إن معركة يحقق فيها أحد طرفيها مثل هذه الانتصارات على عدوه جديرة بأن ينقشع غبارها وتخمد نارها بصورة سريعة كما هو اليوم بعد حرب العراق... إن تفوقًا مثل هذا، كفيل بأن يطمئن هذا المتفوق إلى الدرجة التي تجعله لا يأبه بالطرف الآخر ثانية ولا يخشى من جهته تهديدًا، فقد انتهت المعركة بانتصار على كل الجبهات... الإطاحة بالنظام... والسيطرة على الثروات... والتحكم في القرار السياسي... وبالتالي تشكيل المنطقة؟

ولكنها ليست هي الحقيقة... ما زال الطرف المتفوق يكيل لنا الضربات ويحتاط منا ويجمع علينا، بل ما زال يعدنا العدو الأول الذي يخشى جانبه... ما زال الطرف المنتصر يزيد المعركة شراسة حتى إن الحرب لا يبدو عليها أنها في طريقها لتضع أوزارها بل هي في اتجاه أن تزيد أوارها... لماذا؟ 

لأن عدونا يفهم حقيقة المعركة وموضوعها وميدانها فهمًا أصح وأدق من فهم كثيرين حسنت نياتهم فشغلوا أنفسهم فقط بالتحايل لاستعادة أسباب القوة في الميادين الحضارية التي هزمنا فيها، عسى أن تتمكن أمتنا من العودة إلى حلبة الصراع الذي يظنونه قد حسم مؤقتًا لصالح عدونا.. أما عدونا نفسه فهو أول من يعلم أنه لم يكسب بعد المعركة رغم كل ما حققه.. عدونا نفسه هو الذي يدرك أن المعركة الحقيقة الفاصلة لم تحسم لصالحه لذلك فهو مستمر في حربه، فما حقيقة المعركة التي يريد الانتصار فيها؟ 

نجح عدونا عدة مرات على مدى سنوات الاحتلال في تفريغ الإنسان المسلم والمجتمع المسلم من مظاهر الإسلام.. ولكنه صدم أيما صدمة حين وجد كيان الفرد المسلم يمتلئ إسلامًا.

مرة أخرى بمجرد أن سنحت له فرصة... أدرك العدو أن كيان الإنسان المسلم ما زال سليمًا يصلح أن يحمل إسلامًا يومًا ما.

وأدرك مع هذا أن نصره الحقيقي لن يكون بالسيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية والعلمية طالمًا ظل الكيان المسلم صالحًا أن يحمل الإسلام يومًا ما.. لذلك فإن ميدان المعركة الحقيقي الذي يحارب فيه عدونا الآن هو ميدان كيان الإنسان المسلم في الأساس.. إنه يسعى لإفساد هذا الكيان.. إنه ينظر إلى تكوين الإنسان المسلم نظرته إلى إناء صالح للامتلاء بالإسلام؛ أراد العدو لهذا الإناء أن يفرغ من الإسلام ويمتلئ بغيره فلما فشل قرر أن يثقب هذا الإناء حتى لا يصلح أن يحتفظ بالإسلام إن صب فيه مستقبلًا..

ومن ثم صار ميدان المعركة الحقيقي الذي يجب أن ننتبه إليه هو هذا الكيان وهذا التكوين؛ فعدونا لا يكتفي بتلك الفجوة الحضارية في المجالات العسكرية والسياسية والعلمية والاقتصادية وغيرها، عدونا يملؤه الرعب من المارد المسلم النائم رغم أن هذا المارد لا يستطيع أن يعيش إسلامه الآن؛ عدونا موقن أن هناك أفرادًا مسلمين صالحين لحمل الإسلام مرة أخرى وهم يتزايدون، وهنا مكمن الخطر، ومن ثم كان جوهر المعركة وميدانها الحقيقي... تكوين الإنسان المسلم. 

إن ميدان المعركة بيننا وبينهم الآن هو الهوية والخصائص والتكوين والصفة الإسلامية ﴿‌وَلَا ‌يَزَالُونَ ‌يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ﴾  (البقرة: 217).

فعدونا الرئيس أصحاب مشروع الهيمنة الغربية والصهيونية العالمية.. أعداؤنا يسعون بوضوح شديد لطمس الهوية الإسلامية وإزالة صبغة الله وتكريس ذلك بإفساد تكوين الإنسان المسلم حتى لا يصلح أن يحمل إسلامًا يومًا ما؛ وبالتالي يعجز المسلمون عن استعادة ما فقدوه على صعيد القوة والسياسة والاقتصاد والعلم... هم يسلكون في سبيل باطلهم سبيل التربية النظرية والعملية من خلال الإعلام والتعليم والإفساد الاقتصادي والاجتماعي ويجعلون ذلك جهدهم الرئيس... ونحن نعمل للاحتفاظ بتكوين حالة تيسر لهم أن يمتلئوا إسلامًا يومًا ما.. وهم يستخدمون سفهاءهم الذين أغروهم كما أغرى أهل الطائف سفهاءهم برسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل... من أجل ذلك كانت الرؤية عندنا نحن المسلمين واضحة حين أصررنا على أن نحارب في الميدان الفعلي للصراع ميدان الجهاد الأكبر والحفاظ على الهوية الإسلامية.

الرابط المختصر :