; لوكربي.. أبعد من قضية الحصار | مجلة المجتمع

العنوان لوكربي.. أبعد من قضية الحصار

الكاتب أحمد الأديب

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1999

مشاهدات 66

نشر في العدد 1340

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 02-مارس-1999

  • الدول الغربية ترفض تسليم مواطنيها لمحاكمتهم في دول أخرى فلماذا لا ينطبق هذا المبدأ الدولي على ليبيا؟!
  • في معالجة القضية.. واشنطن ولندن تجاهلتا القانون الدولي وحكم محكمة العدل الدولية.

أصبحت قضية لوكربي، مثالًا نموذجيًّا على الخلل القائم في التعامل مع الأحداث والتطورات على المستوى الدولي، يظهر ذلك عند السؤال عما نقل القضية من مستوى «عملية إرهابية»، إلى مستوى نزاع سياسي بين طرفين غير متكافئين على المسرح الدولي.

توجد أمثلة عديدة على ما تبذله الحكومات الغربية من جهود لتبني قضايا مواطنين تابعين لها، إذا ارتكبوا جرائم ما في بلد مضيف، حتى تسترجعهم، وهي من أجل استرجاعهم على استعداد للمخاطرة بمصالح اقتصادية حيوية، وبما يسمى «الصداقة الودية» التي أصبحت أشبه بشارع ذي اتجاه واحد، وحتى بنشوب أزمات ثنائية... المهم الحيلولة دون خضوع ذلك المواطن الغربي لحكم القضاء في بلد غير بلده الأصلي!

ما الذي يعطي حكومة غربية الحق في أن تسلك كل سبيل ممكن لانتزاع مواطن قاتل من قصاص يستحقه في بلد آخر، ولا يعطي مثل ذلك الحق للحكومة الليبية، بل لا يعطيها مجرد الحق في المطالبة بأن يكون «السجن» ليبيًّا؟

هل هو السياسات الليبية نفسها؟.. لا نغفل هنا عن الإشارة إلى ضرورة التمييز بين المرفوض وغير المرفوض من تلك السياسات، فهناك انتقادات واضحة للسياسات الليبية: الاستبداد الداخلي تحت أي عنوان، قديم أو مبتكر، الإضرار بمصلحة دول مجاورة «بغض النظر عن تقويم سياستها سلبًا أو إيجابًا»، ثم الانحراف الخطير في نشر الفوضى الفكرية بما في ذلك التعدي على مكانة السنة المطهرة والفقه الإسلامي.. جميع ذلك جدير بالإدانة والرفض.

المهم هو المنهجية في الإدانة وفي الإشادة على السواء، إلى جانب رفض استغلال السلبيات في ليبيا- وكذلك في سواها- لتبرير سياسات عدوانية على بلد مسلم.

يجب أن نفصل بين مقياسنا الذاتي في الرفض والقبول، والإدانة والإشادة، وبين منطلقات أولئك الذين لا يتورعون عن استخدام مختلف السبل المشروعة وغير المشروعة، لترسيخ دعائم أخطر ما تواجهه المنطقة، وهو خطر «الأمركة والصهينة» على أوسع نطاق وفي كل مجال!.

قضية لوكربي «عنصر واحد» من مجموعة عناصر تحدد معًا النظرة المنهجية لتحديد الموقف من ليبيا، مع مراعاة الأجواء التي سادت دوليًّا، وسادت علاقات الغرب مع دول المنطقة، عندما وقعت حادثة لوكربي يوم 21\12\1988 م، ثم لا بد من الخروج بمعالجة الأزمة من المنظور الأمريكي- البريطاني الذي حصر القضية داخل نطاق سؤال واحد هو: هل يخضع أم لا يخضع النظام الليبي لما تطالب به الدولتان، وما النصائح التي ينبغي تقديمها إليه ضمن إطار الخضوع.. فكان الخضوع لواشنطن ولندن في نظر هؤلاء أمرًا مفروغًا منه، وهو في نظرهم الخضوع للشرعية الدولية نفسها.. ونعلم أن قرارات مجلس الأمن لا تصنع القانون الدولي، بل يجب أن تقاس هذه القرارات بمدى توافقها أو عدم توافقها مع القانون الدولي، وإلا فإن مجلس الأمن ينتهج شرعة الغاب التي تعتمد على سيادة القوة فحسب، وهذا ما يراد له في الوقت الحاضر فعلًا!.

في غياب اتفاق ثنائي لتبادل تسليم المتهمين بارتكاب أعمال جنائية، يتوجب الرجوع إلى الاتفاقيات الدولية التي تلتزم بها الدول التي وقعت وصادقت عليها، ولهذا لم توقع واشنطن على كثير من الاتفاقيات الدولية، مثل بيان حقوق الإنسان عام 1948 م، وحتى اتفاقية إزالة الألغام الأرضية عام 1998 م.

أما إن قيل إن قضية لوكربي هي قضية «حادثة إرهابية»... فقد وجبت الإشارة إلى أن الدول الغربية عمومًا، ترفض تسليم متهم ما بممارسة الإرهاب إلى سلطات بلده الأصلي، إذا كانت قوانينها تمنع ذلك لسبب من الأسباب، فقوانينها إذن مقدمة على «القانون الدولي»، ونذكر كيف رفضت إيطاليا تسليم عبد الله أوجلان لتركيا قبل سقوطه في شراك المخابرات في كينيا، وقد احتجت إيطاليا باستمرار الأخذ بعقوبة الإعدام في تركيا، وإن لم تجد التطبيق منذ سنوات عديدة، والقانون الإيطالي يمنع تسليم المطلوبين إلى بلد يأخذ بعقوبة الإعدام.

الأصل إذن في معظم أمثلة التعامل الغربي مع قضايا تسليم المطلوبين، هو عدم تسليمهم، فعلام تصل الأمور إلى مستوى استصدار قرارات من مجلس الأمن الدولي لمقاطعة دولة مثل ليبيا أو السودان، ولا تصل إلى مثل ذلك في التعامل مع دولة كالولايات المتحدة أو بريطانيا، اللتين عملنا وتعملان علنًا على دعم فئات معارضة بالمال والسلاح ومختلف أشكال العون المعلنة، بهدف إسقاط هذا النظام أو ذاك؟

إن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 731 من يوم 21\1\1992 م تبنى المذكرة الأمريكية- البريطانية الموجهة إلى ليبيا في 27\11\1991 م، دون تعديل يذكر.. ولكن هل يعني ذلك اقتناع الدول الأخرى أعضاء المجلس بمشروعية محتوى المذكرة، أم أن القرار كان نتيجة الظروف السياسية الدولية في تلك الفترة، عقب سقوط الاتحاد السوفييتي، وانتشار الأوهام بأن الانفراد الأمريكي بالزعامة الدولية بات أمرًا محتومًا؟

ولم تمض شهور ثلاثة إلا وتبنى المجلس قرار «العقوبات» رقم 768 ثم مرة أخرى قرار «التهديد» رقم 883.. ومن العسير اعتبار القرارين «شرعيين» وهما يثبتان حصار الشعب الليبي باسم مقاطعة النظام، ويتناقضان مباشرة مع الشرعية الدولية كما تؤكد نصوص البنود 27 و 33 و 36 من ميثاق الأمم المتحدة نفسه!.

في قضية لوكربي.. لا توجد اتفاقيات ثنائية، ولئن وجدت اتفاقية دولية يمكن الرجوع إليها فهي اتفاقية مونتريال من عام 1971 م، ولكنها لا تقضي بتسليم المتهمين، بل تثبت نصوصها أن تجري المحاكمة في البلد الذي ينتمي المتهم إليه، وعند الاختلاف على الأرضية القانونية الدولية، يكون الرجوع إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي.. وليس مجهولًا كيف تعاملت الدولتان الغربيتان مع لجوء ليبيا إليها، فأين إذن الشرعية الدولية في القرارات والإجراءات المضادة لليبيا على طول الخط؟

ثم من يقرر بعد رفض محكمة العدل الدولية؟.. القضاة المتخصصون بالقانون الدولي... أم السياسيون؟...

الواقع أن القضية ليست قضية مشروعية دولية ولا هي قضية خلاف قانوني دولي، فلا جدوى من إطالة أمد التلاعب بالنصوص ومدلولاتها، بل هي قضية سياسية من بدايتها حتى الآن، ولا يجري علاجها غربيًّا «من أجل ضحايا لوكربي» بل على حسابهم، وهو ما أدركه ذوو الضحايا الذين بدؤوا من جانبهم يمارسون الضغوط على حكومتي واشنطن ولندن لتتخليا عن التعنت، ولتقبلا بالمقترحات الليبية التي صدرت عام 1994 م، ومثلت تراجعًا بعيد المدى عن الحقوق القانونية الدولية المشار إليها، فعرضت القبول بمحاكمة المتهمين في دولة «حيادية» ثالثة، وانتظر هذا الاقتراح أكثر من أربع سنوات قبل أن تلجأ إليه واشنطن ولندن في أغسطس عام 1998 م، ولكن بأسلوب التبجح والتعجرف، عبر تجاهل صدوره عن ليبيا، وعبر الإعلان عنه بلهجة «الإنذار» التقليدية، فإما أن «يقبل القذافي به هكذا دون تعديل أو يرفضه، فليس الاقتراح قابلًا للنقاش ولا للتعديل».. كما ورد على لسان أولبرايت آنذاك...

البحث عن الدوافع والمواقف

بغض النظر عن السياسات الليبية وتقويمها.. يبقى أن الرفض الليبي لمسيرة مدريد بعد حرب الخليج الثانية، والذي تزامن مع حادثة لوكربي، كان عاملًا رئيسًا وراء توجيه إتهام لوكربي إلى ليبيا بالذات، ثم التصعيد إلى الحصار، ولا يعني ذلك بالضرورة الخوف من الموقف الليبي والمبالغة في تقدير احتمال أن يعرقل «المسيرة العتيدة» التي مكنت ظروف نهاية الحرب الباردة وكارثة حرب الخليج الثانية من أن يحشد وراءها قدر ضخم من القوى الدولية والغربية والعربية.. إنما كان المخططون والمنفذون لمسيرة مدريد فأوسلو وما انبثق عنهما، حريصين على كبت كل صوت «نشاز»، فكان من «مكملات» مسيرة مدريد العمل على حصار بعض الدول والمنظمات والجماعات وتحجيمها وشغلها بنفسها أو بأزماتها مع سواها عن القضية المركزية في المنطقة.

والبعد السياسي لقضية لوكربي جعل المخرج السياسي هو المخرج الوحيد من حلقتها المفرغة، ولهذا كانت الضغوط من جانب ذوي الضحايا، فالمحكمة الدولية، وأخيرًا من جانب منظمة الوحدة الأفريقية العنصر الحاسم في تراجع واشنطن ولندن جزئيًّا في أغسطس الماضي، بل كان توقيت هذا التراجع لافتًا للنظر، فقد جاء قبل أيام من انتهاء المهلة التي حددها الزعماء الأفارقة في سبتمبر عام 1998م، وصحيح أن جامعة الدول العربية قد اتخذت- مثل قمة عدم الانحياز في مايو 1998 م- أكثر من قرار شبيه بمحتوى القرار الأفريقي، ولكن مع فارق واضح، هو أن القرارات العربية كانت دومًا مجرد توصيات لا تلتزم بها الدول التي شاركت في صياغتها واستصدارها، وليس من قبيل التكهنات القول إن الدول العربية لو تحركت بالأسلوب الأفريقي في التعامل مع قضية لوكربي، واتخذت من قرار محكمة العدل الدولية مستندًا لرؤية القضية بمنظور شرعي دولي مستقل عن منظور الهيمنة الأمريكية والبريطانية، فأعلنت عن قرار عربي جماعي كالقرار الأفريقي، لما كانت نتائج ذلك منحصرة على قضية لوكربي نفسها ولا على تخفيف الحصار على ليبيا وشعبها فحسب، بل كانت النتيجة الأهم أن مثل هذا التحرك من شأنه أن يساهم في انتزاع الوزن السياسي المطلوب لمجموعة الدول العربية عالميًّا، وهو في مقدمة ما تفتقر إليه دولنا التي تجاوزت العشرين عربيًّا والخمسين إسلاميًّا، من أجل المشاركة الفاعلة في صنع القرار السياسي في سائر القضايا المطروحة والتي تمس بصورة خاصة المصالح الحيوية في المنطقة ومستقبلها.

إن قضية لوكربي تطرح دروسًا تاريخية من حيث أهميتها.. وفي مقدمتها:

  1. إن توجيه ضربة خارجية، ضغوطًا أو مقاطعة أو حصارًا أو عدوانًا عسكريًّا أو سوى ذلك، إلى أي بلد عربي أو إسلامي، بغض النظر عن أوضاعه السياسية، يعني إصابة المجموعة العربية والإسلامية بعواقب تلك الضربة.. التي يمكن أن تتباين أشكالها وتتعدد ميادينها وأن يتفاوت حجمها بين بلد وبلد، ولكنها لا تستثني أحدًا.
  2. إن الغايات العدوانية الخارجية من مثل تلك الضربات، لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع، إذا ما تحركت الدول العربية والإسلامية تحركًا جماعيًّا في مواجهتها، وربما في استنفار دول أخرى من المجموعة الأفريقية والأسيوية للمشاركة في المواجهة.
  3. إن الامتناع عن دعم دولة تتعرض لضغوط عدوانية خارجية بشكل ما، يمكن أن يؤدي إلى عواقب خطيرة.
  4. إن التلاقي السياسي على قضية من القضايا، من شأنه أن يؤثر إيجابيًّا على قضايا خلافية أخرى، فعلى قدر اتساع قاعدة الوفاق المشترك، يضيق المجال بالخلافات وتنفتح أبواب جديدة للعثور على حلول لها، وهذا ما ينبغي أن تتسم به سياسات الدول العربية والإسلامية، تجاه بعضها، بدلًا من تغليب مفعول الخلاف إلى درجة انتشار أثره في ميادين لا خلاف فيها.. ولا سيما أن الأخطار الخارجية أصبحت لا تميز بين فريق وفريق، ولا بين أنظمة وشعوب، ولا بين تيار وتيار؟
الرابط المختصر :