العنوان المجتمع الثقافي: (1236)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يناير-1997
مشاهدات 86
نشر في العدد 1236
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 28-يناير-1997
شعر: محمد عبد الجواد «*»
واحة الشعر
شمس البيان
في رثاء الشيخ عبد الحميد كشك- رحمه الله تعالى
في كل قلب مدى الأيام دعواه *** في كل خاطرة تنساب ذكراه!
«عبد الحميد»، وهل بالشعر نذكره *** ودوحة الشعر فرع من عطاياه؟!
شمس البيان، أمير القول، ناصعه *** تجري البلاغة في وادي ثناياه
قل للمنابر، فلتبكي على رجل *** حي المأثر، خفاق سجاياه!
ما بال عين الحياة اليوم ناضبة *** تود لو غَرَقَتْ من نبع رياه؟! «1»
كم أفرغت في قلوب الناس عبرتها *** فأينعت من غصون الروض أزهاه!
هذي الطيور غدت، من كل ناحية *** حيث الخميلة، لا مال ولا جاه2
حيث انطلاق الأحلام بمعترك *** الذئب راقبه، ما كل جفناه!
والليل ينزف والأتراح مترعة *** من الجراح، وكأس الذل أفواه!
عابوا عليه صريح القول، ليتهمو *** عابوا على حزب داعي الشر دنياه!!
من منبر المسجد الميمون صيحته *** تجوب في الأفق، أدناه وأقصاه!
فأبدعت في رياض العلم مدرسة *** «الضاد» بلبلها، والحق تياه «3»
وأودعت صفحة التاريخ ما نسيت *** من اللآلئ في مشكاة دعواه!
يا أيها الكروانُ، مَنْ سَيُسْمِعُنَا *** لحن الجراح، وتغريدًا عشقناه؟!
ومن سيصدح في أفياء أيكتنا *** ليورق الحلم، والآمال ترعاه؟!!
ومن سيطلق صوتًا هادرًا غضبًا *** يهز قلب الدجى أصداء معناه؟!
ومَنْ يُنَبِّه اطيار الحمى «سحرًا» *** يوجه السرب في أثناء مسراه؟!
ومن سيشعل في ظلمائنا قبسًا *** يفر زحف الدياجي عند مراه؟!
ومن سينظر «بالقلب البصير» إلى *** أدواء امتنا، لو راح عيناه؟! «4»
ومن يصافح ماء النيل خطبته *** فَيُنعش الضفة السمراء رياه؟!!
ومن سيزار في أرجاء غابتنا *** ومن يرفرف مبسوطاً جناحاه؟
يرد عنا ذئاب الليلة في دأب *** ويقدح الزند فيض مِنْ ثرياه؟ «5»
ليولد الفجر غضًا، ليس يجرحه *** ناب، وليس يهاب الليل عطفاه.
الهوامش
«1» عين الحياة اسم المسجد الذي كان يخطب فيه الشيخ رحمه الله. «2» إشارة إلى أن كثيرًا من الناس كانوا يقصدون مسجده لسماع خطبته. رحمه الله.
«3» تياه مزهو ومفتخر
«4» يذكر أن الشيخ-رحمه الله-فقد عينيه.
«5» قدح الزند: ضربه بحجره ليخرج النار منه-ثرياه: نجمه
«*» عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
ومضة
القضية في أن نكون أو لا نكون- أحرارًا في اختيارنا مستقلين في إرادتنا، متميزين بخصوصياتنا، نلزم الآخرين بالاعتراف بوجودنا، ونفرض عليهم احترام آرائنا ومشاعرنا، أما أن نرضى بالعيش في أحضان هذه الحضارة أو تلك، تدهشنا المناظر والأضواء، وتسحرنا الآلات والأزياء، وتستعبدنا الأفكار والفنون، من غير أن يكون لنا دور إلا المتابعة والإعجاب، والنظر والانبهار، فهذا خيار العاجزين، وفي أفضل الحالات جهد المقلدين الذين نضب عندهم معين الفاعلية، وانعدمت في حياتهم معاني الإبداع.
وإذا كان التقليد عند بعض المخلوقات موهبة تميزهم عن غيرهم، فإنه في سلوك الإنسان نقيصة يتبرأ منها من لم تهن عليه نفسه، وتهمة يحاول الخلاص منها من كان في وجدانه بقية من كرامة، من تلك التي اختص الله بها عالم الإنسان عن غيره من العوالم ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (سورة الإسراء: ٧٠)، ناهيك عن كرامة الإيمان التي هي وسام في جبين المتقين: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ﴾ (سورة الحجرات: ١٣).
إن الإنسان المؤمن- صاحب هاتين الكرامتين يرفض أن يعيش تابعًا ذليلًا يستهلك ما ينتجه الآخرون، ويتلقف ما يرمونه له من غير اتقاء ولا تمحيص، كما يرفض أن يكون متخلفًا أقصى أمانيه أن يستورد منجزات الأمم ليستخدمها ويخدع نفسه بأنه انتقل خطوة أو خطوات في سلم الحضارة، وقطع مرحلة في طريق التطور، ولئن اضطر في فترة تاريخية أن يعيش كما نرى، نتيجة عدم امتلاكه القدرات الكافية، إلا أنه ما انفك يمتلك إرادة التغيير التي تشحنه وتحفزه دائمًا لاستكمال الكفاءات، وتفعيل الطاقات، وتؤهله لاستئناف الرحلة الحضارية من جديد.
هذه الإرادة هي الفيصل الحقيقي بين تيار التحرر من التبعية، وتيار الذوبان في حضارة الآخرين حتى لو كانت النهاية أن يكون في مؤخرة الأمم وعلى 0هامش التاريخ، تيار التحرر لا ينكر فضل الآخرين ولا يرفض استخدام وسائلهم والتمتع بإنجازاتهم وتسهيلاتهم، ولكنه يأبى أن يكون ذلك مقدمة لهيمنتهم على عقولنا وسيطرتهم على مقدراتنا وانتهابهم لخيراتنا، كما يأبى أن نتحول إلى رقم لا قيمة له في حساباتهم، ومسمار تافه في التهم الكبيرة.
الأبعاد الاقتصادية لفريضة الصوم
بقلم زيد مجمد الرماني “*”
إن المسلم التقي يشعر في قرارة نفسه بالخوف من الوقوع في المحرمات والمعاصي والآثام، لما ينجم عن هذا من سوء العاقبة في الدنيا والآخرة، والصوم أفضل مدرسة تعالج قضية التقوى معالجة نفسية ميدانية، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة: 183).
يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: «المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه سعادتها ونعيمها وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الظمأ والجوع من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها فيما يضرها في معاشها» ويقول الغزالي رحمه الله: «الصيام زكاة للنفس، ورياضة للجسم، وداع للبر، فهو للإنسان وقاية، وللجماعة صيانة، في جوع الجسم صفاء القلب، وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة، لأن الشبع يورث البلادة، ويعمي القلب».
ويقول يوري نيكو لاييف، مدير وحدة الصوم في معهد العلاج النفسي في موسكو: «إن الصوم أمر جوهري لسكان المدن المعرضين باستمرار لدخان السيارات وأبخرة المصانع وغيرها من ملوثات الجو السامة.. إن العلاج من خلال الصوم ما هو إلا عملية جراحية باطنية دون مبضع جراح».
«ويرى دافيد سترى أن الصوم اقتصادي، ويقوم مقام مستحضرات التجميل، ويعطي جهاز الهضم راحة تامة، ويتيح للجسم الفرصة ليتخلص من السموم والفضلات المتراكمة، ويرمم نفسه بنفسه».
وفيما يلي نستعرض أهم الجوانب الاقتصادية لفريضة الصوم:
أولًا: الصوم والاستهلاك: من الواضح أن هناك علاقة طردية بين شهر الصوم والاستهلاك المبالغ فيه، والمرء يدهش من هذا النهم الاستهلاكي الذي يستشري لدى الناس عامة في هذا الشهر، فالجميع يركض نحو دائرة الاستهلاك والاستعداد للاستهلاك في رمضان، يبدأ مبكرًا مصحوبًا بآلة رهيبة من الدعاية والإعلانات التي تحاصر الأسرة في كل وقت ومن خلال أكثر من وسيلة، وبالتالي يكون المرء مهيئًا للوقوع في دائرة الاستهلاك الرهيبة، الزوجة تضغط باتجاه شراء المزيد، والأولاد يلحون في مطالبهم الاستهلاكية، والمرء نفسه لديه حالة شرهة لشراء أي شيء قابل للاستهلاك، في أحد الأعوام قدر نصيب شهر رمضان من جملة الاستهلاك السنوي في مصر- على سبيل المثال- بحوالي٢٠%، أي أن مصر تستهلك في شهر واحد وهو رمضان، خمس استهلاكها السنوي كله، بينما تستهلك في الأشهر المتبقية الأربعة الأخماس الباقية، وقد كلف رمضان في ذلك العام الخزانة المصرية حوالي۷۲۰ مليون دولار، وليست الدول الإسلامية الأخرى بأقل من مصر استهلاكًا.
إن هناك تبذيرًا وإسرافًا إلى حد السفه، فالكميات التي يتم شراؤها في الأيام العادية، يتم تجاوزها إلى أضعاف الأضعاف في شهر رمضان على الرغم من أنه لا يحوي إلا وجبتين فقط.
ثانيًا: الصوم والإنفاق: من الإنفاق ما افترض على سبيل الكفارة لمن لم يقدر على الصوم، ومنها زكاة الفطر، وإن من معاني الصوم أنه إمساك عن شهوة البطن، وبالمعنى الاقتصادي هو تخفيض للإنفاق أو ترشيد للإنفاق.
إن الإنفاق البذخي في رمضان أمر لا يمكن أن يتسق مع وضعية مجتمعاتنا الإسلامية التي في أغلبها مجتمعات نامية تتطلب المحافظة على كل جهد وكل إمكانية من الهدر والضياع للموارد الاستهلاكية، وما نصنعه في رمضان هو هدر لإمكانات مادية نمتلكها في غير موضعها، وهدر لقيم سامية طالبنا الدين الإسلامي بالتمسك بها، وهدر لسلوك قويم هو القناعة.
إن شهر الصوم فرصة ولا شك يتعلم فيها أفراد أمتنا عادة اقتصادية حميدة في ترشيد الإنفاق، ليكون شهر الصوم فرصة دورية للتعرف على قائمة النفقات الواجبة، وفرصة لترتيب سلم الأولويات وفرصة للتعرف على مستوى الفائض الممكن الذي ينبغي توجيهه إلى أغراض استثمارية.
إن شهر الصوم فرصة لتحقيق هذا الترشيد، ولتوسيع وعاء الفائض الممكن، ولكن شريطة أن يرتبط بقاعدة «لا إسراف ولا تبذير»، ولا شك أنها هي ميدان الترشيد على المستوى الفردي والمستوى العام، انطلاقًا من قوله سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (سورة الأعراف: 31) ومن قوله صلى الله عليه وسلم: «كل واشرب والبس ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة».
ثالثًا: نتائج وتوصيات:
- إن هذه الخصائص الاقتصادية هي خصائص كامنة في جوهر الصوم، باعتباره مرتبطًا بقوى اقتصادية مثل: الاستهلاك والإنفاق والأموال ودرجة الحاجة ودرجة الإشباع، وأن تحريك هذه الخصائص وتنشيط فاعليتها هو مهمة البشر في الأمة الصائمة على مستوى الأفراد ضبطًا لاستهلاكهم، وتقويمًا لسلوكهم الاقتصادي وعلى مستوى المؤسسات توفيرًا للنظم الكفيلة بحسن تجميع وتوجيه أموال الكفارة وأموال الزكاة والصدقة، وحسن توظيف قوتها الاقتصادية.
- إن في شهر الصوم فرصة للقادرين لاستجلاء مشاعر المحتاجين، ولكن هذا مرتبط بعدة عوامل منها: أن يحدث الصوم أثره الحقيقي في نفوس القادرين إزاء المحتاجين، ومنها توفر الحس الديني الذي يكفل التقدير المناسب لضرورة بذل الكفارة وأهمية إخراج زكاة الفطر، ومنها حسن توجيه هذه الأموال.
- إن خطة لمواجهة الشراهة الاستهلاكية أصبحت مطلوبة في رمضان وغير رمضان، إن هذه الحالة من شراهة الاستهلاك المتنامية فينا دلالة على المدى الهائل من التخلف السلوكي الذي تعيشه مجتمعاتنا الإسلامية، والمتأمل لصناديق وأكياس القمامة يرى أننا في حاجة إلى إعادة النظر في قيمنا الاستهلاكية باتجاه تعديلها لتصبح قيمًا إنتاجية أو قيمًا استهلاكية رشيدة.
- إن تزايد الاستهلاك والإنفاق معناه المزيد من الاعتماد على الخارج، ذلك أننا لم نصل بعد إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي أو مستوى معقول لتوفير احتياجاتنا الاستهلاكية اعتمادًا على مواردنا وجهودنا الذاتية، وهذا له بعد خطير يتمثل في وجود حالة تبعية غذائية للآخر الذي يمتلك هذه المواد، ويستطيع أن يتحكم في نوعيتها وجودتها ووقت إرسالها لنا.
إذن الاستهلاك والإنفاق لهما أبعاد خطيرة كثيرة تهدد حياتنا الاقتصادية، وتهدد أيضًا أمننا الوطني، فهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة، وأساليب الإنفاق البذخية؟!
“*” محاضر بعمادة البحث العلمي بالرياض جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.