; الصراع العربي الصهيوني بين التصور الإسلامي والواقع الموضوعي «الحلقة السابعة» | مجلة المجتمع

العنوان الصراع العربي الصهيوني بين التصور الإسلامي والواقع الموضوعي «الحلقة السابعة»

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1986

مشاهدات 64

نشر في العدد 790

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 04-نوفمبر-1986

أبعاد التحرك العربي الجاد والجديد.

لماذا ضغطت الولايات المتحدة على فرنسا لتسوية ديونها مع إيران؟

من المتوقع أن يتبلور الموقف العربي في مؤتمر القمة الإسلامي القادم.

الإنجليز والفرنسيون والألمان تواقون للخلاص من الهيمنة الأميركية.

وضع البيض العربي في السلة الأميركية أو السلة الروسية لن يضمن له السلامة.

أشرنا في الحلقة السابقة إلى مشروع حزب العمل المدعوم أميركيًا لفرض تسوية تسدل الستار على القضية الفلسطينية التي يسمونها قضية الشرق الأوسط، وأن الولايات المتحدة في قمة ريكافيك قدمت موضوع ما يسمى بحرب النجوم، وتصلبت فيه رغم تنازل الاتحاد السوفياتي حتى لا تفسح المجال لبحث القضايا الإقليمية، وبالتحديد ما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط ريثما ينتهي الدور المنوط بشامير القيام به وهو عملية الاجتياح المتوقعة في شهر نوفمبر القادم، وبعد ذلك يصبح الحل الأميركي جاهزًا للتنفيذ في غياب الاتحاد السوفياتي ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ولا يعني هذا القول أن الاتحاد السوفياتي حريص على تحرير فلسطين، ولكن الاتحاد السوفياتي له موقف مختلف عن موقف الولايات المتحدة فيما يتعلق بالتسوية المطروحة وهو موقف قريب من موقف قمة فاس الذي تبنته الدول العربية ومنظمة التحرير، ويقوم على أساس انسحاب الكيان اليهودي من الضفة والقطاع والاعتراف بحق دول المنطقة في العيش بسلام ضمن حدود آمنة، ومن ضمنها بالطبع دولة العدو الصهيوني في فلسطين والاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة أو المتحدة كونفدراليًا مع الأردن حسب اتفاق عمان اللاحق.

ريغان وعقلية السوبرمان

والولايات المتحدة وخاصة في عهد ريغان الذي يحمل عقلية السوبرمان والكاوبوي في آن واحد، الولايات المتحدة تريد أن تكون سيدة العالم بلا منازع، وريغان الذي توجهه القوى الرأسمالية العظمى في الولايات المتحدة ومنها القوى الصهيونية يملك غريزة شرهة للسيطرة والهيمنة ليس فقط على منطقة الشرق الأوسط، وإنما على حلفائه الرأسماليين في أوروبا الغربية أيضًا.

وبعد أن استطاع النفوذ الأميركي الإمبريالي أن يحل محل النفوذ البريطاني والفرنسي الاستعماري وقفت الولايات المتحدة حجر عثرة في وجه الطموحات الأوروبية، لإنشاء نوع من التكتل أو الوحدة فيما يسمى بالسوق الأوروبية المشتركة وضغطت على كل من بريطانيا وفرنسا للحد من طموحاتها في عودة «أمجادهما!» في الشرق الأوسط، أو في أي بقعة من العالم بحجة وحدة المعسكر الرأسمالي «الحر!» في مواجهة المعسكر الشيوعي.

ولما كانت القوى الرأسمالية في العالم تتحين الفرص لالتهام إحداها الأخرى وأن الشراهة والجشع هو المحرك الأول للرأسمالية، فإن الإنجليز والفرنسيين والألمان تواقون للخلاص من الهيمنة الأميركية حتى ولو أدى ذلك إلى تعاون من نوع ما مع الاتحاد السوفياتي.

والاتحاد السوفياتي المنافس الأول للولايات المتحدة يدرك هذه الحقيقة ولذلك بدأ مؤخرًا وخاصة في عهد غورباتشوف في انتهاج سياسة جديدة فيها شيء من الانفتاح على دول أوروبا الغربية والصين، ولكن لما كانت الولايات المتحدة له بالمرصاد فقد وجد نفسه مضطرًا لمد الجسور نحو الولايات المتحدة، لعله يصل معها إلى اتفاق يوقف التسابق في مجال التنافس على غزو الفضاء وإنتاج الصواريخ ذات الرؤوس النووية، ومن ثم توزيع مناطق النفوذ في العالم وحل المشاكل الإقليمية المتفجرة والقابلة للتفجير.

ولعل بعض القادة العرب قد أدركوا مؤخرًا سواء منهم من اعتمد على الوعود الأميركية أو الوعود الروسية أنهم هم الضحية، وأن شعوبهم هي المسحوقة وسط هذا الصراع العالمي سواء اتفق العملاقان أو لم يتفقا، وأن عليهم أن يتداركوا الأمر قبل فوات الأوان وأن وضع البيض العربي في السلة الأميركية أو السلة الروسية لن يضمن له السلامة، وأن عليهم أن يسعوا بجد إلى لم الشمل والاتفاق على موقف عربي موحد يوقف التدهور الناتج عن صراع الكبار أو حتى عن اتفاقهم المتوقع في قمة لاحقة.

لهذا اتفق وزراء الخارجية العرب في مجلس الجامعة العربية الذي عقد مؤخرًا، ولأول مرة منذ ست سنوات طوال على عقد قمة عربية يقوم على أساس مقررات القمة العربية الأخيرة التي عقدت في فاس.

 هذا التحرك العربي الجماعي الجاد والجديد يهدف إلى الهروب الجماعي من وطأة الضغط الأميركي والاحتماء بالعمل العربي الموحد لإيقاف نزيف الدم في حرب الخليج، ولإنقاذ الأردن من الضغط الأميركي لعقد صلح منفرد مع الكيان اليهودي، ولإنقاذ مصر من الأغلال التي تكبلها بها اتفاقيات كاب ديفيد.

 وعادت منظمة التحرير إلى الفعل مرة أخرى بعد أن ثبتت أقدامها في الجنوب اللبناني، وكانت تصريحات رئيس وزراء الأردن في الكويت مؤخرًا مؤشرًا على الرغبة في تحسين العلاقة مع المنظمة، وكانت زيارة الأمير عبدالله ولي عهد المملكة العربية السعودية لكل من دمشق وبغداد داخلة ضمن إطار المساعي الرامية إلى تحسين العلاقات العربية والوصول إلى موقف عربي موحد يمهد للوصول إلى قمة عربية فاعلة.

تحسين العلاقات مع فرنسا

وبدأت المساعي على المستوى الدولي لتحسين العلاقات مع فرنسا مقابل صفقات أسلحة فرنسية إلى البلاد العربية ووعد ميتران بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وإقامة سفارة لها في باريس ولكنه في انتظار نتيجة الانتخابات الفرنسية التمهيدية للبرلمان الفرنسي في بداية شهر ديسمبر المقبل.

وتحركت الولايات المتحدة للضغط على فرنسا لحل مشكلة ديونها مع إيران، وذلك بتقديم أسلحة لإيران بقيمة هذه الديون البالغة مليار دولار منذ عهد الشاه.

وتريد الولايات المتحدة بذلك إشعار الدول العربية وخاصة الدول الخليجية بتزايد الخطر الإيراني مما يدفعها- حسب التصور الأميركي- إلى طلب العون الأميركي أو الحماية الأميركية حتى يكون الباب مفتوحًا أمام قوات التدخل السريع، وإقامة قواعد أميركية في المنطقة تؤمن السيطرة التامة عليها.

ومن المتوقع أن يتبلور الموقف العربي في مواجهة هذه التحديات عبر مؤتمر القمة الاسلامي المقرر عقده في الكويت في السادس والعشرين من شهر يناير المقبل.

وفي تصورنا أن الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الغربية يشجعان الدول العربية بل والاسلامية على اتخاذ موقف موحد يحد من بسط الهيمنة الأميركية على المنطقة ليس حبًا في وحدة العرب او المسلمين ولكن منافسة للولايات المتحدة التي تريد أن تهيمن على العالم كله، وما المؤتمر الاسلامي الذي عقد مؤخرًا في الاتحاد السوفياتي لأول مرة إلا مؤشرًا في هذا الاتجاه.

وحدة فصائل المقاومة

ومن جهة أخرى فإن منظمة التحرير الفلسطينية التي لا تستطيع أن تعمل إلا مستندة على جدار عربي- رغم حرصها على استقلالية القرار الفلسطيني- تواجه ضغوطًا من أطراف عربية ومن الاتحاد السوفياتي على حد سواء لتوحيد فصائلها المقاتلة، ولقد استطاعت حتى الآن خمسة من هذه الفصائل هي: فتح، والجبهة الديمقراطية، وجبهة التحرير العربية، وجبهة التحرير الفلسطينية، والحزب الشيوعي الفلسطيني من أن تجد لها أرضية تتفق عليها تمهيدًا لعقد المؤتمر الوطني الفلسطيني بمن يحضر.. وبالطبع فإن الجبهة الشعبية حتى الآن خارج إطار الاتفاق.

 كما أن منظمة التحرير أعلنت عن نيتها لتصعيد العمل المسلح داخل فلسطين المحتلة، وذلك حتى لا يتم تجاهلها عبر أي حل قادم للقضية الفلسطينية.

ولقد وعد غورباتشوف ياسر عرفات حين اجتمع به أن يطرح موضوع حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني عند اجتماع غورباتشوف مع ريغان، ولما كانت الولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني تصر على أن يكون المؤتمر الدولي مجرد مظلة لمفاوضات مباشرة بين كل من الأردن وسوريا ومصر ولبنان دون منظمة التحرير، فقد وجدت المنظمة في اتفاق عمان وسيلة للوصول إلى الكرسي الأردني على طاولة المفاوضات مناصفة مع الاردنيين من خلال مشروع الاتحاد الكونفدرالي الفلسطيني الأردني، وحين أوقف الملك حسين التنسيق السياسي مع المنظمة أعلنت المنظمة من جهتها أن الاتحاد الكونفدرالي لن يكون بالضرورة مع الأردن وإنما مع أي من «الجيران العرب» وهذا تلميح الى إمكانية أن تشترك المنظمة مع مصر على كرسي المفاوضات باعتبار مصر مسؤولة قانونًا عن استرجاع قطاع غزة الفلسطيني.

وحين تطالب مصر بعقد مؤتمر دولي تكون- في نظر المنظمة- قد خرجت عن إطار اتفاقيات كامب ديفيد، وخاصة الجزء الثاني منها المتعلق بمشروع الحكم الذاتي الاداري للضفة والقطاع.

الجبهة الاسلامية لتحرير فلسطين وعملية البراق

وسط هذه الحركة السياسية النشطة على المستوى الفلسطيني والعربي والدولي لحل ما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط ظهرت على سطح الأحداث مبادرة اعتراضية من نوع جديد تمثلت في «عملية البراق» الذي يسميه اليهود حائط المبكى حيث ألقيت قنبلتان يدويتان على حشد من خريجي القوات الصهيونية الخاصة بعد الانتهاء من حفل التخرج، فسقط حوالي سبعين من الصهاينة بين قتيل وجريح وتسابقت المنظمات الفلسطينية إلى إعلان عن مسؤوليتها عن هذه العملية.

ثم اتضح أن هذه العملية قامت بها مجموعة إسلامية - باعتراف العدو الصهيوني- وأعلن بيريز أن هذه المجموعة حصلت على دعم من منظمة «فتح»، ثم قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف مخيمات الفلسطينيين في الجنوب اللبناني على اعتبار أن هذه المخيمات تعتبر قواعد للفدائيين، وحليفًا للإسلاميين في صراعهم مع الصهاينة.

والحقيقة أننا كنا نعلم عن «قيام الجبهة الإسلامية لتحرير فلسطين» التي أعلنت مسؤوليتها عن العملية والتي أشهرت نفسها في غرة محرم ١٤٠٧هـ الموافق ٤/٩/١٩٨٦ في بيان جاء فيه ما يلي:

«أيها الإخوة المسلمون: إن الواجب المقدس يدعونا جميعًا إلى العمل الجاد الصادق في سبيل إعلاء كلمة الله، ومن أجل تحرير فلسطين العربية الاسلامية جميعها تحريرًا عربيًا اسلاميًا منطلقًا ومنهجًا وسلوكًا، وإقامة حكم الله فيها، وإن المسؤولية تفرض علينا جميعًا القيام بهذا الواجب المقدس العظيم المشرف.

إن جميع النظريات والمنطلقات والمبادئ والأفكار والشعارات والمذاهب الكثيرة الهدامة الوافدة المختلفة والتي ظهرت على الساحة العربية والفلسطينية جميعها ولدت ميتة، والكثير من هذه النظريات خرجت من أوكار القوى المعادية للإسلام والعرب والمسلمين وفلسطين، وكذلك لبعدها عن الإسلام منطلقًا ومنهجًا وسلوكًا وكذلك لبعدها عن إدراك حقيقة الصراع.

(يتبع)

الرابط المختصر :