العنوان الاحتلال الأمريكي للعراق.. إلى أين ؟! تحولات استراتيجية في المنطقة العربية
الكاتب د. عوض بن محمد القرني
تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2007
مشاهدات 85
نشر في العدد 1761
نشر في الصفحة 66
السبت 21-يوليو-2007
تناولنا في العددين الماضيين دوافع أمريكا للحرب على العراق، أما ما يتعلق بالتحرك الفكري والاجتماعي فسوف تواصل أمريكا سعيها في الضغط لتغيير المناهج وتقليص النفوذ الديني والعلوم الشرعية والمؤسسات الخيرية، والتغيير الاجتماعي من خلال المرأة أولاً، والسعي لتغيير الاتجاه العام للمجتمعات، من خلال تغيير سياسات التعليم والإعلام وبعض نظم الحكم، ومن خلال التمكين للمنافقين من العلمانيين، وأمثالهم، والشهوانيين وأشياعهم، والذين بدءوا بالتحرك والظهور. ومن ثم كان البغي والاستكبار والغرور والاستعلاء الذي اتصفت به أمريكا مستكبرة بقوتها وكثرتها وعددها وعتادها.
متناسية قدرة الله عليها وأن ذلك مقدمات الخذلان لها بل الدمار، مثلما أخبر الله تعالى عمن قبلهم فقال سبحانه: ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ ﴾ [فصلت 15،16]. إن مما ستكشفه هذه الحرب. انكشاف حقيقة أمريكا وظهور زيف شعاراتها عن العدالة الحرية والإنسانية والحضارة وحق الشعوب في تقرير المصير... الخ، حتى في تعاملها مع مواطنيها من المسلمين . قال الله تعالى ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [ آل عمران: 118]
وقد تنجلي الأحداث وتكون الاحتمالات التي بعدها كثيرة ومختلفة فقد يحاول الغزاة فرض أساليب جديدة للحياة في المنطقة تحت مسمى الديمقراطية والمشاركة السياسية، أو السعي لتمزيق المنطقة وتفتيتها، أو إبقاء شكل الدول وتبديل مضمونها إلى الأسوأ، أو الإلزام بقيام مؤسسات المجتمع المدني كالأحزاب والنقابات والإعلام الحر، وهذا يقتضي الإعداد لهذه المرحلة بكافة احتمالاتها، وتكاتف الجهود والحفاظ على وحدة الأمة.
وجاءت الهجمة الصليبية الاستعمارية في بداية هذا القرن التي مزقت جسم الأمة وأقامت بينها الحدود المصطنعة باتفاقية سايكس - بيكو الشهيرة، وتحولت الأمة الواحدة إلى دويلات هزيلة متناحرة يدبر بعضها المؤامرات ضد البعض الآخر، وتنفق من الأموال وتكدس من السلاح في الصراع بينها أضعاف ما تنفقه أو تستعد به لعدوها الخارجي، وإن شئت أن تأخذ النظام البعثي نموذجاً فأمامك قائمة طويلة من الحروب مع شعبه وجيرانه، وهكذا أصبح في أغلب الأقطار أنظمة وأحزاب علمانية ما بين ليبرالية أو يسارية، فاضطهدت الأمة وقتلت كرامتها وارتهنتها لعدوها وحاربت دينها وتاريخها وقيمها، حتى أصبحت الأمة أمماً يأكل بعضها بعضاً، وذلت أمام عدوها وتوالت هزائمها في جميع الميادين، فجاءت هزيمة نظام البعث في العراق في السياق ذاته ومحصلة نهائية للعوامل ذاتها التي تتكرر عبر هذا القرن في بلدان شتى وبصور مختلفة.. وكذلك قامت الأنظمة العلمانية - المفروضة على الأمة والجاثمة على صدرها من منتصف القرن الماضي، والتي استنزفت خيرات الأمة وطاقاتها - ببناء السجون والمعتقلات وشن الحروب على الجيران وبناء القصور وتكديس الأموال في المصارف العالمية، وإنفاقها على الشهوات والموبقات وبناء الأجهزة الأمنية الكثيرة . هذه الأنظمة التي مزقت الجبهة الداخلية للشعوب بشنها حربا لا هوادة فيها على دين الأمة وتاريخها وهويتها ومحاولة زرع هوية مستوردة وغرسها في المجتمع بالحديد والنار، مما أفقد الأمة أي شعور بالانتماء لأوطانها والحكومات التي تحكمها، وجعلها تقول لا فرق بين بوش أو شارون أو صدام حسين أو ... الخ. وإذا أردنا أن نفهم أسباب عجز النظام العربي القائم وعدم فاعليته، فعلينا أن نتذكر أنه تصميم وتنفيذ فرنسي بريطاني ثم رعاية وتعهد أمريكي سوفيتي وأن له وظيفة وقدرة وحدوداً لا يستطيع تجاوزها بناء على أصل تكوينه وحدود إمكاناته.