العنوان وفق مفهوما الخاص ومنظور مصالحها..أمريكا تواصل البحث عن إسلام «معتدل»!
الكاتب نبيل البكيري
تاريخ النشر السبت 13-يونيو-2009
مشاهدات 108
نشر في العدد 1856
نشر في الصفحة 22
السبت 13-يونيو-2009
● الولايات المتحدة تبنت في حربها المزعومة
على الإرهاب إستراتيجية تجفيف منابع التدين في العالم الإسلامي.
● الفوز الكبير للإسلاميين في الانتخابات البرلمانية
في تركيا ومصر وباكستان والبحرين وفلسطين كان ضربة قاصمة للإدارة الأمريكية.
فعقب أحداث 11 سبتمبر تبنت الإدارة الأمريكية إستراتيجية لحربها المزعومة ضد الإرهاب على أساس فرضية تجفيف منابع التدين في العالم الإسلامي الذي انعكس في حملة أمريكية شرسة استهدفت كل أشكال العمل الإسلامي الخيري والتعليمي لتطال حتى مناهج التعليم الديني في معظم البلدان الإسلامية فضلا عن التلويح بعصا دمقرطة الحياة السياسية ولو بالقوة كما فعلت في أفغانستان والعراق..
إلا أن المفاجأة التي كان وقعها شديداً على الإدارة الأمريكية هي نتائج الانتخابات التشريعية «البرلمانية» التي أجريت في عدد من البلدان الإسلامية مثل تركيا ومصر وباكستان والبحرين، ثم فلسطين التي مثلت ضربة قاصمة لاستراتيجيتها بالفوز الكبير للإسلاميين، ومن هنا بدأ صانع القرار الأمريكي يعيد النظر في إستراتيجية الحرب المزعومة على الإرهاب من البحث عن خصوم إلى البحث عن شركاء بالمنطقة في التيارات التي كانت تضعها هذه الإدارة في سلة واحدة لا تفرق بين متشدد ومعتدل.. ومن هنا أيضا توالت الدراسات والأبحاث الأمريكية عما Moderate Islam»» بات يُطلق عليه أي «الإسلام المعتدل»، وهو ما سنحاول هنا تسليط الضوء عليه .
مفهوم الاعتدال
الدراسة التي أعدها الباحثان الأمريكيان بمعهد «أمريكان إنتربرايز» جوشوا مورافشيك» و «شارلزبي سزروم والتي نشرتها مجلة «كومنتري» الأمريكية في عدد فبراير ۲۰۰۸م تحت عنوان محاولة للبحث عن إسلاميين معتدلين لم تكن الأولى من نوعها التي تبحث في هذا المجال بل تعددت الدراسات وتنوعت في هذا الاتجاه وخاصة خلال الفترة القليلة الماضية، فمؤسسة «راند» البحثية «التابعة للقوات الجوية الأمريكية» – والتي تُعدُّ واحدة من أهم المراكز المؤثرة في صناعة القرار الأمريكي؛ خاصة فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط . كانت قد أصدرت دراسة تحت عنوان «بناء شبكات إسلامية معتدلة»!
وهي عبارة عن تقرير متمم لسلسلة التقارير التي بدأت بإصدارها هذه المراكز في إطار تحديد الأسس الفكرية للمواجهة مع العالم الإسلامي عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر... وبالعودة إلى تقرير مجلة «كومنتري» . والذي يعد الأحدث في البحث عن الإسلام المعتدل المطلوب أمريكيا . نلاحظ أن الكاتبين مرتبكان منذ البداية حيث حاولا تفسير مفهوم الاعتدال على أن كلمة معتدل تشير إلى «كمية أو درجة أقل من الشيء» وهو تعريف غامض ولا يستقيم أصلا مع سياق الموضوع وذلك لأن الاعتدال المفهوم في هذا السياق يعني «الوسطية» لا كما أراده الكاتبان.
أربعة أنواع
ما يهمنا هنا هو ما ذهب إليه الكاتبان الإسلام المعتدل لا يعني من «أن يكون معتنقه مسلمًا غير نقي ولا ورع فهذا غير صحيح؛ لأن الموضوع يتعلق بقضية الكراهية الشديدة والتي تنبع في الأساس من عدم الإيمان بفكرة التعايش بين المختلفين دينيًا»..
وبالتالي، يرى المؤلفان أن المعركة القائمة ضد الإرهاب لا تقوم على أساس أن المسلمين يجب أن يصبحوا أقل إيمانًا وأقل حماسًا لقناعاتهم الدينية؛ لأن التعويل على هذا المنحى خطأ ولن يكون هناك أي فرص للنجاح والانتصار في هذه المعركة..
وفي هذا الإطار وفي سياق تساؤل الكاتبين عن أماكن تواجد هؤلاء المسلمين المعتدلين تحاول الدراسة باقتضاب الإجابة بالقول: إن هناك أربعة أنواع:
المجموعة الأولى هم المواطنون الاعتياديون في البلدان الإسلامية الذين يمارسون شعائر دينهم دون أن تتمركز السياسة في حياتهم، وهؤلاء لا يشاركون في أعمال العنف وفي الغالب لا يؤيدونها.
أما المجموعة الثانية فتشمل الأنظمة الحاكمة مثل الأردن ومصر، باعتبار أن التحالف مع الغرب هو معيار مهم في بلورة مفهوم الاعتدال: إن لم يكن هو الاعتدال بعينه.
والمجموعة الثالثة هم الليبراليون والعلمانيون الذي يتعاطفون مع القيم السياسية والثقافية للغرب ويضربان مثالًا يكل من الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام ۱۹۸۸م، والكاتب العراقي «كنعان مكيه»..
أما المجموعة الرابعة التي تدور حولها هذه الدراسة فتضم مجموعات متنوعة من الإسلاميين الذين يصفون أنفسهم بأنهم ضد العنف ويقبلون بالعملية الديمقراطية، وربما يسلمون بنتائجها، ولكن هنا تأتي المفاضلة بين هذا النوع من الإسلاميين وبين المجموعة الثالثة وهم الليبراليون العلمانيون برغم ما تذهب إليه الدراسة من أنهم غير مقبولين في مجتمعاتهم ولا تحطى وجهات نظرهم بالولاء من قبل الشارع، وخصوصا عندما تكون هذه الآراء ضد الإسلاميين، وهو ما بات واضحاً في الحالة الفلسطينية حينما خسرت حركة فتح الانتخابات التشريعية أمام حركة «حماس» عام ٢٠٠٦م، وفوز الإخوان بخمس مقاعد مجلس الشعب «الغرفة الأولى في البرلمان المصري» في انتخابات عام ٢٠٠٥م.
معايير هشة
وللحكم باعتدال جماعة من عدمه، وضعت الدراسة سنة معايير رئيسة، وهي ستة أسئلة من قبيل: هل تعتمد هذه الجماعة معايير الديمقراطية في ممارستها وهياكلها الداخلية؟ وهل تنبذ العنف في سعيها لتحقيق أهدافها؟ وهل تدين الإرهاب؟ وهل تدافع عن حقوق متساوية للأقليات؟ وهل تدافع عن حقوق متساوية للمرأة؟ وهل تقبل تعددية التفسيرات داخل الإسلام؟
ورغم المعايير السابقة، فإن الدراسة تتبنى رأي الكاتب السعودي عبد الرحمن الراشد مدير قناة «العربية» حاليًا والذي يقول: «إن المشكلة ليست إعطاء السلطة للإسلاميين المشكلة ستكون استحالة أخذها من أيديهم بالوسائل الديمقراطية»... والغريب أن ما ذهب إليه الراشد ليس أكثر من نبوءة مستقبلية تحاكم النيات ليس إلا، ومع هذا فهو الرأي الأرجح عندهم والخبراء لا يعدون هذا دليلا كافيا، ومن هنا تتضح ازدواجية وهشاشة مثل هذه المعايير.
نماذج معتدلة.. أمريكيًا!
وفي إطار البحث عن نموذج إسلامي مرغوب أمريكيا خلصت الدراسة إلى القول بأن هناك مجموعة من العاملين في المركز الأمريكي لدراسة الإسلام والديمقراطية يمثلون الشخصية الإسلامية المعتدلة مثل «عبد الوهاب الكبسي الذي غادر اليمن منذ ٢٧ عاماً، والذي يُعَدُّ مسلم مسلمًا يمارس شعائر دينية ويعتبر نفسه علمانيا، فضلا عن تأييده لحرب أمريكا في أفغانستان وانتقد أسامة ابن لادن والقاعدة بكلمات قوية بحسب الدراسة، ناهيك عن إدانته بوضوح للتفجيرات والعمليات المسلحة في «إسرائيل».
ومن نماذج الإسلاميين المعتدلين أمريكيًا هناك جماعة حزب الوسطية الجديدة في الأراضي الفلسطينية الذي أسسه محمد دجاني مدير مركز الدراسات الأمريكية بجامعة القدس في رام الله، والذي كان عضوًا سابقًا في حركة «فتح»، ويمثل هذا الحزب محاولة لخلق بديل لكل من «فتح» و«حماس»، فيدعو «دجاني» إلى «حل الدولتين والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود ... وبالنسبة لحق العودة يقول : لماذا نضع كل هذه العقبات في طريق السلام ويوضح أن هدفه هو أن نعلم الشباب أن ملية التفجير الانتحارية ليست إسلامًا». وهذا ما تريده الإدارة الأمريكية وتدعمه. وهناك أيضا الباكستاني كامران بخاري الذي يعتبر نفسه مسلما نقيا، ويقول في إحدى كتاباته: «إن تهديد الإسلام والمسلمين لا يأتي من الولايات المتحدة والغرب ولكن يأتي من المتطرفين الذين يعملون بحرية في وسطنا».
ويقول الكاتبان في نهاية الدراسة: «هذه بالضبط هي الرسالة التي يأمل الأمريكيون أن يقوم قادة الرأي في العالم الإسلامي بتوصيلها إلى إخوانهم المتدينين، وهذا هو الإسلام المعتدل الذي يمثل الحل للصراع الدائر».