العنوان تعدد الزوجات بين الدين والعقل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-نوفمبر-1979
مشاهدات 78
نشر في العدد 460
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 27-نوفمبر-1979
اليوم نتحدث عن موضوع تعدد الزوجات الذي هاجمه وأنكره كثير ممن شك في فهمهم أو في إخلاصهم، ومع الأسف أن ينضم العقيد القذافي إلى هؤلاء المنكرين في تصريح له منذ وقت قصير لصحيفة الجارديان البريطانية.
لقد كان العرب وكثير غيرهم قبل الإسلام يجمعون في عصمتهم زوجات عدة بغير تحديد في وقت واحد، وكانت الحياة الزوجية والعائلية تتعرض من جراء ذلك لصور كثيرة من الضرر والشقاء والبلاء، فشاءت حكمة الله تعالى أن تضع حدًّا لهذا الجور الذي يحيق بالمرأة، فحدد عدد الزوجات التي يحق للرجل أن يحتفظ بهن، بعد أن عرف الزوج واجباته تجاه كل زوجة وحدها، وضرورة القدرة على الإنفاق عليهن والعدل الدقيق بينهن، وإلا حاق به غضب الله تعالى.
لقد أباح الله تعالى تعدد الزوجات بقوله في سورة النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾ (النساء: 3)
ومع أن الفقرة الثانية من الآية في إباحة تعدد الزوجات في عصمة الرجل ليست تشريعية في التحديد، وإنما هي بسبيل المخرج من خوف عدم الإقساط في اليتيمات، فإن جمهور العلماء والمفسرين اعتبروها تحديدًا لعدد الزوجات الذي يسوغ للرجل جمعه في عصمته، وهو أربع زوجات فقط.
- وهناك من الرجال من يكون قوي الرغبة في النسل ولكنه رزق بزوجة لا تنجب لعقم أو مرض. أفلا يكون أكرم لها وأفضل أن يتزوج عليها زوجها مع بقائها في عصمته وضمانه لحقوقها.
ورووا أحاديث فيها تطبيق لذلك منها حديث رواه الإمام الشافعي رحمه الله جاء فيه: عن نوفل بن معاوية الديلي قال: «أسلمت وعندي ثماني نسوة، فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم اختر أربعًا منهن، أيهن شئت، وفارق الأخرى».
وكذلك فإن العمل المتواتر بعد جواز جمع أكثر من أربع نسوة في عصمة رجل واحد من العهد النبوي والخلفاء الراشدين إلى الآن، قد عده أهل المذاهب السنية وعلماء الحديث دليلاً على ذلك، وهو الحق الذي يجب أن يلتزم به ويوقف عنده.
وهكذا جاء القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وعمل المسلمين من الرسول r إلى يومنا هذا بإباحة تعدد الزوجات ولكن هذه الإباحة مقيدة.
شرطان لإباحة تعدد الزوجات:
إن إباحة تعدد الزوجات قد قيدت بشرطين أساسيين فقط، وإن قال بعض علماء المسلمين بأكثر منها.
وهذان الشرطان هما: القدرة على الإنفاق، والعدل بين الزوجات.
والقدرة على الإنفاق ليست مقصورة على حالة التعدد، بل هي شرط أساسي لمن يريد أن يتزوج عمومًا، ومن عجز عن الإنفاق على زوجة واحدة لا يحل له شرعًا أن يتزوج بامرأة أخرى.
وأما بالنسبة إلى العدل: فإن المسلم الذي يثق بنفسه بان يعدل بين زوجاته في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمبيت والنفقة، له الحق في تعدد الزوجات في الحدود المباحة، طالما يملك القدرة على الإنفاق عليهن، أما الذي لا يأنس في نفسه القدرة على هذه الحقوق بالعدل والإنصاف فإنه محرم عليه أن يتزوج بأكثر من واحدة، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
والإسلام عندما أباح تعدد الزوجات لم يجعل هذا أمرًا محتمًا معروضًا على المسلم، وإنما أراد بهذا التعدد أن يكون رخصة مباحة فقط تقتصر على من تتوافر فيه القدرة على الإنفاق والعدل معًا.
من حِكم التعدد وفوائده:
وعلى الرغم مما يقوله المغرضون من أضرار تعدد الزوجات، فإن فيه مصالح تعود بالخير على المجتمع معًا، كما أن فيه علاجًا لكثير من المشكلات الاجتماعية التي أدرك المنتقدون للإسلام حكمتها وغايتها، وكانوا على شيء من النزاهة والعلمية، لآمنوا أن الإسلام هو دين الحق والفطرة، وهو الدين الذي يحمي المرأة من عبث الناس بحقوقها وكرامتها.
إن الناس ليسوا جميعًا متساوين في أمزجتهم، فمنهم الرجل المعتدل في شهواته، ومنهم الحاد المفرط فيها ، ولا بد أن يكون في الشريعة من السعة واليسر ما يرضي المعتدل ويرضى المفرط، الذي لو سددنا عليه باب التعدد لفتح لنفسه باب الزنا واتخاذ الخليلات، كما هو موجود في الغرب، ويقول «شو بنهور» الفيلسوف المعروف: «لقد أصاب المسلمون في تقريرهم لمبدأ تعدد الزوجات ، لأنه مبدأ تحتمه وتبرره الإنسانية، والعجب أن الأوروبيين في الوقت الذى يستنكرون فيه هذا المبدأ، يتبعونه عمليًّا، فما أحسب أن بينهم من ينفذ مبدأ الزوجة الواحدة على وجهه الصحيح».
وهناك من الرجال من يكون قوي الرغبة في النسل ولكنه رزق بزوجة لا تنجب لعقم أو مرض، أفلا يكون أكرم لها وأفضل أن يتزوج عليها زوجها مع بقائها في عصمته وضمانه لحقوقها.
- وهناك الحروب التي تفني عددًا كبيرًا من الشباب، فيختل الميزان ويزيد عدد النساء على الرجال، وعندئذ يكون تعدد الزوجات ضرورة لاتقاء الفساد الخلقي، والفوضى الاجتماعية التي تنشأ لا محالة عن وجود نساء بلا رجال.
وربما يقول قائل: قد تعمل المرأة لتعول نفسها وأهلها، نعم، ولكن حاجتها الطبيعية إلى الجنس كيف نقضيها، وحاجتها الطبيعية إلى الأولاد كيف نشبعها؟ فهل من سبيل إلى قضاء تلك الحاجات كلها بالنسبة إلى المرأة بغير اشتراك أكثر من امرأة في رجل واحد، علانية وبتصريح من القانون على أن تكون كل منهن زوجة أصيلة ذات حقوق متساوية في كل شيء، اللهم إلا عواطف القلب المضمرة، فهذه ليس لأحد إلا الله عليها من سلطان.
وشبيه بحالة الحرب كل حال يختل فيها التوازن لسبب من الأسباب، فالرجال أكثر تعرضًا لحوادث العمل وحوادث الطرق، وللموت في الأوبئة، إنهم أقل مناعة بالطبيعة من النساء. أما حين يتساوى العدد فلا يمكن -حسابيًّا- أن يقوم تعدد الزوجات، ولم يحدث في أي وقت، أن أراد شاب أن يتزوج فلم يجد امرأة يتزوجها، لأن غيره من الرجال قد استولى على نصيبه منهن.
- ويلاحظ فيما سبق من حالات تعدد الزوجات أن الزوج يبقى على زوجته الأولى كراهة منه أن يطلقها، ووفاء لعشرته الطويلة معها أن تنتهي بالطلاق، وهو شعور كريم وإن كان لا يؤدي إلى سعادة الزوجة في بعض المجتمعات: أما إذا كان الزوج يمسك بها ضرارًا ومكايدة فذلك حرام عليه عند الله وسبب موجب للطلاق حين تطلبه الزوجة.
وبهذا نرى أن نظام تعدد الزوجات نظام أخلاقي لأنه لا يسمح للرجل أن يتصل بأي امرأة شاء وفي أي وقت شاء باسم الصداقة والمخادنة، كما يحدث في المجتمعات التي لا تقر تعدد الزوجات.
ما هو العدل بين النساء؟ وهل هو ممكن؟
- من الناس جماعة يلتبس عليهم فهم المقصود من قوله تعالى:﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (سورة النساء: 129)، ويستنتجون أن المراد من هذه الآية هو منع تعدد الزوجات لاعتقادهم أن الإنسان مهما حرص كل الحرص وبذل أقصى وسائل التوقي، فهو عاجز عن إقامة العدل المطلق بين زوجاته، ولكي نزيل هذا اللبس ونوضح المقصود في الآية كلها، نورد هنا بعض ما جاء في تفسيرها من كتب التفسير المعتبرة.
- يقول الله تعالى في كتابه العزيز ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (سورة النساء: 129)
وقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة في تفسير «المنتخب في تفسير القرآن الكريم» الصادر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ما يأتي:
«وإن العدل مع النساء بالمحبة الدائمة التي لا تشوبها شائبة، والمساواة بين محبتها بحيث تبادلها ما تبادله، أمر غير ممكن دائمًا، وغير ممكنة كذلك المساواة في المحبة بين الزوجات، إذا كان عنده أكثر من واحدة، ولكن إذا حرصتم فلا تجوروا عليها وتميلوا كل الميل إلى غيرها وتتركوها، لا هي ذات زوج ولا هي مطلقة، ويجب أن تصلحوا أنفسكم وتقيموا الأسرة على الصلاح من غير إفساد، وتتقوا الله، فإن الله يغفر لكم ويرحمكم إذ من شأنه المغفرة والرحمة».
وفي تفسير «صفوه البيان لمعاني القرآن» لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف قوله: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا﴾ أي العدل المطلق الكامل بين زوجاتكم في القسم الإقبال، والنفقة، والتعهد، والنظر، والمحالمة، والمفاكهة، والمحبة، والانعطاف، وغير ذلك. ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ عليه أتم الحرص ولذلك لم يكلفكم الله به».
إذ التكليف الشرعي إنما يكون بما في الوسع والطاقة، فقاربوا واجتهدوا ألا يميلوا الميل المحظور إلى واحدة منهن في حقوق الزوجية، بحيث تكون الأخرى كأنها معلقة لا هي مطلقة ولا هي ذات بعل، وجاهدوا أنفسكم حتى تصلوا إلى الحد المستطاع من العدل الذي يتاح لكم معه تعدد الزوجات.
- وفي كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن جاء: «هذا العدل الذي ذكره الله تعالى في الآية أنه لا يستطاع، هو العدل في المحبة والميل الطبيعي. لأنه ليس تحت قدرة البشر، بخلاف العدل في الحقوق الشرعية فإنه مستطاع. وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾ (النساء: 3).
لذلك كان الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم يقسم ويعدل ويقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك.. فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»، يعني بما لا يملكه أمر القلب والميل العاطفي إلى إحداهن بخاصة.
وأخيرًا؛ نرجو أن يكون قد اتضحت لنا حكمة الإسلام وفضله وسموه في إباحته لتعدد الزوجات، على الرغم مما نسمعه بين الحين والآخر منذ قاسم أمين إلى العقيد القذافي من أفكار وتصريحات لا تنفق مع نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وما أجمعت عليه الأمة من لدن الرسول صلي الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة.
أبعاد النظر في الأمور الحادثة
«نقاط في ضوء التفكير المستنير»
أهمية التفكير: ليس من أمر لا يحتاج إلى تفكير، ذلك أنه بفقدان هذا العامل يغلب أن يكون ناقصًا، بل وفاشلاً، إننا لذا لزم أن ينبه القائم بعمل ما أن يفكر بالإعداد له، باعتبار أن التخطيط والبرمجة عاملان مهمان في صحة وسلامة العمل المطلوب، وخلاف النشاط الفكر في موضوع مراد يؤدي إلى الربكة والخلخلة والارتجال، ولا يرقى إلى درجة القبول عند عموم الناس، فضلاً عن خاصتهم، وحالة عدد الاهتمام بالتفكير المؤدي إلى التخطيط السليم المتكامل من أرزاء ما بلونا به في الفكر العربي في المراحل الأمنية الأخيرة مما عرف بالغزو الفكري ، وهو سهام مسمومة أردت العقول التي لم تعتصم بكتاب الله سبحانه، ولا بسنة رسوله صلي الله عليه وسلم وحادت عن الجادة سالكة سبل الضلال . لذلك كله كان التفكير مهما بل وفي غاية الأهمية.
الحث على التفكير: ما معنى أن يدعونا سبحانه إلى النظر في السماوات والأرض، وأن نعتبر في آثار السابقين؟ وأن ندرك معنى الحياة والموت؟ وأن نستعد إلى ما بعد الموت، وأن نطمئن بأنه سبحانه الخالق العظيم؟ كل ذلك تعليم رباني جليل هو أن يتسع أفق التفكير البشري لجميع قضاياه، فيقوم بها على بينة، وباقتناع، وبداية ذلك أن يؤمن بالخالق الواحد، فإذا ما أيقن قلبه بأن الله جل وعلا هو الحق المبين، وأنه الخالق المالك الذي لا شريك له، آنئذٍ ينفتح عقله لآفاق الحياة وما بعد الحياة، وهو إن لم يصل به فكره إلى تلك الحقيقة الكبيرة، فهو مبتور مقطوع النظر البعيد والمعاني السامية، حتى لو أنه نال المجد في ريادة الفضاء والمكتشفات، ذلك أنه لم ينتقل بفكره إلى إدراك الحياة الآخرة، فيؤمن أنها حق لا جدال فيه، ولضرورة الانفتاح الذهني أثنى سبحانه على أولى الألباب.
ولضرورة الانفتاح الذهني أثني سبحانه على أولى الألباب، والذين يفكرون ويعقلون ويعتبرون، قال الله سبحانه ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (سورة آل عمران: 190). ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (سورة البقرة: 242). ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (البقرة: 219). وعليه فقد اعتبر سبحانه الكافرين - دونما نظر إلى امتيازاتهم العلمية- مجرمين وجاهلين وضالين بصورة أقل من الحيوان. فقال جل وعلا: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (سورة القلم: 35-36). ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: 43). ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (سورة الأعراف: 179)، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ (محمد: 12).
- أسس التفكير السليم:
من أهم الأسس والقواعد التي يبني عليها التفكير السليم وجود منهجية ثابتة بمثابة الأرض التي يقوم عليها البناء، ومن ثم النظر إلى موقع القضية المطروحة في الواقع المحيط من حيث الظروف والملابسات، التي تشمل القوة والضعف، والقبول والرفض، والانطلاق والتوقف، وكل هذه تمثل جانب النظرة الشاملة لما هو مطلوب، يضاف إلى ذلك الضمانات التي تكفل صحة العمل ونجاحه وعنصر الزمان، وما له من علاقة قصيرة أو طويلة أو مستمرة في ذات الموضوع، ولوضوح الصورة نجد في مثال بسيط فعالية ما ذكرنا من أسس، وذلك كأن يقوم ثلاثة أفراد كل على حدة بصنع طائرة تساعد في تيسير المواصلات غير البعيدة، وكلهم يعتمدون على التفكير السليم حسب القواعد السابقة، سوى أنهم يختلفون في اعتقاداتهم، فأحدهم لا يؤمن بالله، والآخر يتبع ديانة وثنية، والثالث مؤمن بالله سبحانه، وهنا لا شك أن يكون الثالث أكثرهم نفعًا للناس لصحة منهجه الإسلامي الذي يدعو إلى الخير العام، وإلى شكر الله سبحانه، وعليه فميزان التفكير الصحيح ما كان قائمًا على أصول العقيدة الصادقة، وتوجيهات الرسول صلي الله عليه وسلم وحياة الصحابة رضي الله عنهم.
- أمثلة مطروحة:
أخبار ما يقع في بقاع العالم أمست كالرياح تهب في كل مكان، وتلك الأخبار التي تسمع صباح مساء كالذي حدث في الباكستان أو تركيا وإيران وأفغانستان والفلبين وغيرها، وأخيرًا ما وقع في السعودية في الحرم المكي، كل ذلك يتعجل كثير من الناس بالحكم عليه وصولاً إلى النتيجة، دونما نظر إلى المقومات. والجدير بالمسلم المدرك لأبعاد المواقف المؤيدة والمعارضة والحاقدة لنور الإسلام الباهر، أن يبني أحكامه على ما آمن به في أصول العقيدة الصحيحة وبيانات الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم وخصوصًا ما جاء منها في الصحيحين، وما يجب أن يعيه المسلم في هذا المقام هو كثرة الادعاءات التي حصلت أخيرًا، من أن شخصًا يرى في نفسه أهلية أن يبايعه عموم المسلمين، أو أهلية تبنيه لآراء فقهية يرى أنها حكم الإسلام الوحيد، فكل هذا مما يخالف الأصول التي اتفق عليها جمهور المسلمين من أهل العلم والصلاح في القرون الأولى في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وهكذا؛ ليس سهلًا أن نطلق الأحكام دونما تأكد ورجوع إلى الكتاب والسنة.
هذا، وإن الفتن قد كثرت اليوم، فواجب على المسلم أن يتحرى الدقة فيما يحفظ له دينه وعرضه باتقاء الشبهات، ولزوم طاعة الله سبحانه.
- راحة الذهن:
إن تحلى المسلم بالأناة والرفق يعد من حميد الخلق الكريم والتعجل في الحكم على الأشياء، وعدم استيفاء الأدلة الكافية، والأخذ بالآراء المتضاربة والنظرات المتباينة، يطبع الشخص بعدم الاتزان والتحكم. ولا شك أن الذهن يطمئن ويرتاح حالما يركن إلى قاعدة هادئة آمنة، ولن يكون ذلك إلا بالمنهج الواضح الصحيح، منهج دين الله سبحانه في وعيه للآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، وسعيه في استيضاح صورة ما يريد الوصول إليه برفق وهدوء. والله الموفق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل