العنوان الضفة استقبلته تحت الاحتلال.. وغزة تخيم عليها آثار العدوان رمضان يجدد «معاناة» فلسطين!
الكاتب وسام عفيفة
تاريخ النشر السبت 29-أغسطس-2009
مشاهدات 60
نشر في العدد 1867
نشر في الصفحة 6
السبت 29-أغسطس-2009
تخيم
أجواء العدوان الصهيوني الأخير على رمضان في قطاع غزة، وتحرق جرائم السلطة قلوب
أهل الضفة.. وبين المشهدين غيب الاحتلال عن آلاف العوائل الفلسطينية أحدًا من
أبنائها عن مائدتي السحور والإفطار، وبين جدران كل منزل ألف قصة وحكاية بطلها إما
شهيد أو أسير اختطفه الاحتلال من بين عائلته.
أصحاب
البيوت المدمرة في غزة يتذكرون أياما عاشوها مع أسرهم داخل جدران جمعت حبًا وألفة
وعادات رمضانية.
حميد
عطايا: زوجتي لا تجد طعاما مناسبا لتقديمه ولم تحتفل بالشهر الفضيل سوى بمزيد من
الدموع والحسرة.
شاب من
رام الله: الصلاة بالمسجد الحرام أو المسجد النبوي أيسر علينا من الصلاة بالمسجد الأقصى
في رمضان
يعاني
الغزاويون حسرة جديدة تضاف إلى حسراتهم العديدة، فشهر رمضان المبارك جاء على أبواب
بيوتهم المدمرة مما يعيد إلى ذاكرة أصحابها لحظات عاشوها مع أسرهم داخل بيوت طالما
جمعت حبًا وألفة وعادات رمضانية، والعديد منهم عاد إلى الحالة النفسية ذاتها في
مطلع العام جراء ويلات العدوان الصهيوني الوحشي وصور القتل التي كادت تمحو معالم
حياتهم من الواقع.
أحزان
متجددة
عائلة
«البرغوثي» من رام الله ما زالت تنتظر ابنها «نائل»
الأسير منذ أكثر من ٣١ عاما في السجون الصهيونية، وعائلة «منصور» التي لم يفطر
معها ابنهم «أكرم» أكثر من ۳۲
رمضان، وعوائل أخرى مسحت بالكامل من أحياء غزة كعائلة «السموني» التي فقدت ٣٣ من
أبنائها في العدوان الأخير، وكذلك الحال مع عائلة «الداية» التي استشهد ۱۷ فردًا
من أبنائها.
وهناك
عوائل أخرى في قطاع غزة يهل عليها شهر رمضان وهم ما زالوا يتخذون من الخيام منزلا
ومن قطع الصفيح بيتا ومن الحطب والخشب تنورا، بعد أن هدمت القوات الصهيونية أكثر
من ١٥ ألف منزل خلال العدوان وتركت ساكنيها من غير مأوى.
«أم
بكر بلال».. حكاية أم فلسطينية من مدينة نابلس لها من الأبناء خمسة اختطف الاحتلال
أربعة منهم: «عثمان» معتقل منذ عام ۱۹۹۳م
ويقضي حكمًا بالسجن المؤبد ١٩٩٣م ه مرات و«بلال» معتقل من عام ١٩٩٧م ويقضي حكمًا
بالسجن المؤبد ۲۷ مرة وعبادة
اعتقل عام ۲۰۰۲م ويقضي حكما
بالسجن 11 عامًا، و«بكر، المعتقل إداريًا منذ ۱۸ شهرًا..
وجميعهم من كوادر «كتائب القسام»: الجناح العسكري لحركة «حماس».
تقول
«أم بكر»، التي توفي زوجها قبل عدة أعوام: «يعد شهر رمضان بالنسبة لي شهر الأحزان
وشهر تفتيح المواجع.. فعلى مائدة كل سحور وفطور تذرف دموعي عليهم وحنيني إليهم لا
يُوصف.. في كل ركعة أدعو الله أن يكونوا معي في رمضان القادم، عسى الله أن يجمعني
بهم جميعًا قبل أن أرحل عن هذه الدنيا».
«نور
الدين دروزة» عجوز سبعيني اغتالت القوات الصهيونية ابنه البكر «صلاح الدين» عام ۲۰۰۱م،
وابنه الآخر «عماد الدين» عام ۲۰۰۲م،
وقد رحلا عن الدنيا، بعد أن تركا له عشرة من الأحفاد.
يقول:
«صلاح وعماد لا يغيبان عن بالي لحظة واحدة.. وعند دخول شهر رمضان يشتد شوقي وحنيني
إليهما.. أداري دموعي وأعتصرها في عيني حتى لا تنزل أمام أحفادي أبناء الشهيدين..
وأحاول أن أعوضهم، وأن أسد مكان من غابا بتجميعهم على مائدة إفطار واحدة».
ويضيف
«أبو صلاح»: «أرجع بذاكرتي إلى الوراء يوم أن كان صلاح وعماد طفلين.. وأتذكرهما
تمامًا وهما يقبلان يدي وجبهتي عند دخول شهر رمضان.. وكذلك كانا يفعلان مع
والدتهما أم صلاح... الله يرضى عنهما ويرحمهما».
رمضان
بعد الحرب
في «عزبة
عبد ربه» شمال القطاع، تبدو الصورة حزينة، فرغم مرور سبعة أشهر مازالت المنازل
مدمرة على طول الطريق الرئيس أثاث وملابس ومستلزمات منزلية طحنتها الدبابات
الصهيونية مع ذكريات سنوات مضت.
التقينا
الحاج توفيق عبد ربه (٦٢ عامًا) الذي يجلس بجانب أنقاض منزله المدمر، ورغم مرور
سبعة أشهر لا يستطيع تفسير منطلق رغبته في القدوم المشاهدة الركام. ويقول: إن حالة
من اليأس تتملكه هو وجميع أصحاب البيوت المدمرة في عزبة عبد ربه كلما طرح موضوع
إعادة الإعمار، خاصة أنه لا حلول تلوح بالأفق منذ انتهاء الحرب.. ويضيف معاناتنا
الآن متجددة ففي السنوات الماضية كنا نستقبل رمضان وكلنا فرحة وأمل؛ لأننا بلغنا
هذا الشهر أما اليوم فهذه المناسبة تجدد أحزاننا».
ويتابع:
«منذ أيام قليلة عادت إلى ذاكرتي صورة أبنائي وأحفادي ونحن نجلس على مائدة رمضانية
واحدة نأكل ونصلي المغربة جماعة ونتسامر ونشاهد التلفاز، لقد كانت أياما رائعة لا
أعتقد أني سأعيشها مجددا، فلم يبق في العمر مثلما ذهب منه.. والأسرة الآن مشتتة في
بيوت الإيجار وبيوت الأقارب، وسيكون رمضان من أصعب الأوقات التي مرت علينا منذ
مطلع العام الحالي».
في
حين تقول الحاجة فاطمة المزعنن (٧٤ عامًا) التي مازالت تقيم بجوار منزلها المدمر
المكون من ستة طوابق، وترفض الذهاب إلى أي مكان آخر: «لا أستطيع ترك منزلي الذي
سكنته أنا وأبنائي وأحفادي وحفرنا فيه ذكرياتنا».
وتضيف:
«ظروف الحياة قاسية جدًا لقد هدموا المنزل بما فيه، وليست لدينا أية وثائق أو
البسة أو أثاث، ورغم مرور أكثر من سبعة شهور على هدم المنزل إلا أننا لم نستطع
شراء كل ما يلزم لاستمرار الحياة؛ فالأسواق ذاتها محاصرة والبضائع فيها قليلة
ومرتفعة الأسعار، واليوم أهل علينا شهر رمضان ونحن لا نمتلك شيئا لاستقباله».
كابوس
مزعج
وتتمنى
«المزعنن» أن تغمض عينيها ثم تفتحهما لتجد منزلها وقد أعيد بناؤه، خاصة خلال شهر
رمضان الذي سيجدد أحزانها حين لا تجد أمام عينيها سوى الركام في حين تفرق أبناؤها
في بيوت الإيجار أو لدى الأقرباء مطالبة المؤسسات الحقوقية والدولية بإيجاد حل لها
ولأسرتها ولجميع أصحاب البيوت المدمرة.
الأمنية
ذاتها لا تفارق المواطن سلامة الوحيدي (٤٥ عامًا)، فهو يأمل أن يتمكن من إعادة
إعمار بيته في وقت قريب؛ ليمكنه العيش هو وأسرته من جديد في حياة رمضانية جميلة
تجمعهم على مائدة واحدة وسحور واحد دون الشعور بالحسرة والمرارة التي أنستهم طعم
السعادة.
ويقول:
«معاناتنا لا تنتهي بمساعدة أو مبالغ مالية نحن نريد أن نرى منازلنا قد بنيت من
جديد، فبقاؤها على هذا الشكل يعني استمرار حالة التشريد، ويجب أن يدرك العالم أن
الجو الأسري والعائلي لا يعوضهما المساعدات الغذائية».
في
حين يقول حميد عطايا (٥٥ عامًا): «لم أتخيل يوما أن تتحول حياتي البسيطة إلى كابوس
مزعج يلاحقنا في كل مكان، فكل شيء مع هدم منزلي تحول إلى جزء من الماضي أما الحاضر
فغني عن الوصف، وتكفيه صور التشريد التي أعيشها أنا وأسرتي».
ويتابع
عطايا قائلًا: «لا أعرف كيف سيكون شكل شهر رمضان؟! من المؤكد أنه سيكون قاسيًا جدًا،
وسيجدد أحزان أسرتي بمجملها، فقد كانت زوجتي تعد الولائم وأجمل الأكلات الرمضانية،
وتهتم بمختلف التفاصيل ابتداء من الأثاث وانتهاء بأدوات الطعام، وقد كان رمضان
مناسبة تضفي على بيتي الكثير من التغيير والحيوية أما الآن فزوجتي لا تجد شيئًا
مناسبًا لتقديم الطعام ولم تحتفل بالشهر الفضيل سوى بمزيد من الدموع والحسرة على
تعب سنوات طويلة من الغربة حطمها الاحتلال الصهيوني بصواريخه».
في
حين تقول أم محمد السلطان التي تسكن بمخيم «العزة» للإيواء: إنها استقبلت شهر
رمضان في ظروف معيشية لا تطاق وتفتقد الحد الأدنى من وسائل الحياة المعروفة،
وأوضحت أنها تضطر يوميا لقضاء جزء كبير من نهارها في منزل أقاربها، ولا تدرك ماذا
ستفعل باقي أيام شهر رمضان؟ وكيف سيكون شكل حياتها بعد أن فقدت كل ما تملك؟
يُذكر
أن قوات الاحتلال دمرت نحو ٢٤٠٠ منزل بشكل كلي، من بينها ٤٩٠ منزلا تم تدميرها
بواسطة الصواريخ الجوية والبقية تم تجريفها.
الصلاة
في الأقصى
ويشد
آلاف الفلسطينيين الرحال للصلاة في المسجد الأقصى، وخاصة أيام الجمع خلال رمضان
بالرغم من كل الإجراءات والممارسات التي تفرضها قوات الاحتلال الصهيوني حول المسجد
الأقصى لمنع المصلين من الصلاة فيه في شهر رمضان إلا أن عددًا قليلًا ممن يحالفهم
الحظ ينجحون في الوصول إلى الأقصى، كما تمنع قوات الاحتلال المواطنين الذين لا
يحملون بطاقة الهوية الصهيونية الزرقاء أو من تقل أعمارهم عن ٤٥ عامًا من دخول
الأقصى.
الشاب
«إيهاب معتصم» من سكان إحدى قرى «رام الله»، يقول عن الصلاة في الأقصى خلال رمضان:
«أصبحت الصلاة في المسجد الأقصى حلمًا بالنسبة لكثير من الشبان الفلسطينيين حتى
غدت الصلاة في المسجد الحرام في مكة أو المسجد النبوي في المدينة المنورة أسهل
بمائة مرة من الصلاة في الأقصى».
ويضيف:
«بيتي لا يبعد عن المسجد الأقصى سوى بضع كيلومترات، حتى إن قبة الصخرة الصفراء
تبدو واضحة من على سطح منزلي، ولا يمكنني أن أتخيل في ظل هذا أنني لا أستطيع
الصلاة في الأقصى».
المساجد
في رمضان
تضيق
المساجد في فلسطين خلال شهر رمضان بالمصلين، وتبدأ جموع الصائمين تتوافد على تلك
المساجد من كل شارع وحي وزقاق، كبارا وصغارًا.. شيبًا وشبابًا.. نساء وفتيات..
الفقير والغني.. في مشهد روحاني مؤثر، وعند دخولك أحد تلك المساجد ترى الجميع
منشغلا بين قارئ للقرآن وذاكر لله وبين سامع لموعظة أو متصدق بصدقة أو رافع يديه
يلهج لسانه بالدعاء.
وتشتهر
مدينة نابلس بكثرة مساجدها، وخاصة المساجد القديمة التي يعود بناء بعضها إلى العصر
الفاطمي والأيوبي؛ كمسجد النصر ومسجد البيك ومسجد الساطون ومسجد الحنبلي.. ويعد مسجد
«الخضرة» في البلدة القديمة أحد أكثر المساجد شهرًة في المدينة؛ فهو يشبه إلى حد
كبير المساجد الدمشقية القديمة بمئذنته التي تشبه مئذنة المسجد الأموي، وبساحته
ونافورة الماء التي تزين وسطه، كما تنبعث رائحة زهرة الياسمين والبخور التي تعطّر أجواء
المكان.
تخشع
جموع المصلين الذين تقاطروا من جميع أحياء المدينة للصلاة خلف إمام المسجد الشيخ «ماهر
الخراز»، صاحب الصوت الندي الذي يرقق القلب ويزيل عنه ما علق به من أدران الدنيا،
كما تتوافد جموع المصلين على مسجد «أم سلمة» الكبير في نابلس للصلاة خلف الشيخ «عمار
قاطوني» صاحب الصوت العذب، وهو الذي حصل على المرتبة الأولى على مستوى العالمين
العربي والإسلامي في مسابقة حفظ القرآن الكريم، كما تتخلل صلاة التراويح المدائح النبوية
والأناشيد الدينية والمواعظ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل