العنوان شؤون إسلامية(411)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 10-سبتمبر-1978
مشاهدات 50
نشر في العدد 411
نشر في الصفحة 22
الأحد 10-سبتمبر-1978
موريتانيا والوجه الاقتصادي للعبة الأممية
الموريتانيون الجدد بين مشكلة
الصحراء الغربية وحل عقدة المغرب والجزائر والبوليساريو
* اليورانيوم والاتفاق بين المغرب والولايات المتحدة يفسر أحداث المنطقة
* إلى متى ستظل ثروات المسلمين وبلدانهم لعبة بين أيدى القوى العظمى؟ ما زالت أجهزة الإعلام تحاول أن تعكس صور الأوضاع في موريتانيا، بيد أن لكل وجهة هو موليها، فالإعلام اليوم لا يقوم بدوره إلإ من خلال وجهات النظر التي يلقي بها الساسة هنا وهناك، لذا فإن الصورة التي يحاول الإعلام الغربي والإعلام العربي أن يصوغ ملامحها عن أية قضية، تأتي متأثرة بالأهواء السياسية المختلفة، وإذا كانت الساحة العربية تجمع اليوم فوق أراضيها كافة الاتجاهات اللادينية والصليبية والماسونية والإلحادية والشيوعية، فإنه من الصعب على المرء أن يقف على حقيقة ما يقع في بلد ما، إذا اقتصر على أخذ المعرفة والمعلومات من الإعلام التابع للاتجاهات الدولية.
أما مشكلة موريتانيا، أو بالأحرى الحركة الانقلابية الموريتانية التي- يوليو قامت في العاشر من تموز ۱۹۷۸ فقد وضعت البلاد في وضع سياسي جديد، بعد أن قام الجيش الموريتاني بحركته الانقلابية البيضاء وأطاح بنظام عمره ١٧ سنة كان على رأسه- المختار ولد داده- الذي يعتبر أول رئيس لموريتانيا منذ استقلالها في الشهر الثامن من عام ١٩٦١ ومن ثم دخلت الجامعة العربية - كغيرها من الأعضاء
موريتانيا والمغرب:
ويجمل بنا في هذا المقام أن نشير إلى علاقة المغرب بموريتانيا قبل الانقلاب، وذلك أن ملك المغرب حاول قبل استقلال موريتانيا وجلاء المستعمر الفرنسي عنها، أن تعهد فرنسا إليه بضم موريتانيا إلى ملكه، وقد حاول آنذاك تكريس بعض القوى العالمية لمساعدته في ضم موريتانيا إلى
المملكة المغربية، إلا أن ذلك لم يتحقق أبدًا، وكانت الحكومة المغربية آنذاك تعتبر موريتانيا امتدادًا طبيعيًّا لها، ولا سيما أنها تجاورها على شاطئ المحيط الأطلسي، وقد اعتبرت أنه من السهل، بل من الضروري ضم سكان موريتانيا الذين لا يتجاوز عددهم مليون نسمة إلى الشعب المغربي في وحدة تحت سيطرة الملك، ولا سيما أن الطبيعة البشرية لكلا الدولتين متشابهة، فموريتانيا تحوي من البشر أصولًا عربية وبربرية فضلًا عن بعض العناصر التي تعود إلى أصول أفريقية، ولما فشلت الحكومة المغربية في إقناع فرنسا والقوى العالمية الأخرى بضم موريتانيا إلى المغرب، لم تعترف بحكومة الاستقلال بعد انسحاب فرنسا، بل ظلت تنادي عبر الإعلام والمؤتمرات والحركة السياسية بضم موريتانيا إليها، وأصرت المغرب على عدم الاعتراف بموريتانيا كدولة لها كيانها المستقل، ولكن مع الأيام، اعترف الملك الحسن بموريتانيا، إلا أن بعض الاتجاهات داخل المغرب ما زالت حتى اللحظة الأخيرة مُصِرة على ضمم موريتانيا، وعلى رأس تلك الاتجاهات حزب الاستقلال المغربي وهو حزب ذو نزعة يسارية اشتراكية، وهو يعتبر فصل موريتانيا عن الوطن الأم مأساة قومية.
طبيعة الحكومة السابقة والنظام المتنافر:
منذ أن استقلت موريتانيا عن فرنسا بدأت بتخبطها العشوائي، والسبب واضح ومعروف، وهو البعد عن المنهج الإلهي في الحكم، الذي لا تصلح أمور هذه الأمة إلا به، فقد أقام الرئيس الموريتاني السابق المختار ولد داده حكمه ونظامه السياسي في البلاد، على أساس الحزب الواحد، وهو حزب الشعب الموريتاني، أي، أن النظام، هو الحاكم، شأنه في ذلك شأن جميع بلدان العالم الثالث، التي يتركها الاستعمار لفئة واحده تضمن له مصالحه بعد انسحابه، وعندما تسلم ولد داده الحكم، وضع ميثاقًا هو عبارة عن مزيج متنافر غير متناسق من تشريعات متضادة غير متلائمة، فقد اختلط في هذا الميثاق المنهج الإسلامي بالمبادئ الاشتراكية والقومية والشعارات الديمقراطية وكما هو معروف، فإن الإسلام هنا هو كإسلام كافة الحكومات التي تقيم نظام حكمها على أساس الحزب الواحد المتفرد، الذي اعتدى على الحق الإلهي في التشريع والقيادة، وقد يكون الإسلام هنا عبارة عن راية ترفع للتضليل فقط، ذلك أن أمثال أولئك الحكام، يعرفون أن الأمة تحن إليه حنينًا يجعلها ترفض ما سواه، لذا فإن خداع العامة يدعو إلى ادعاء الإسلام واعتباره مصدرًا من مصادر التشريع، علمًا أن هذا الاعتبار اعتبار کافر، لأنه يجعل، مصادر التشريع متعددة، وإنما هي واحدة ربانية فقط.
بين ولد داده وولد سالك:
تبين في الفقرة السابقة منهج ولد داده وطبيعة نظامه، ولا ضير في أن نعرج على خلفه الانقلابي العقيد مصطفى ولد سالك، وولد سالك الرئيس الحالي هو الذي كان يشغل رئاسة هيئة الأركان في الجيش الموريتاني، وقد ذكرت المصادر الصحيحة إنه هو الذي قاد الانقلاب على سلفه ولد داده، ومن ثم تسلم السلطة هناك، وقد قام ولد سالك بإجراءات شملت حل الحكومة والبرلمان، كما أنه حل حزب الشعب الحاكم، وأوقف العمل بالدستور الذي اعتمدته الحكومة السابقة، ومن ثم شَكل بديلًا عن تلك الهيئات ما أطلق عليه اسم -اللجنة العسكرية للإصلاح الوطني-، ونحن نعتقد أن هذه الإجراءات لا تعني تغييرًا في التبعية الأممية واختلافًا أيديولوجيًّا بين ولد داده وولد سالك، فمثل هذه الإجراءات هي شأن كل حكومة انقلابية جديدة، والشواهد على ذلك كثيرة في العالم العربي وغيره من بلدان العالم الثالث ولعلي أكون صريحًا حين أنبه أن الأجود والأفضل في تمثيل الأدوار -عالميًّا وعربيًّا- هو الأجدر بالوجود على رأس الحكم، وهو الأقرب إلى اختيار اللعبة الأممية له ودعمه وإسناد الأمور إليه، بل إن بعض المشاكل الإقليمية تفرض نفسها في كثير من الأحيان على رقعة الشطرنج، وتبرز في المنطقة التي برز فيها ولد سالك مشكلة الصحراء الغربية والبوليساريو والنزاع العربي بين الجزائر والمغرب وموريتانيا أيضًا والأغلب إن لذلك تأثيرًا كبيرًا في الحركة الانقلابية التي لم ترق فيها الدماء، على أننا يجب ألا نغفل هناك، فموريتانيا كما ذكرت تتألف من مليون نسمة فيهم العرب والبرابرة والأفارقة ومن شأن القوميات، كما علمتنا التجارب أن تبرز الخلافات الحادة بين الفئات العرقية، وذلك إذا كان الحكم قوميًّا أو ديمقراطيًّا وعلمانيًّا أو اشتراكيًّا أو... إلخ.
وأكثر ما تبرز تلك الخلافات عند غياب الإسلام الحقيقي الذي تذوب فيها كل تلك الفوارق والجنسيات، ذلك أن الإسلام من شأنه أن يوحد بين تلك
الشعوب ويجعلها شعبًا واحدًا، ويجعل أفرادها إخوة في الله متعاونين متحابين.
وتظل هذه الفوارق الجنسية بارزة ممتدة من أيام حكم ولد داده إلى حكم ولد سالك، وإن كنا نعتقد أن المشاكل الأكثر حساسية في انقلاب ولد سالك ترجع إلى مسألة الصحراء الغربية، وموقع الخلاف بين الاتجاهات العالمية على مصير تلك المنطقة، والذي تجلى وتمثل في الخلاف بين الجزائر والمغرب والبوليساريو، ولا بد هنا من الإشارة إلى مشكلة الصحراء الغربية ليتضح فيما بعد علاقة الانقلاب بها.
الصحراء الغربية صفقة بين أسبانيا والمغرب وموريتانيا:
إن القوى العالمية لعبت هناك ممثلة بالاتجاهات والسياسات المحلية فقد كانت الجزائر تعد العدة لترسيخ أقدام بعض الاتجاهات في الصحراء إلا أن المغرب كانت أسبق منها في كسب الصفقة بالاشتراك مع اتجاهات أخرى، ومن هناك نعتبر أن مشكلة الصحراء هي المشكلة الأكثر بروزًا بين مشاكل المنطقة، وقد استطاع الملك الحسن الثاني ملك المغرب- ولأسباب دولية ومحلية بآن واحد- أن يبرم بينه وبين اسبانيا اتفاقًا يقتضي أن تتنازل بموجبه اسبانيا عن الصحراء للمغرب، وذلك مقابل أن تستغل ثرواتها لمدة خمس سنوات، وأمام هذا الاتجاه الثنائي بين اسبانيا والمغرب، يبرز محور آخر بين المغرب وموريتانيا في الوقت نفسه، وهو أن الملك الحسن ولأسباب دولية ومحلية أيضًا أشرك موريتانيا في هذه الصفقة، وجعلها الطرف الثالث فيها، وقد ذكر المراقبون آنذاك، أن المغرب أرادت بذلك أن تقطع الطريق على الجزائر التي كادت تنوى مثل ذلك والتي كانت تساوم اسبانيا على مثل ذلك الاتفاق، على أن تتسلم الصحراء من اسبانيا، وتضمها إليها مقابل أن تستغلها اسبانيا، ودخول موريتانيا في اللعبة مع المغرب يعتبر ضربة للجزائر، حيث استطاعت المغرب بعد ذلك أن تتجاوز بعض مصاعبها الداخلية، كما استطاعت أن تؤمن وجودًا عسكريًّا دائمًا في موريتانيا، وذلك يضمن للمغرب أن تحقق حلمها القديم بضم موريتانيا إليها عندما تحين الفرصة، والنقطة التي يجب ألا يغفل عنها المراقب هي الثروات المعدنية الهائلة الموجودة في الصحراء، تلك التي تكمن وراء أسرار النزاع الأممي في المنطقة عبر الاتجاهات العربية، أما الثمن الضروري الذي دفعته المغرب لهذه الصفقة، فهو المزيد من التجاوب مع لعبة الأمم، حتى أن القوات المغربية كما هو معلوم، باتت مثل البوليس الأفريقي، يتواجد لحماية المصالح الغربية الكثيرة في أفريقيا، وإذا كانت هذه هي مشكلة الصحراء وهذه هي حقيقة الاتفاق الأخير بين المغرب واسبانيا والمغرب وموريتانيا، فلماذا إذًا وقع الانقلاب الموريتاني، الحقيقة لقد تعددت الآراء، إلا أن لكل رأي ما يفنده ويرده، لأن الآراء باتت وليده الأهواء في كل الأحيان ولا سيما إذا راجعنا أوراق الانقلاب ومواقف جيرانه منه، فإننا نجده يتصف بالوطنية على لسان البعض، وبالخيانة والعمالة على لسان البعض الآخر، إذا فما هي حقيقة هذا الانقلاب ؟؟
الانقلاب صفقة تحل عقدة المغرب والجزائر والبوليساريو:
وصف الواصفون بأن الانقلاب الذي قام به ولد سالك إنما هو تدبير صنعته الحكومة المغربية، وهذا قول مردود نهائيًّا ولا سيما أن ولد داده، الرئيس السابق لموريتانيا، كان مستسلمًا استسلامًا نهائيًّا للمغرب والمخططات التي ينفذها الحسن الثاني في المنطقة، فضلًا عن أنه ليس من طبيعة الحكومات الملكية تدبير الانقلابات بمثل تلك الظروف، لأن الانقلابيين سوف يكونون أشد مراسًا، وأصعب قيادًا على الملك الحسن من قيادة المختار ولد داده المسالم للحكومة المغربية، ولا سيما أن المغرب بلد يحمل عقدة مزمنة من الانقلابات، وهو بالتالي لا يريد فتح الباب عليه، كما وصف أناس آخرون الانقلاب وصفًا معاكسًا للأول وذهبوا إلى أن يكون الانقلاب ضد المغرب، بل انفلات من ربقة الحسن الثاني والمخططات التي ينفذها في تلك المنطقة، ونحن نقول ونسأل أصحاب هذا الرأي، لماذا إذًا يأخذ الجيش المغربي مواقعه على الأرض الموريتانية؟ إننا نرى، أن الحركة لو كانت مضادة للملك الحسن، القام الجيش المغربي المتواجد في موريتانيا بمنع قيام الانقلاب أصلًا والحق أن الانقلاب الذي قام به ولد سالك في موريتانيا، كان جزءًا من صفقة سياسية استراتيجية أممية كبيرة، تحل بها عقدة كل من الجزائر والمغرب وجبهة البوليساريو الثائرة بآن واحد، ونحن نسوق الأسباب المقنعة التي جعلتنا نذهب هذا المذهب:
● أعلن مصطفى ولد سالك زعيم الانقلاب، أن وساطة تجرى حاليًا لحل مشكلة الصحراء المغربية بين كل من الجزائر والمغرب وموريتانيا.
● رحبت على أثر الانقلاب جبهة البوليساريو بالانقلابيين وحركتهم، واعتبرت الانقلاب بادرة طيبة، ثم أعلنت هدنة مؤقتة من جانب واحد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل