العنوان السلفية الناصرية تتجمل!
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1989
مشاهدات 75
نشر في العدد 941
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 14-نوفمبر-1989
مصطلح القومية ضم تحت جناحيه كل العناصر
والفصائل الرافضة للإسلام
الناصريون أو القوميون عامة يؤمنون ببقاء «إسرائيل»
والتصالح معها من خلال اتفاق عربي جماعي
الإسلام في المفهوم الناصري أو القومي
أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله
جرائم الناصرية تتعلق بحقوق العباد ولا
يمكن أن تطويها السنون أو الأحقاب
لا شك أن الحوار
العاقل بين القوى السياسية والفكرية في عالمنا العربي خطوة للأمام تستحق التشجيع
والتنويه، فقد درجت معظم هذه القوى على التحاور بمنطق الاتهام والتجريح والتكفير
(الوطني)، وتتغير لغة الحوار عندما تصل إلى السلطة بالتغييب وراء الأسوار العالية
والبوابات السوداء، وسلب الحياة وفقًا لمحاكم عسكرية ظالمة وطاغية.
ولما عرف الناس
في عالمنا العربي الإسلامي أن ندوة للحوار بين ما يسمى التيار القومي وما يسمى
التيار الديني ستنعقد بمدينة القاهرة في المدة من 25 سبتمبر 1989 إلى السابع
والعشرين منه، كنت من أول الذين فرحوا لانعقاد الندوة، وتمنوا لها النجاح، صحيح أن
المبادرة كانت من مركز دراسات الوحدة العربية الناصري، ولكن الاستجابة من قادة
الحركة الإسلامية كانت ردًا على التحية بأحسن منها، حيث تناسوا الجراح، وسموا فوق
الشكوك، وأملوا في النتائج خيرًا.
ولا أخفي أن
عنوان الندوة كان من أول دواعي التحفظ والاستفهام، فالعنوان يقول: (ندوة الحوار
القومي- الديني)، ومصطلح قومي يعني الانتساب إلى العروبة أو القومية العربية، وهذا
ما أراه بعيدًا عن واقع الحال بالرغم من إلحاح القوميين على العروبة والانتساب إلى
العرب، واقع الحال يشير إلى أن رافعي شعار القومية لا شأن لهم بالقومية ولا
بالعروبة، ولم يقدموا شيئًا من أجلها بالرغم من تقلدهم السلطة لعقود ثلاثة أو
أربعة، وما زال بعضهم حتى الآن يتقلد زمام السلطة، في بعض المواقع، لقد كانوا -في
كل الأحوال- يعيشون حالة انفصام بين النظرية والتطبيق، ولعل ما أصاب القومية
العربية على أيديهم كان أشد هولًا مما أصابها على أيدي الأجانب المحتلين، فقد
ازداد تمزق العرب وتشتتهم، كما أصمتهم الهزائم من كل لون وعلى كل مستوى، إن مصطلح
(القومية) في هذه الندوة مصطلح مراوغ بعيد عن الواقع، والحلم أيضًا، كما أنه زئبقي
الدلالة والمعنى.
ماذا
يعني مصطلح القومية؟
إذًا ماذا يعني
هذا المصطلح بالضبط بعيدًا عن المراوغة والزئبقية؟
في تصوري أن
مصطلح «القومية» ضم تحت جناحه كل العناصر والفصائل الرافضة للإسلام: العقيدة
والشريعة، التاريخ والحلم، الماضي والمستقبل، ومع تنوع هذه الفصائل وتلك العناصر
بدءًا من العلمانيين الذين يفصلون بين الدين والدول، ومرورًا بالناصريين وهم
أغلبية التيار، إلى الماركسيين الذين يرفضون الله، فإن هدفهم المشترك كان الوقوف
في وجه الحركة الإسلامية باعتبارها الخطر الأكبر الذي يتهدد وجودهم، ويبطل
مزاعمهم، ويقضي على دعاواهم، وكان تطبيقهم لهذا الهدف عند وصولهم إلى دست الحكم
مصداقًا لما أقول، فقد كانت جرأتهم على الإسلام أكبر جرأة في التاريخ الإسلامي منذ
تجربة القرامطة، وكان فجورهم مع الإسلاميين يتجاوز ما جرى في عهد الاستعماريين.
أما مصطلح «ديني»
بالرغم من أن المراد به الإسلام عمليًا، فإنه مصطلح منافق ومخادع؛ منافق لأنه لا
يتحمل أن يكون الإسلام وحده سيد الحياة العربية، ومحور حركتها ونشاطها، ومناط
تصورها وتفوقها، فيراه قاصرًا وذليلًا، ويستجدي رضاه الأٌقليات التي ظلت طوال
أربعة عشر قرنًا -وحتى الآن- تعيش في ظل حضارته وتتحرك من خلالها.
ومخادع لأنه لا
يسمى الأشياء بأسمائها، ويرى أن كلمة «إسلامي»، قد تعرضه للمؤاخذة والعقاب من
القوى التي تضع «فيتو» على الإسلام ومسمياته، فيستدعي كلمة «ديني» بما تحمله من مطاطية
التعبير وزئبقيتها، بالرغم من أن الدين عند الله الإسلام، ليسلك في إطارها واحدًا
أو أكثر من غير المسلمين الذين يشاركون في الحوار تحت مظلة القومية.
ولو كان عنوان
الندوة «الحوار العلماني- الإسلامي»، لكان أقرب إلى الواقع والصواب، ولتجاوز القوميون
الذين أعدوا الندوة كثيرًا من محاذير الزئبقية والمراوغة، لا سيما أن المقصود
بكلمة «الديني» -كما سبق- «الإسلامي»، بل إن المتحدثين باسم هؤلاء القومين أعلنوا
بوضوح أنهم يقصدون الإسلام كتصور واتجاه، بل زعموا أنه كانت لهم شروط لبدء الحوار
مع الاتجاه الإسلامي، عبرت عنها متحدثة منهم نقلًا عن مصادر معدي الندوة بأن يكون
الطرف الإسلامي:
«ذا إطار مرجعي
عربي، وأن يقر بالتعددية السياسية والاجتماعية، مستبعدًا الحركات الإسلامية
المذهبية، وكذلك الحركات الدينية السرية التي تلجأ إلى العنف الإرهابي كوسيلة إلى
الوصول إلى السلطة، وأخيرًا الحركات الدينية الفاشية في تنظيمها الداخلي أو في
منطلقاتها في التعامل مع المجتمع ومع القوى السياسية الأخرى» (الوطن الكويتية، 22/
10/ 1989م).
دلالات
واضحة
وأيًا كان عنوان
الندوة ومصطلحاتها، فإن التفكير في الحوار مع قادة الحركة الإسلامية له دلالة لا
تخفى على المتابع لمسيرة الأحداث في وطننا العربي الإسلامي منذ انتشار دعوة
القومية، من خلال فرضها بواسطة السلطة في أكثر من قطر عربي، قبل أربعين عامًا
تقريبًا، وحتى اليوم؛ حيث أسقط القوميون -بأنفسهم- الدعامة الأولى التي أقاموا
عليها كيانهم السياسي والفكري، وهي تحرير فلسطين، إذ أصبح القوميون الآن أول من
يقنن للاعتراف بدولة العدو اليهودي، ويدفع المنظمات الفلسطينية للقبول بما تبقى من
فلسطين تحت أقصى الشروط اليهودية الأميركية وأشدها وطأة وذلًا.
دلالة انعقاد
الندوة كامنة في الاعتراف بقوة الوجود الإسلامية في الساحة السياسية والاجتماعية
والفكرية، وهو ما كان ينكره القوميون عندما كانوا يقبضون على جماع السلطة بأيديهم،
وكانوا -يومها- يصفون الوجود الإسلامي بالرجعية تارة، والثورة المضادة تارة أخرى.
دلالة انعقاد
الندوة كامنة في الاعتراف بأن القومية لن تكون بحال بديلًا عن الإسلام، ولن تستجيب
الجماهير لمشروع يخرجها عن دينها، أو يجعل انتماءها القومي يضعها في خانة العداء
أو البعد عن الأمة الأكبر، أو عن الأمة الإسلامية: أمة المصحف الواحد، والقبلة
الواحدة، والقدس الواحدة.
ودلالة انعقاد
الندوة كامنة في انعطاف القوميين على تعدد عناصرهم وفصائلهم نحو الإسلام والمشروع
الإسلامي لمستقبل الأمة العربية، دراسة وبحثًا ومناقشة، بعد أن ظلوا طويلًا أسرى
المشروع الغربي بمستوياته المتعددة، رأسمالية أو اشتراكية، وأعتقد أن هذا الانعطاف
سيحقق نتائج طيبة، بل باهرة وبخاصة حين يرافقه إخلاص البحث وسلامة التوجه.
ودلالة انعقاد
الندوة كامنة في الإعلان غير المباشر عن إفلاس المشروع الناصري نهائيًا، بعد قرابة
أربعين عامًا، شهدت في أوائلها شعار «وحدة ما يغلبها غلاب»، وشهدت في أواخرها
مشروعات عديدة لتقسيم البلدان العربية أو «عبرنة المنطقة»، مصر مثلًا من المفترض
أن تنقسم إلى ثلاث دويلات: إسلامية في الشمال، ونصرانية في الوسط، وتوبة في
الجنوب، وقس على ذلك بقية الدول العربية مما نرى له نماذج واقعية بارزة في لبنان
والسودان.
أوجه دلالة
انعقاد الندوة كثيرة، ولكنها جميعًا تؤكد أن مركز «دراسات الوحدة العربية الناصري»،
والذي يشرف عليه ناصريون لهم كلمة مسموعة ومؤثرة في الدوائر السياسية والإعلامية
والثقافية العربية، أدرك أن الزمان غير الزمان، وأن الناس غير الناس، وأن تغيير
المفاهيم القديمة الذي عفا عليها التاريخ ضرورة حتمية؛ لأن السباحة ضد تيار
الإسلام تعني القضاء على ما تبقى من أبنية قومية وهياكل علمانية.
نقاط
بالغة الأهمية
لقد اتفق
القوميون على نقاط بالغة الأهمية تعد «بروستريكا ناصرية»، كان الإسلاميون وما
زالوا يجاهدون من أجلها، ويدفعون الثمن غاليًا وباهظًا بسببها، ولعل أهم هذه
النقاط:
1- الاعتراف
بالمشروع الإسلامي، كرديف للاستقلال عن المشروع الغربي، وتعبير عن السيادة
الإسلامية على كياناتها وشعوبها العربية من خلال خصائص ذاتية ومتميزة، تنبع من
العقيدة الإسلامية ومفاهيمها الصافية.
لقد أصبح
الإسلام في المفهوم الناصري أو القومي واقعًا لا يمكن تجاهله أو التنكر له؛ لأنه
متجذر في أعماق الوجدان العربي، وأن هذا الواقع لا يمكن أن يزول بفعل دعاية رخيصة
يقوم بها نظام ما عبر مدفعية ثقيلة، أو دعوى مزيفة ترتدي لباس البحث العلمي،
وتتشدق بمصطلحات خاوية، وأدلة كاذبة.
لا أعادها الله
أيامًا، كانت فيها كلمة الإسلام أو قراءة «البسملة» كفيلة أن تلقي بصاحبها وراء
الشمس، أو -على الأقل- تصنفه في خانة الرجعية أو الثورة المضادة.
تطور كبير ولا
شك، حتى ولو لم يؤمن أصحابه بالإسلام إيمانًا كاملًا كمنهج شامل ومتكامل.
غياب
الديمقراطية خطيئة
2- التسليم
بضرورة الشورى أو الديمقراطية كأساس للحركة الحضارية في المجتمع، بناء وحوارًا
وحكمًا، والاعتراف بأن غياب الديمقراطية أو الشورى كان خطيئة دفع الشعب ثمنها
تخلفًا وانهيارًا وهزيمة عسكرية ساحقة أمام العدو اليهودي
لقد كان
الاستبداد في ظل القومية وحشًا مفترسًا، التهم القيم الجميلة والنبيلة، وسمح
للعناصر الانتهازية والإجرامية وأشباه الرجال أن يتولوا مقاليد السلطة، وأن يقرروا
للوطن والأمة -على المستوى الإستراتيجي- وفق إرادتهم ومشيئتهم حتى صار الوطن معرة
بين الأوطان، وصارت الأمة أضحوكة بين الأمم.
ولقد كان كل رأي
مخالف رجعية، أو ثورة مضادة يجب القضاء عليها والتخلص منها، دون أن يسمع هذا
الرأي، أو يقبل في صاحبه الذي يبطش به رجاء أو شفاعة.
يا له من زمان
ذلك الذي كان ينشد فيه عبد الحليم حافظ لمن يخالف الاشتراكية أو توجيهات الزعيم
الملهم:
ونقولك يا عدو
الاشتراكية
يا خاين المسؤولية
ونطبل لك كده هو
ونزمر كده هو!
أو يصور الشعب
على هيئة القطيع الذي يتبع راعيه دون أن يبدي أي تذمر أو احتجاج أو إبداء رأي:
جماهير الشعب *
تدق الكعب * تقول: كلنا صاحيين!
إن الإيمان بدور
الشورى أو الديمقراطية الحقيقية (بالطبع يخرج من الاعتبار ديمقراطية الخمس تسعات
التي سنها الزعيم الملهم) يعني أن إمكانية الحركة الحضارية: بناء وحوارًا وحكمًا
أمر وارد، ويبشر بالخير.
القوميون
يراجعون مواقفهم
3- جرى نقد ذاتي
متبادل، كل طرف من المتحاورين بدأ يتكلم عن السلبيات التي تعوق حركته أو تقلل من
فاعلية دوره، لم يجد الطرف الإسلامي حرجًا في الإشارة إلى ما يراه عيوبًا تحتاج
إلى الإصلاح والمراجعة، واعترف بالتقصير إزاء بعض القضايا، وكان الأمر لديه سهلًا
وبسيطًا؛ إذ إن الإسلام يدعو إلى المراجعة، بل التوبة، وإذا كانت بعض الظروف قد
جعلت من عملية المراجعة والتصحيح إسلاميًا أمرًا غير مألوف، فإنها في زمننا زمن
النهوض الإسلامي -ضرورة تقتضيها طموحات المستقبل، فضلًا عن متطلبات الواقع.
أما أن يراجع
القوميون -والناصريون خاصة- مواقفهم وأفكارهم، فهذا حدث خطير في حد ذاته؛ لأنه
يعني أن السلفية التي كانت تحكم مواقفهم، وتجعلهم يتشبثون بقيم استبدادية ومعادية
للتصور الإسلامي، قد بدأت تترنح تحت ضربات التغيير التي فرضتها عوامل عديدة، في
مقدمتها: المد الإسلامي، وانهيار النظرية الاشتراكية في عديد من مواقعها كالاتحاد
السوفياتي، وبولنده، والمجر، وألمانيا الشرقية، ويتوقع أن يتواصل الانهيار في
مواقع أخرى مرشحة في بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا، فضلًا عن الصين.
لا يمكن الزعم
بأن هذا التلاقي بين الطرف الإسلامي والطرف القومي قد عبد الأرض لشهر عسل طويل
يجمعهما، فالواقع يقول: إن الناصريين الذين أعدوا الندوة، ما زالوا يفكرون في
العقيلة العلمانية والتصور اللاديني، وهو ما بدا في شكل الندوة وقضاياها، فقد بدا
واضحًا -وكما قالت الصحف- إن منظمي الندوة كانوا حريصين أن تكون غلبة الحضور
لتيارهم ليبدو التيار الإسلامي قزمًا ضئيلًا ومتواضعًا، فمن بين العدد الذي شارك
في الندوة وبلغ 48 عضوًا، حضر 14 عضوًا يمثلون التيار الإسلامي، وكان معظم هؤلاء
من الذين تمردوا على المعسكر القومي (ناصريين وماركسيين) وتحولوا إلى المظلة
الإسلامية طلبًا لفيئها من هجير القومية الجاحدة والخادعة.
كذلك فقد بدا
واضحًا -وكما نشرت الصحف- أن القوميين يصرون في أدبياتهم وأعماقهم أيضًا على رفض
تطبيق الشريعة الإسلامية تعبيرًا عن هوية الأمة، مع العزف على الوتر الطائفي،
وتضخيم دور الأقلية النصرانية، متناسين طبيعة التصور الإسلامي لقضايا الأقليات
وتعامله معها، مما زرع في يقين المتابعين للندوة أن هنالك إصرارًا على المغالطة
والطرح المعكوس للإسلام، وهو ما استدعى سؤالًا يقول: لصالح من هذا؟
القومية
لن تحل محل الإسلام
على كل حال، فقد
حظيت الندوة بتغطية كبيرة في الصحف المحلية والعربية، أسهم فيها القوميون بنصيب
كبير، وإن كانوا قد طرحوا ما جرى من وقائعها من خلال المنظور العلماني نفسه، الذي
يجعل الحق أو معظمه في جانبهم.
لقد تأكد الجميع
أن القومية لن تحل محل الإسلام، وأن العروبي الحقيقي هو الذي لا يهدر الإسلام
لصالح أقلية أو طائفة من الطوائف، إن العروبة خادم للإسلام وتحمل على عاتقها تجاه
الإسلام أكثر مما يحمله الجميع من أصحاب القوميات الأخرى؛ لأنها هي التي احتضنت
الإسلام بعد أن خرج من رحمها، ثم رعته طفلًا وشابًا، وما زالت ترعاه وتدافع عنه
وتدافع به، يوم علا صوت القوميين أحس الناس الذين يعنيهم الأمر أن القومية شعار حق
أريد به باطل هو إلغاء الإسلام؛ ولذا قال أبو الأعلى المودودي كلمته المأثورة: «كونوا
مسلمين نكن عربًا»، ردًا على الهدف الشرير لدعاة القومية.
بقيت الإشارة
إلى ما ورد في بعض التعليقات التي كتبها قوميون ناصريون، أو متعاطفون معهم، ولعل
أبرز ما جاء تلك المقولة التي تزعم أنه يمكن التلاقي بين التيار الإسلامي
والقوميين حول القضية الفلسطينية، وأحسب أن هذا الزعم غير صحيح، فالناصريون أو
القوميون عامة يؤمنون ببقاء إسرائيل والتصالح معها من خلال اتفاق عربي جماعي، أما
الإسلاميون فيرون أن فلسطين جزء من ديار الإسلام، ولا يمكن التفريط فيه، وأن
استنقاذها من يد اليهود واجب مقدس مفروض على جميع المسلمين، وأعتقد أن التلاقي حول
هذه النقطة غير وارد.
كذلك فقد وجه
إلى الطرف الإسلامي إصراره على انتقاد المرحلة الناصرية وما جرى فيها، وحجة القوم
أن النظر إلى الماضي لا ينبغي أن يستحوذ على معظم نشاطنا وجهدنا، وهذا صحيح إلى حد
ما، ولكن من قال إن ما اقترفته يد الإجرام الناصري يمكن أن تسقط بالتقادم؟
انتقاد
جرائم الناصرية
إن جرائم
الناصرية تتعلق بحقوق العباد، وهي حقوق أكبر من أن تطويها السنون أو الأحقاب، لسبب
بسيط جدًا هو أنها زرعت بذرة الشر في هيكل السلطة، وما زالت هذه البذرة تنمو وتكبر
وتثمر، ولا شك أن الذين ينتقدون ذكر الماضي يعلمون أن كرابيج الناصرية قد تضخمت في
أيامنا، وأن المئات من الشباب المسلم يذوقون العذاب ألوانًا بسبب إصرارهم على التدين، وهنا يصبح انتقاد جرائم
الناصرية في حق العباد والأوطان أمرًا مشروعًا كي تقتلع شجرة الشر، وتحمي الأمة من
سمومها القاتلة.
وإذا كانت السلفية
الناصرية في إطار الفكرة القومية تحاول أن تتجمل، وتقدم نفسها في صورة أفضل من ذي
قبل، فإن لذلك شروطًا تفرضها طبيعة المرحلة حتى يكون الاعتراف بها كوجود فكري
-يمكن الاختلاف معه- أمرًا مقبولًا، وبالتالي يمكن التحاور معها، وهذه الشروط لا
يفرضها تيار معين، وإنما تمليها أسس المشاركة في الحياة الاجتماعية والفكرية.
أتصور أن أول
هذه الشروط وأهمها ترجمة ما اتفق عليه الطرفان في الندوة إلى واقع يقوم على احترام
الإسلام كمنهج رباني تؤمن به جموع الأمة من المحيط إلى الخليج، ويشاركهم في هذا
الإيمان مئات الملايين على امتداد القارات الخمس، ومن ثم، فإن عملية المصادرة
الفكرية التي تتم عبر أجهزة الإعلام وبخاصة الصحافة التي يسيطر على معظمها
القوميون تصبح أمرًا غير مقبول وغير سائغ، وإذا عرفنا أن هذه الأجهزة غالبًا ملك
للشعوب العربية الإسلامية، فإن المصادرة تتحول إلى جريمة كبرى لا تسقط عقوبتها
بالتقادم أيضًا، فإن التشهير بالإسلاميين والإسلامية دون سند من الواقع أو دليل من
التاريخ يصبح ضربًا من الافتراء الذي تجب مقاومته، وردعه فكريًا حتى يضيء أصحابه
إلى الرشد والصواب.
وأتصور بعد ذلك
أن ينهض الإسلاميون -وكما فعلوا ذات يوم حين نظموا ندوة الإسلام والعلمانية
الشهيرة في نقابة الأطباء بالقاهرة- إلى إعداد ندوات أكثر إتقانًا وشمولًا، مع
تقديم نموذج للسماحة والرحابة في الإعداد والإدارة يمسح الصورة الأنانية المقيتة
التي أديرت بها ندوة الحوار القومي- الديني.
وبعد، فإن وقائع
هذه الندوة -بالرغم من كل سلبياتها- قد أيقظت العالم العربي فكريًا على حقيقة
يتجاهلها البعض، وهي رسوخ الجذور الإسلامية في الوجدان العربي، وإن محاولة استبدال
القومية بالإسلام محكوم عليها بالفشل الذريع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل