العنوان القمع اليهودي بين النظرية الأمنية: وتحقيق الحلم الأكبر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1980
مشاهدات 75
نشر في العدد 480
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 13-مايو-1980
كما توقعت المجتمع قبل أسبوعين؛ فقد أخذ التصعيد القمعي للعسكرية اليهودية مساره في سائر أنحاء فلسطين المحتلة ضمن ما يسمى بسياسة القبضة الحديدية؛ لتزداد انتفاضة الشعب المسلم في سائر أنحاء فلسطين تحديًا لهذه السياسة التي واكبت العمل السياسي حول ما يسمى بالحكم الذاتي ضمن محادثات حكومة ليكود اليهودية ومفاوضي أنور السادات.
لكن هل يصبح اعتبار سياسة القبضة الحديدية هذه ناتجة عن ردة الفعل بعد مقتل زئيف اليهودي المتعصب الذي اقتحم في العام الماضي منازل أهل الخليل مع ثلة من أصدقائه؟ وهل كان مقتل اليهود الخمسة في العملية الفدائية قبل أسبوعين هو صانع هذه القبضة التي تضرب بنارها جميع أنحاء الضفة وفلسطين المحتلة؟
إن من ذهب إلى هذا الاتجاه من التحليل للفعل وردة الفعل في سياسة ليكود، لم يزد شيئًا عما ردده الإعلام اليهودي في فلسطين وخارجها، ذلك أن حقيقة الموقف اليهودي داخل فلسطين يختلف عن هذه الموضعية الضيقة، ولعل أبين قول كشف عن حقيقة الهدف اليهودي من افتعال سياسة العنف الحالية هو الحاخام «مائير كاهانا» رئيس رابطة الدفاع اليهودي المتطرفة، والذي احتشد مع نفر من أنصاره في جنازة اليهودي المقتول «زيئيف»؛ فقد صرح للتلفزيون "الإسرائيلي" قائلًا: «إنها حرب لا هوادة فيها، فإما نحن وإما هم (يقصد إما العرب وإما اليهود في فلسطين) فليس هناك مكان للطرفين معًا في هذا البلد».
هذا قول واضح بين لحقيقة التصعيد العنيف الذي برز على الساحة الفلسطينية في الفترة الأخيرة، إنها في نظر الحاخام اليهودي مسألة حياة أو فناء لا غير، وهذا يعني أن مثل هذا الخط السياسي- العسكري أمر قديم.
تقول صحيفة الديلي تلغراف البريطانية معقبة على أحداث فلسطين المحتلة: «فالإجراءات الصارمة الجديدة التي تتخذ ضد الأهالي العرب في أعقاب مقتل خمسة من اليهود في مدينة الخليل، إنما هي بمثابة تطور حقيقي لاتجاه ظهر على مسرح الأحداث منذ تولي حكومة بيغن زمام السلطة».
ولنا في هذا العرض أن نقف على النقاط الأساسية التالية:
١- إن ما يحدث في فلسطين المحتلة من إجراءات عسكرية تمارس العنف والتهويل في مواجهة الأهالي يدخل في السياسة التي بدأ بها مناحيم بيغن حياته السياسية في فلسطين.
۲- تدخل الأحداث الأخيرة بحسب العرف اليهودي التلمودي كحلقة ضمن المسلسل الدموي في معركة الخلود اليهودي على أرض الميعاد، فهي حرب لا هوادة فيها على حد تعبير الحاخام مائير كاهانا.
٣- إن ما يحدث في فلسطين يعتبر نتيجة منطقية للمخطط اليهودي في المنطقة، والذي يقوم على أساسين قبل تحقيق الحلم اليهودي الأكبر وهما:
أ- تهجير عرب الضفة وقطاع غزة وفق سياسة مبرمجة مدروسة.
ب- بناء المزيد من المستوطنات اليهودية في الضفة والقطاع وبقية الأراضي المختصة لإبراز واجهة شعبية للتوازن بين الوجودين الشعبيين «اليهودي- والعربي».
وإذا أردنا الكشف عن مزيد من عناصر الرغبة اليهودية، لا بد من الإشارة إلى نظرية الأمن "الإسرائيلية"، والتي تعتبر جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليهودية اليومية، ولكن ما هو موقع هذه النظرية من الأحداث الأخيرة؟
إن نظرية الأمن "الإسرائيلية" تأخذ جوانب عديدة أبرزها ما يلي:
١- الموازنة السكانية بين الشعبين.
۲- قضية المستوطنات وخرافة الحدود الآمنة.
٣- العسكر والقبضة الحديدية.
٤- تهجير مبرمج لعرب فلسطين.
٥- التفوق العسكري.
وإذا عدنا إلى الأحداث التي تتصاعد منذ أسبوعين في أرض فلسطين المحتلة، نجد أن السياسة اليهودية تبتغي استمرارية تحقيق عناصر النظرية الأمنية، وما ردة الفعل التي قام بها العرب إلا بسبب من عناصر هذه النظرية التي جعلت من مسألة المستوطنات طعمًا ساخنًا لتمرير مخططها في فرض استمرارية الحكم العسكري العرفي على الرغم من التهيؤ لمسألة الحكم الذاتي، وتحقيق خطوات الموازنة الشعبية التي تعتمد على التهجير العربي والاستيطان اليهودي في آن واحد، ولا نريد أن نأخذ المثال على ذلك من بناء المستوطنة الأخيرة، وطرد الزعماء الفلسطينيين الثلاثة مؤخرًا، وإنما نريد أن نشير إلى الآثار النفسية التي تفعل فعلها الخفي في نزوح كثير من شباب الشعب الفلسطيني المسلم إلى خارج فلسطين بحثا عن الطمأنينة والراحة وحرية التعبير والانتماء والعمل، وهذا جوهر النظرية اليهودية التي وضعت أساسًا لتحقيق الحلم اليهودي الأكبر، والذي عبر عن نقاطه الأولى الحاخام مائير بقوله «فإما نحن وإما هم، فليس هناك مكان للطرفين معًا في هذا البلد»!!
وهنا قد يطرح سؤال نفسه وهو:
«أين تقع مفاوضات الحكم الذاتي من سياسة العدو اليهودي هذه؟»
وقبل الإجابة يحسن الاستشهاد بما ذكرته الديلي تلغراف في الأسبوع الماضي.. تقول الصحيفة: «إن هذا اتجاه استعماري، وهو دليل على أن المحادثات "الإسرائيلية"- المصرية مصيرها إلى الفشل بسبب العجز عن حل المشكلة الأمنية».
و يبدو أن اليهودية الدولية هيأت الوضع؛ بحيث تبدو المشكلة الأمنية جاثمة في وجه أي حل يريده العالم لقضية العرب واليهود، وهذا يعني- بالتالي كما ذهبت الديلي تلغراف- أن مسألة الحكم الذاتي تقوم على بنيان هش من الافتعال السياسي الذي لا يرمي إلى شيء سوى كسب الوقت، وإخراج العرب عن قضيتهم الأساسية وهي قضية فلسطين الإسلامية، ولنا أن نؤكد ما ذهبنا إليه بالأسئلة التالية التي لا نرى لها جوابًا إلا برغبة البقاء اليهودي في سائر الأراضي العربية المحتلة.. ونحن نوجه أسئلتنا إلى من يفسر القضية على أنها من باب الفعل وردة الفعل.. الفعل العربي بقتل زيئيف والجنود الخمسة.. وردة الفعل اليهودية بفرض القبضة الحديدية.
۱- هل هناك علاقة بين مسيرة الحكم الذاتي وزيادة الوجود العسكري في المناطق التي يفترض أن تكون خالية من العسكر؟
٢- لماذا يقوم العدو اليهودي بمناوراته على الشواطئ اللبنانية في الوقت الذي يهجر فيه زعماء فلسطينيين إلى لبنان؟
۳- ما علاقة ازدياد موجة الاستيطان التي يمارسها المستوطنون بتأييد صريح من الحكومة منذ ما يزيد على السنتين؟
٤- كيف يوفق اليهود بين هذا التصعيد للموقف الإرهابي واتفاقيات كامب ديفيد والحكم الذاتي الفلسطيني؟
على أننا إذا راقبنا الإعلام اليهودي وهو يصور ما يحدث لوقفنا على حقيقتين أساسيتين يمكن لهما أن تساعدا على الخروج بنتيجة واضحة للفعلية القمعية:
الأولى: تصوير الانضباطية المتدهورة داخل فلسطين المحتلة للعالم على أنها ظاهرة تفرض على اليهود البقاء لاستمرار الضبط الأمني.
الثانية: البحث عن قيادات فلسطينية مرنة، أو بالأحرى «عميلة عمالة مطلقة» لتكون بمثابة العبد المطيع لما يريده اليهود من رغبة وتكتيك يخدم إستراتيجية البقاء في أرض الميعاد.
ففي تحليلها للأوضاع في أرض فلسطين المحتلة، خلصت الديلي تلغراف البريطانية إلى القول «بأن من الخط الأساسي أن لا تجري الدول الغربية أي حوار مع منظمة التحرير الفلسطينية إلا بعد أن تتخلى المنظمة صراحة عن هدفها في إزالة "إسرائيل"، وتبدي استعدادها لقبول وجود "إسرائيل"».
بعد هذ.. ماذا علينا أن نقول؟ لقد قيل عنا ذات يوم: إن العرب شعب قوَّال!! وهذا يبدو صحيحًا طالما أن الإعلام العربي حريص على هذه الصفة بسائر أجهزته. إذًا ماذا علينا أن نفعل؟
إن الإجابة على هذا السؤال المر معروفة، ولا تحتاج إلى تسطير، فالأنظمة العربية تعلم حقيقة ما يجري على أرض فلسطين.. وهي تعلم أيضًا أن اليهود في فلسطين إنما يخططون للبقاء والتوسع.. ويوم يخرج الجندي اليهودي عن مواقعه في هجمة جديدة على أرض الأمة وشعبها، ستقف أبواق الأنظمة وراء أجهزتها لتردد ما قالته عام ١٩٤٨ وعام ١٩٦٧وعام ١٩٧٣.. بينما الجندي اليهودي لن يقف إلا على خطوط النظرية الأمنية لدولته.. ولن يقف إلا إذا حقق حلم تلموده الذي سطرته أوهام الحاخامات، أو أن يخرج من صلب هذه الأمة صلاح الدين الجديد؛ ليزيح الكيانات المهترئة، وينقض على عدوه، ويومها يقول القائل: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (سورة الشعراء: 227) صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل