; العناق الأطلسي الروسي على حساب المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان العناق الأطلسي الروسي على حساب المسلمين

الكاتب أحمد الأديب

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000

مشاهدات 73

نشر في العدد 1403

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 06-يونيو-2000

* أمين عام الأطلسي يعيد إطلاق التصريحات ويدعو روسيا للتعاون ضد «الإرهاب الإسلامي»!

* لا يظن البعض أن مصطلح «الإرهاب الإسلامي» مقصود به أعمال التفجيرات واختطاف الرهائن أو غيرهما.. إنه موجه ضد الحكومات والشعوب الإسلامية على السواء

* لم يعد هناك مجال للشك في أن إطلاق يد موسكو في الشيشان جاء ثمنًا لتثبيت الأقدام الأطلسية في كوسوفا

* رئيس المخابرات الألمانية قدم معلومات لموسكو حول الشيشان.. وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة قدمت خدمات أكثر

عادت الأمور إلى مجاريها بين الدول الغربية والاتحاد الروسي، وتتابعت اللقاءات على مختلف المستويات في الأسابيع القليلة الماضية، بعد أن ساد «الفتور» من قبل، لا بسبب الحرب الإجرامية الروسية في الشيشان كما كان يتردد -عن قصد- لفترة من الزمن، بل بدأت القطيعة من جانب موسكو، بسبب الحرب الأطلسية ضد صربيا في كوسوفا، بينما بدأت المصالحة من جانب الغرب بعد الحرب الروسية في الشيشان، فكان المسؤولون الروس هم الذين أوقفوا مشاركتهم في اللقاءات الدورية في الأجهزة الأطلسية - الروسية المشتركة مثلًا، وكان المسؤولون الغربيون هم الذين توافدوا أولًا على العاصمة الروسية ورفعوا مستوى الاتصالات من جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية حلف شمال الأطلسي ومنذ أسابيع عديدة - إلى مستوى رفيع، حتى استأنفت موسكو علاقاتها بالحلف مؤخرًا.

لغة الإرهاب: واقع الأحداث وتسلسلها يؤكد بما لا يترك مجالًا للشك، أن ما تقوم به موسكو في الشيشان، كان الثمن أو صار بمثابة الثمن الذي حصلت عليه مقابل تثبيت الأقدام الأطلسية في كوسوفا، ولا يواري ذلك ما صدر ويصدر من مواقف كلامية شكلية لا تقدم ولا تؤخر، سبق رصدها طوال فترة التدمير اليومي للمدن والقرى الشيشانية، وكان آخرها التصريحات الصادرة عن الجانب الأوروبي في آخر لقاء على مستوى القمة في موسكو (29/5/ ۲۰۰۰م) إذ يتكرر «الإعراب عن القلق» الأوروبي بسبب الشيشان.. ثم يأتي التأكيد مباشرة بشأن «الثقة القاطعة بوعد موسكو أنها تعمل من أجل حل سلمي»، هكذا وكأن الزعماء السياسيين باتوا سانجين إلى درجة الاعتقاد بإقناع من يسمع تصريحاتهم بأن الوضع الطبيعي هو أن يكون الحل السلمي مطلوبًا.. بعد أن تتحقق أهداف الحرب حتى آخر إنسان وقرية وجبل في الشيشان، وليس هذا جديدًا فقد كانت الغارات الروسية تدوي يوميًا على جروزني وأخواتها، عندما كانت المفاوضات الروسية - الغربية تجري وتسفر بالفعل عن إلغاء ثلث الديون الغربية المستحقة على روسيا، ولا تنقل وسائل الإعلام عن ذلك ما يعادل ما تنقله من تصريحات غربية ساخنة بإدانة الحرب!..

ووصل التواطؤ إلى العلنية كما هو معروف، فقد كشفت وسائل الإعلام عن التعاون بين المخابرات، فكان من أقوال المسؤولين في ألمانيا عن لقاء رئيس المخابرات الألماني مع زميله الروسي على أرض الشيشان أثناء منع المبعوثين السياسيين الرسميين من دخول أرض الشيشان، إنه كان بغرض تبادل المعلومات لمكافحة الإرهابيين الإسلاميين، وزاد المسؤولون الألمان على ذلك، فقالوا إن المخابرات الألمانية لم تقدم الكثير لموسكو كما صنعت المخابرات البريطانية والفرنسية والأمريكية!.. ويتكرر ذكر عنوان مكافحة «الإرهاب الإسلامي» الآن مجددًا على لسان الأمين العام لحلف شمال الأطلسي روبرتسون، مما يبرز أحد المحاور الرئيسة لتلاقي المصالح الأمنية الغربية - الروسية، ومما يؤسف له أن مثل هذه المواقف الرسمية العلنية باتت لا تجد ردود فعل تستحق الذكر على المستويات الرسمية والإعلامية في البلدان الإسلامية، ولعل الامتناع عن مواقف جادة، ناهيك عن إجراءات مضادة، يستند إلى أن التعبير المستخدم رسميًا «مكافحة الإرهاب الإسلامي» يجري تصويره وكان المقصود به -أطلسيًا وروسيًا- مقتصر على مكافحة عمليات إرهابية فعلًا، من قبيل تفجير قنابل، أو اختطاف رهائن، أو اغتيالات فردية، أو ما شابه ذلك... والواقع أن التلاقي الأطلسي - الروسي تحت العنوان المذكور ينطوي على مضامين أبعد من ذلك بكثير، ويمثل خطرًا كبيرًا يستهدف الحكومات والشعوب في البلدان الإسلامية على السواء، وبما لا يقف عند حدود «جماعات إسلامية» معينة ناهيك عن «عصابات إرهابية».

ولئن بلغت موسكو مدى بعيدًا في خوض الحرب في الشيشان بأقصى درجات العنف والوحشية، إرهابًا للمسلمين في القوقاز ووسط آسيا، فإن حلف شمال الأطلسي في الغرب سبق موسكو في تثبيت هدف «مكافحة الإرهاب الإسلامي» عنوانًا لإرهاب دول إسلامية تمارس سياسات تتناقض مع أهداف الحلف، أو الدولة الأمريكية المتزعمة له، ولم يكن الأمين العام للحلف روبرتسون، أول من طرح هذا العنوان بمعرض الحديث عن التعاون مع موسكو، بل سبقه إلى ذلك الأمين العام الأسبق ما نفريد فورنر، عندما بدأ تعديل صياغة الأهداف الجديدة للحلف عام به ۱۹۹۱م في قمة روما، بعد سقوط الشيوعية، وهو ما استكمل بمزيد من التعديلات النهائية في قمة واشنطن الأطلسية مع مرور خمسين عامًا على أعلى تأسيس الحلف.

ولا يكرر المسؤولون الأطلسيون بطبيعة الحال «شرحهم» للمصطلح الذي يستخدمونه كلما ورد في تصريح جديد، إنما يبقى المقصود ثابتًا مادام لا يصدر «شرح جديد» وهذا ما يعود بكلام روبرتسون الآن إلى ما سبق أن وصفه سلفه فورنر عندما سئل عن المقصود فبدأ يتحدث عن «هلال الأزمات» ما بين المغرب وإندونيسيا، ثم بدأت الخطوات العملية بعد قمة روما، فشملت تعديل المهام العسكرية في جيوش الدول الأعضاء، وتعديل برامج التدريبات العسكرية، حتى وصلت إلى تعديل البنية الهيكلية للقوات الأطلسية والانتقال من أسلوب المواجهة الشاملة التي كانت تقتضيها الأزمة مع الشرق، إلى أسلوب «قوات التدخل السريع» كما تقتضيه المواجهة الجديدة.

وصحيح أن الحلف لم يدخل في حرب كحرب الشيشان، ولكن كان مما يلفت النظر، أن قواته العسكرية التي تدخلت في البوسنة والهرسك، ثم  في كوسوفا، على أساس مواجهة العدوان  الصربي، هي نفسها التي أطلقت وصف الإرهابيين على أفراد من المسلمين، من المفروض أنهم صنعوا نفس ما صنعه «الجنود الأطلسيون»، بل إذ شاركوا في مواجهة العدوان الصربي أيضًا، ولكن لم ينتظروا اكتمال ارتكاب المذابح الصربية كما صنع الحلف ودوله الأعضاء.

الإرهاب الجوي:

صحيح أن الولايات المتحدة تحركت خارج نطاق حلف شمال الأطلسي فانفردت بتوجيه «غضبها الصاروخي» على ليبيا قبل سنوات، ثم على السودان وأفغانستان، تحت عنوان مكافحة الإرهاب الإسلامي أيضًا، ولكن ليس مجهولًا أن من الحلف نفسه هو منظمة أمريكية أولًا، ويكاد يكون قديم التحرك الأمريكي خارج إطاره جزءًا من توزيع أدوار، فيقتصر على عمليات من هذا القبيل، لا يمكن تغطيتها ولو شكليًا بمشروعية دولية ما، ولا يمكن الاستناد فيها حتى إلى قرار ما من جانب مجلس الأمن الدولي ولو بمشروعية دولية مزيفة، بل هي عمليات تتناقض مباشرة مع الشرعية الدولية، ولكن لا تتناقض مع ما جرى ويجري تثبيته كأهداف رسمية للحلف.

ما صنعه الأمريكيون في هذا الإطار.. يهدد بمثله زعماء الروس الآن، بل ويتطابق معه من حيث نوعية الضربات العسكرية التي يلوحون بها، صاروخيًا وجويًا، ضد أفغانستان التي لا تملك القدرة العسكرية لرد إرهاب صاروخي وجوي كهذا.

ولا يكفي تفسير التهديدات الروسية الأفغانستان بأنها جزء من العمل على رفع معنويات الجيش الروسي في عهد فلاديمير بوتين، وقد بلغ به الانهيار الداخلي مبلغه، إنما هي عنصر واحد من سلسلة عناصر ظهرت للعيان وتشكل نسيج السياسة الإرهابية الروسية بعنوان «مكافحة الإرهاب الإسلامي» والتي رافق نسجها انتقال السلطة العليا من يلتسين إلى بوتين، وكان ذلك هو الصفحة الوحيدة التي اتضحت معالمها من سجل إعادة صياغة السياسة الروسية مع صعود رجل المخابرات بوتين من مستوى سياسي مغمور إلى منصب رئاسة الدولة ويمكن في هذه الأثناء رؤية نقاط الثقل الرئيسة في هذه الصياغة، وفي مقدمتها:

1- ربط العمليات العسكرية الحربية بعمليات أجهزة الأمن التقليدية من شرطة ومخابرات وتشكيلات مسلحة بأسلوب الميليشيا..

وقد وجد التطبيق العملي في داغستان والشيشان وغيرهما.

2- إلغاء البقية الباقية من أشكال الحكم الذاتي والسلطة المحلية وتعزيز المركزية شبه المطلقة لربط الأقاليم التابعة للاتحاد الروسي حاليًا -لاسيما المناطق الإسلامية الباقية تحت الاحتلال- بحكومة موسكو وبمختلف الأجهزة الأمنية التابعة لها، مباشرة وليس عن طريق الحكومات المحلية وأجهزتها..

وهذا ما بدأ الآن بالفعل من خلال مشروع إعادة توزيع الأقاليم الإدارية في الاتحاد الروسي، بل وبدأ تطبيقه جزئيًا من قبل أن يصدر قانون جديد حول توزيع الصلاحيات وتثبيت المركزية.

3- الاعتماد على علاقات الهيمنة السياسية والاقتصادية الباقية لموسكو في مجموعة «الدول المستقلة» وسط آسيا وفي جنوب القوقاز، واستثمارها في العمل على إنشاء شبكة من أجهزة المخابرات والأمن والتعاون العسكري، تحت عنوان مكافحة الإرهاب الإسلامي المزعوم أيضًا، وهو ما يستهدف في تلك الدول التيار السياسي والشعبي الذي يتبنى الاتجاه الإسلامي بدرجات وأشكال متفاوتة، ويرفض استمرار حكم الأجهزة الشيوعية قديمًا.

وقد ظهر جميع ذلك -تحت عنوان «مكافحة الإرهاب» أيضًا- أثناء أول زيارة لبوتين خارج الاتحاد الروسي بعد انتخابه وشملت أوزبکستان وتركمانيا..

ولم يكن في ذلك مبتدعًا لطريق جديد، فقد سبق تمهيد الطريق من جانب يلتسين، بأسلوب «المراسيم الرئاسية»، وبتحويل مجلس تمثيل الأقاليم إلى مركز قوى لصالحه مقابل مجلس الدوما النيابي، وكذلك في ميدان الهيمنة الإقليمية عبر ممارساته العسكرية والسياسية والاقتصادية على امتداد الأراضي الإسلامية من شرق طاجيكستان حتى أبخازيا في غرب جورجيا.

الرعب المتبادل:

4- كذلك لم يكن بوتين مبتدعًا في العنصر الرئيس الرابع من عناصر الصياغة الجديدة لسياسته الإرهابية «الأمنية»، فما جاء على لسان يلتسين واعتبر زلة لسان عبر التلويح بالسلاح النووي في قضية الشيشان، وصل به بوتين الآن إلى ما يستحق وصف «الإرهاب النووي».

وكان مما يلفت النظر، أن الرئيس الروسي الجديد بوتين الذي يذكر بالعهد القيصري -في الاعتماد على الجيش والحرب وعبر المركزية في سياسته الداخلية- قد أهمل عن جهل أو عن قصد، قضايا الاقتصاد والمال الملحة فتركها لرئيس وزرائه، كما أهمل قضايا مكافحة الفساد والجريمة المنظمة رغم إطلاعه على خباياها استنادًا إلى وجوده الطويل في المخابرات، بل ربما كانت هذه المعرفة وما تعنيه من إمكان توظيفها في ترسيخ الكرسي القيصري، هي السبب وراء عدم التحرك على هذا الصعيد رغم استشراء وباء الفساد والإجرام المنظم إلى حد بعيد ظاهر للعيان، كذلك فقد أهمل بوتين ميادين أخرى من ميادين السياسة الروسية، ولكنه سارع -منذ اللحظات الأولى لاستلام منصبه الرسمي- إلى تعديل صياغة المهام الملقاة على عاتق القوات الروسية، وهو ما لا يقتصر على وضع عنوان «مكافحة الإرهاب الإسلامي» في مكان الصدارة منها، بل شمل قطاعات أخرى عديدة لم يكشف النقاب عن تفاصيلها، ولكن كان التركيز الرئيس وبصورة استعراضية تلفت النظر، على الصيغة التي تقول إن موسكو «تحتفظ لنفسها بحق توجيه الضربة النووية الأولى إذا تعرض الاتحاد الروسي ومصالحه للخطر» وإن لم يشمل ذلك الخطر استخدام السلاح النووي.

ولا يصح هذا التسرع في تحليل ذلك بوحي ما كان راسخًا في الأذهان بشأن التناقض بين الشرق والغرب في حقبة الحرب الباردة، أو تحت تأثير ما يوحي به الطرف الغربي بشأن تناقضات جديدة تصنعها قضايا معينة في البلقان أو القوقاز.

إن التناقض الروسي -الغربي في الوقت الحاضر- وليس هذا مجال التفصيل فيه- يختلف كل الاختلاف عما كان في العهد الشيوعي، ويقترب مضمونًا وشكلًا من التناقضات العديدة والدائمة بين «الحلفاء الغربيين»، بعضهم البعض مع ملاحظة ظاهرة رئيسة تتمثل في أن محور التناقضات الأمريكية - الأوروبية ينمو ويتضخم بالمقارنة مع ما كان في الحرب الباردة، مقابل محور التناقضات الأمريكية - الروسية الذي يزداد ضمورًا بالمقارنة مع ما كان في الحرب الباردة أيضًا.

ولم يعد خافيًا مثلًا أن موسكو تتلاقى مع عواصم أوروبية عديدة في معارضة المشروع الأمريكي لنشر شبكة صاروخية نووية كونية، بينما تلاقت موسكو وواشنطن منذ بدء الوفاق وبما لا يتفق مع المصالح الأمنية الأوروبية على إعطاء الأولوية للحد من التسلح بالأسلحة النووية البعيدة المدى ذات الخطر الثنائي المتبادل، على حساب الأسلحة النووية المتوسطة المدى التي تمثل خطرًا روسيًا على البلدان الأقرب في أوروبا، ولكنها لا تمثل خطرًا مماثلًا على الولايات المتحدة.

الضربة النووية:

إن الخطوة الروسية الجديدة بشأن «الضربة النووية» الأولى، لم تترك مجالًا للشك في حقيقة المقصود بها، ومن السذاجة بمكان الاعتقاد بأنها موجهة ضد الأمريكيين، وهذا ما لم يكن خافيًا على واشنطن فلم يظهر من جانبها أي رد فعل جاد أول ما يشير إلى ذلك أن التعديلات التي شهدتها «صياغة أهداف القوات العسكرية الروسية» لم تقترب من قريب أو بعيد من الميادين التي تمس العلاقات الثنائية بالأمريكيين، مثل إلغاء برمجة الصواريخ العابرة للقارات بما يوجه أهدافها للطرف الآخر، أو الرجوع عن أي اتفاق سبق عقده مع الأمريكيين، وحتى منطقة ثروات النفط والغاز حيث تتضارب المصالح الاقتصادية لم يشملها التعديل بالأسلوب الذي كان متبعًا في الحرب الباردة، عندما يعلن كل من الطرفين اعتبار هذه المنطقة أو تلك من العالم جزءًا من «مصالحه الأمنية».. وأضافت موسكو على ذلك تصديقها النيابي على الاتفاقية الثانية للحد من التسلح النووي البعيد المدى «ستارت» فلم يبق شك في أن خطاب التهديد في عبارة «الضربة النووية الأولى» بعيد كل البعد عن ميدان العلاقات مع «الغريم» الأطلسي أو الأمريكي سابقًا.. ولكن من المقصود إذن؟

إن ما تصنعه موسكو على هذا الصعيد لا يختلف في كلياته ولا في تفاصيله عما سبق وصنعه حلف شمال الأطلسي بزعامته الأمريكية وبغض النظر عن استمرار وجود خلافات داخلية فيه بهذا الصدد، وهو تحويل رأس الحرب النووية من ميدانها القديم المعروف في صياغة «الرعب النووي المتبادل» إلى ميدان جديد أصبح عنوانه «مكافحة الإرهاب الإسلامي».

وينبغي هنا أن نعود بالأذهان إلى صياغة «الضربة النووية الأولى»، التي وضعت من جانب حلف الأطلسي في الستينيات الميلادية، ضد تفوق حلف وارسو في القوات الأرضية والأسلحة التقليدية، فقد كانت تلك الصياغة هي التي تمثل المظلة النووية الأمريكية الواقية للحلفاء الأوروبيين في حينه، لكن اضمحلت الحاجة إليها منذ نشأت الثغرات الأولى في جدار برلين في ظل سياسة الانفراج، ثم سقطت نهائيًا بعد سقوطه، وأصبحت الصيغة نفسها عبئًا على الجناح الأوروبي داخل الحلف وعلى مساعيه للتخلص من بقايا التناقض مع الجار الروسي، لا سيما بعد أن رصد الأوروبيون استغلال السياسة الأمريكية للنزاعات في البلقان والقوقاز، بما يجدد المخاوف الأوروبية من تناقض أمني ومصلحي جديد مع موسكو، يعيد الحاجة إلى مظلة واقية أمريكية، في فترة يسعى الأوروبيون فيها للتميز الأمني والسياسي الخارجي علاوة على الاقتصادي والمالي، تجاه الحليف الأمريكي.

علام التمسك بصياغة الضربة الأولى إذن؟..

عندما طرح الأوروبيون قبيل قمة واشنطن الأطلسية الأخيرة رغبتهم في إعادة النظر في هذه الصياغة وإلغائها، كان الجواب الأمريكي واضحًا ويتكرر في معظم المواقف الأمريكية ذات العلاقة بالتسلح النووي، ومحوره وجود «أخطار جديدة» يجب المحافظة على عنصر الرعب النووي وغيره من أجل مواجهتها، بما في ذلك عنصر الرعب الصاروخي الكوني -إذا صح التعبير- وفق المخططات الأمريكية الراهنة أما الأخطار الجديدة المزعومة فهي التي تعددها التصريحات الرسمية الأمريكية أولًا والأطلسية في الدرجة الثانية، فتذكر علاوة على كوريا الشمالية التي تعاني أزمة جوع، عددًا من البلدان الإسلامية المرشحة لامتلاك سلاح نووي أو سواه من أسلحة الدمار الشامل، على وجه الاحتمال، وإن صح فعلًا فبعد سنوات تصل أحيانًا إلى بضع عشرة سنة، وهو إن حدث لا يمكن أن يمثل إلا حدًا أدنى من «الردع الدفاعي الوقائي» قد لا يكون له أي مفعول عملي أكثر من الجانب المعنوي.

هل هذا هو «الخطر الضخم» الذي يبرر بقاء سيف التهديد بضربة نووية أطلسية أولى مصلتًا؟.. ألا يمكن الاستغناء عن ذلك وإعلان الإنذار عند وقوع حالة جادة يظهر فيها وجود خطر نووي من جهة ما في العالم؟..

الواقع أنه لا حاجة إلى هذه التساؤلات، فالأجوبة جاهزة، وكثيرًا ما تقدمها السياسة الرسمية الأمريكية بأسلوب تسريب المعلومات إلى وسائل الإعلام أحيانًا، وكذلك من خلال التصريحات المباشرة أحيانًا أخرى، فتنتشر الأنباء والتقارير وتكشف فيما تكشف عنه مثلًا عن اعتماد برامج تدريب عسكري جديدة، تشمل إمكان استخدام السلاح النووي ضد «مجموعات إرهابية»!

ولا نحسب المسألة مسألة تسريب معلومات، ولا نعتقد أن تبرير التسلح النووي العملاق على هذا النحو تبرير صحيح، إنما المقصود من البداية هو ممارسة الإرهاب النووي، ونشر الإحساس بالعجز عن اتخاذ موقف يتناقض مع مصالح من يملك السلاح النووي ويهدد باستخدامه.

من المستهدف؟..

إن العناق الأطلسي - الروسي الجديد، والذي وصل إلى مستوى تبادل التصريحات بقابلية انضمام الاتحاد الروسي إلى الحلف في المستقبل، يأتي لأسباب عديدة، أحد محاوره الرئيسة -إن لم يكن المحور الأول- هو التلاقي تحت عنوان «مكافحة الإرهاب الإسلامي» على النهج الذي وضع حلف شمال الأطلسي أسسه من قبل وتتبناه موسكو بصورة مماثلة، ولا يفترق الطرفان إلا في تقدير الوسائل المناسبة لكل حالة على حدة، ولا مبالغة في هذه الصورة ولكن نقع في مبالغة كبرى وخطيرة، عندما نتوهم أن المقصود بهذا العنوان هو بالفعل مجموعة هنا وأخرى هناك، أو أن القوى التي تحكم العالم اليوم وتمتلك من مخازن أسلحة الدمار الشامل ما يكفي -رغم كل ما قيل ويقال عن نزع التسلح- لدمار العالم عن بكرة أبيه عشرات المرات تحتاج إلى تعاون بيننا لمواجهة تلك المجموعات المتفرقة.

هل يجب علينا الاقتناع بأن مكافحة «العصابات» لا يتطلب استمرار وجود حلف كحلف شمال الأطلسي فحسب، أو إعادة نشوء حكم قيصري كحكم بوتين في الاتحاد الروسي فقط، بل يتطلب أيضًا أن يقترن ذلك بقوات تدخل سریع، ورصد ألوف المليارات لتطوير أسلحة جديدة، بل وتعزيز عنصر الإرهاب النووي في صيغة «توجيه الضربة الأولى» ولو لم يوجد خطر نووي بالمقابل؟

لعل بعض من يميلون بسياساتهم للغرب، أو يرتبطون به عبر مصالحهم المادية، أو يصدرون في تصوراتهم عن تصوراته وفي مناهجهم عن مناهجه.. لعل هؤلاء يميلون إلى الإحساس بالاطمئنان، بأنهم غير مستهدفين، وإنما المستهدف هم من يوصفون بالتيار الإسلامي فحسب.

«المطمئنون» على هذا النحو هم بين أمرين، إما أنهم على صواب مما يعني الإقرار بمستوى من الارتباط بالغرب يفصلهم عن ارتباطهم بموطنهم وتاريخه وأهله وإما أنهم على خطأ، فعليهم الاعتبار من عشرات الأمثلة التاريخية القربية عن تعامل السياسات الغربية والروسية مع سائر ما شهدته بلادنا الإسلامية والبلدان النامية عمومًا من قضايا وتطورات، وكيف تدعم داخل السلطة أو خارجها من يحقق أغراضها وأطماعها، ثم تتخلى عنه لأسوا مصير، وسيان كم خدمها من قبل وكم بلغ موقعه المحلي والإقليمي كماركوس في الفلبين، والشاء في إيران، وبوكاسا في إفريقيا الوسطى، وبعض زعماء الأحزاب المعارضة هنا وهناك!

إن الأخطار الأكبر والأعظم في المرحلة الراهنة بالذات، على البلدان الأصغر ولاسيما بلادنا الإسلامية، هي الأخطار الخارجية، ولكن لا تنفذ تلك الأخطار إلى تحقيق أهدافها وبلوغ مآربها إلا بمقدار ما تسمح به الأخطار الداخلية -إذا صح التعبير- فلا سبيل إلى مواجهتها سوى الالتحام الداخلي، وسبل تحقيقه معروفة، ولكن ليس من بينها قطعًا ارتكاب عمليات الإرهاب.. ولا ممارسة سياسات الإقصاء والتهميش والإقصاء.. ناهيك عن البطش والقمع والقهر.. وعن الاستغلال والفساد والفقر.. سيان من يمارس شيئًا من ذلك كله وأي رداء ارتدى وأي انتماء زعم وأي مبرر أعلن.

الرابط المختصر :