; إسطنبول تحترق | مجلة المجتمع

العنوان إسطنبول تحترق

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1980

مشاهدات 66

نشر في العدد 474

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 18-مارس-1980

إسطنبول المدينة الإسلامية العريقة تحترق اليوم بأيدي أبنائها، الذين ولدوا وترعرعوا في ظل العلمانية، التي فرضها الطاغوت أتاتورك على هذا البلد المسلم تركيا، بوحي من الماسونية والصهيونية العالمية. تركيا التي طالما شع منها نور الإيمان لهداية العالم تحت راية الخلافة الإسلامية، التي كانت ترفرف على قممها ومناراتها. ولولا الجريمة النكراء التي ارتكبها الطاغوت الماسوني أتاتورك في حق هذا البلد وفي حق المسلمين جميعًا؛ لما وصل الأمر بالشعب التركي إلى ما وصل إليه اليوم من تقاتل وتناطح على الباطل، بينما كان هذا الشعب مشهورًا في ظل الإسلام بالإقدام والشجاعة للذود عن حمى الإسلام، وعن قلعة الإسلام المنيعة التي بسقوطها ألم بالمسلمين كل ما هم فيه اليوم من ويلات العلمانية والقومية والجاهلية الحديثة، التي أضاعت من أيدينا فلسطين وأريتريا، وأوغندا، والفلبين، وأفغانستان. 

ولكي نضعك أيها القارئ في الصورة كاملة لما يجري حاليًا في تركيا من أحداث داخلية، نسوق لك ما جاء في تقرير صحفي لمراسل مجلة لونوفيل أو بسير فاتير الفرنسية في تركيا. تمت ترجمة التقرير بقسم الترجمة في المجتمع. 

تركيا مريضة منذ سنوات تعاني من هبوط اقتصادي حاد

هل من الممكن أن يقضي الضعف العام والتعاسة على حياة دولة؟ يرد على هذا السؤال بكلمة: «لا» أي بالنفي. 

.. لكن الذي نراه في هذه الأيام تدل صراحة على اليأس والحسرة؛ لدرجة أن المرء بدأ يتشكك في حكم المنطق.

الدولة مريضة منذ سنوات، منغمسة في الهبوط الاقتصادي الذي كمم الحكومات واحدة تلو الأخرى. وأضر باليمين واليسار في آن واحد بسبب الإرهاب.. لكنها خلال الأشهر الأخيرة يبدو أنها أوصلت البلاد إلى حافة الهاوية؛ حيث لا تستطيع أي قوة أن تنقذها من الهبوط، وأصبحت كل الاحتمالات متوقعة.. 

منذ وصول سليمان ديميريل إلى الحكم قبل مائة يوم، ومنذ إقدامه على الانفتاح الاقتصادي ارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية الضرورية من 50% إلى 500%، وبلغ عدد الاغتيالات السياسية 600 إصابة.. حتى صباح هذا اليوم تم اغتيال ثلاثة أشخاص بالبنادق الرشاشة في مدينة اسطنبول العاصمة القديمة ذات الألف قبة والمنارات الذهبية، جنة السياح، هل كان ذلك الاغتيال أخذًا بالثأر بعد الانفجار الذي وقع في الليلة الماضية للعمال، ذلك الانفجار الذي هدم مقهى وجرح زبائنه؟ لا أحد يجرؤ على مناقشة الموضوع.. لأن الكلام أصبح خطيرًا جدًّا، الجماهير العابسة التي تجوب الشوارع بسرعة ترتعش من الخوف أكثر من ارتعاشها من البرد.

«سواء كان المرء منحازًا إلى حزب سياسي أم لا، لا يضمن لنفسه الأمان أينما كان». هكذا صرح لي أحد التجار. تلهف واستطرد قائلًا: «قبل الأحداث الحالية كانت الصراعات تقع في الجامعات والمعاهد؛ لكنها الآن تحدث في كل مكان». في الأسبوع الماضي اضطر إلى إغلاق محله مثل جميع المحلات في اسطنبول خلال 24 ساعة احتجاجًا على ارتفاع الأسعار؛ لأن العصابات اليسارية السرية المتطرفة كانت قد دعت إلى إضراب عام.. يقول التاجر: «فعلا لبيت الدعوة وأغلقت محلي؛ لأنني لا أريد أن ينفجر بقنبلة من المتطرفين.. لكن بمجرد أن أرخيت الستار على محلي، فاجأتني مجموعة أخرى منافسة للأولى، وهي تنتمي إلى أقصى اليمين كان أفرادها مسلحون بأعمدة من الحديد، وأجبروني على فتح المحل.. وبعد ذلك بقليل جاءني عريف من الجيش (جاويش) وطمأنني وطلب مني ألَّا أخاف من شيء؛ لأن السلطات المحلية تحمينا، لكنني أقفلت محلي على كل حال بمجرد أن تركني وذهب.. لأننا لا نثق - ولو قليلًا - لا في الجيش ولا في الشرطة». 

الإرهابيون يأمرون التجار بالإضراب.

الجيش للتجار: لا تخافوا، السلطات تحميكم.. 

التجار: لبينا دعوة الإرهابيين إلى الإضراب لعدم ثقتنا بالجيش أو الشرطة. 

منذ شهر أصبح المتطرفون يهاجمون مراكز الشرطة.. 

حينما اضطر رئيس الوزراء السابق بولانت أجاويد الاشتراكي الديمقراطي فرض حالة الطوارئ في تسع عشرة مقاطعة بشرق البلاد، بعد اضطرابات سياسية ودينية، أراد أن تكون حالة طوارئ من نوع خاص، لا تتسم بمنع تجول أو تفتيش منظم ولا متابعة منظمة؛ بل كان الجيش مكلفًا فقط بحماية المرافق العامة والبنوك التي كانت تتعرض كثيرًا للنهب من طرف العصابات الإرهابية.. «لقد كان ذلك مضحكًا كما يقول أحد مؤيدي الحكومة الجديدة الذي يرى أن النظام يجب أن يسود بأي ثمن» لكن هل يمكن ذلك الآن؟ منذ شهر أصبح المتطرفون لا يهاجمون رجال الشرطة المعزولين فحسب؛ بل يهاجمون مراكز الشرطة نفسها.. وقد أعلن المدير العام للشرطة أنه يحتاج إلى أربع سنوات للتجهيز وتدريب رجاله السبعين ألف بطريقة تمكنهم من إلحاق الهزيمة بالإرهابيين.. وقد تقرر مؤقتًا أن توضع الشرطة تحت إشراف الجيش. 

لقد ذهبنا إلى حي «زيتون بورنو» بإحدى ضواحي إسطنبول العمالية؛ حيث وقعت مجابهة بين مجموعات مختلفة من المتطرفين، أغلب أعضائها من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين خمس عشرة وعشرين سنة من أبناء الأحياء الفقيرة الذين يتقاتلون من أجل الأيديولوجيات.. فمنذ ثلاثة أشهر قتل خمسة من زعماء الشباب الأيديولوجيين التابعين للحزب الوطني «الفاشي» الذي يتزعمه الكولونيل توركيس، «ومنذ ذلك الوقت كان يأتينا كل يوم في المستشفى عدد من الجرحى أو القتلى» صرح بذلك أحد أطباء المستشفى الذي تساءل قائلًا: «ولكن ماذا تستطيع الشرطة أن تعمله؟ يجب أن تقوم بتفتيش جميع البيوت بحثًا عن الأسلحة، لكنها لا تجرؤ على ذلك؛ بل تفضل أن تترك الجماعات تتقاتل فيما بينها».. 

أسلحة مقابل الأفيون

قديمًا كان حي زيتون برونو قطاعًا تابعًا لأقصى اليمين. لكنه اليوم أصبح مقسمًا بين منظمات سياسية مختلفة، كما هي الحال بالنسبة لأغلب أحياء إسطنبول.. التجار مجبورون على دفع الضرائب لهذه الجماعات لحماية أنفسهم من الهجوم عليهم.. والذي يمتنع عن دفع تلك الضرائب يوشك أن يعرض نفسه للاغتيال، مثل ذلك البقال المسكين الذي امتنع عن دفع الضرائب التي كان يدفعها شهريًّا إلى الشباب الأيديولوجيين في الحي الذي يسكنه، وُجد قتيلًا في محله في اليوم التالي ليوم امتناعه عن دفع الضرائب، وكانت بداخل رأسه رصاصة واحدة». صرَّح بذلك أحد الجيران.. 

لكن ضرائب التجار لا تكفي لشراء أسلحة والمؤن الضرورية، كما أن السطو على البنوك أصبح صعبًا فمن أين تحصل المنظمات السرية - خمسين منظمةً تقريبًا - من أين تحصل على الأموال الضرورية؟

أما نقيب المحامين في إسطنبول فيتهم الأحزاب السياسية بدون أي تردد؛ حيث يرى أن الحزب الوطني الذي يزعمه (توركيس)وحزب العدالة الذي يزعمه ديميريل والذي يحكم البلاد - حاليًا - يرى أنهما وراء الإرهاب في تركيا منذ سنة 1965. ويقول: إن ديميريل نفسه لا يقود عمليات إرهابية؛ لكنه كان يستفيد منها لضرب السلطة، ونقد سذاجات منافسة أجاويد خاصة واليسار المعتدل عامة الذي كان يحاول نسبه إلى الشيوعية دائمًا»، ويستطرد نقيب المحامين قائلًا: «إنه على كل حال صراع مفتوح، فإن الفاشيين بزعامة الكولونيل توركيس قرروا أن يقتلوني وقد وجد اسمي مسجلًا على قائمتهم». 

في الآونة الأخيرة وجهت تهمة التواطؤ إلى نائبين في حزب العدالة وإلى المدير العام للأمن، حيث اتهما بالتواطؤ مع أحد مهربي المخدرات الذي يُسمَّى حسين أوغلو المتهم بتهريب الأسلحة والأفيون... وقد اكتشف أخيرًا أن الأسلحة الكثيرة التي كانت تمر بكل من بلغاريا وسوريا - وحتى عن طريق بعض الجزر اليونانية الواقعة في بحر إيجة - كانت تصل إلى تركيا.. هذه الأسلحة كانت تُشترى من أوروبا وخاصة من ألمانيا ومارسيليا (بفرنسا)؛ حيث كان يتم شراؤها مقابل الأفيون القادمة من تركيا.. لكن الزعماء السياسيين الذين وُجهت إليهم التهمة أنكروا أي علاقة من هذا النوع بينهم وبين المهرب «أوغلو»، وهكذا تم ترتيب ملف تلك القضية على الرف لكن ذلك لم يمنع من تأخذ الأوساط المعارضة موقفًا حذرًا من الحكومة على أنها السبب في ترك الأمور تتفادح ويتهمون الحكومة بقولهم: «إن ديميريل وأصدقاؤه اليمينيين يريدون أن يثبتوا أن تركيا لا يمكن أن تحكم بالديمقراطية.. وأنهم يحاولون أن يقنعوا المواطنين، بأن النظام الاستبدادي الذي يستطيع أن يحميهم أفضل لهم، وإن كان ذلك على حساب الحرية». 

هذا ما بدأه رجال الأعمال على المستوى الداخلي، الذين يشتكون من أنهم لا يقدرون على مراقبة طبقة عمالية دائمًا في صراع.. لكن البعض يرى أن هذا الوضع الذي يسود تركيا يفيد فقط الولايات المتحدة وأوروبا.. لكن في الشرق الأوسط الذي يسوده التوتر يجب أن تبقى تركيا حليفة حلف الناتو قوية ومستقرة.. ولا ينبغي أن تكون المشاكل السياسية الداخلية سببًا في إلحاق الخسارة مرة أخرى بالأمن الغربي مثلما حدث له في إيران.. 

الرابط المختصر :