العنوان تركيا: حزب العدالة والتنمية.. والمسيرة الديمقراطية
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر السبت 09-مايو-2009
مشاهدات 71
نشر في العدد 1851
نشر في الصفحة 30
السبت 09-مايو-2009
- استطاع حزب العدالة والتنمية تخليص رقبة الحكومة من قبضة العسكر وتقليم أظافر الجيش الذي فقد هيمنته السابقة.
- سن الحزب قوانين عدة لحفظ كرامة المواطن وتوسيع نطاق الحرية.. أبرزها تحريم التعذيب في السجون ومراكز الشرطة.
- يسعى الحزب الوضع دستور مدني جدید بدلا من دستور العسكر الحالي الذي يشكل قيدا للشعب وعائقا أمام تقدمه.
- سمحت حكومة أردوغان للأكراد بإصدار الصحف وخصصت إحدى قنوات التلفزيون الرسمي للبث باللغة الكردية.
- أنفقت الحكومة ثمانية مليارات دولار خلال خمس سنوات على مناطق الأكراد التي كانت مهملة لعشرات السنين.
يتهم بعض الناس الأحزاب الإسلامية بأنها - في حال وصولها إلى الحكم - لن تفي بوعودها بإطلاق الحريات لجميع الأحزاب والقوى السياسية، وتداول السلطة وعدم الانفراد بالحكم.. ولكن التجربة العملية والواقعية التي أظهرها حزب العدالة والتنمية التركي - ذو الجذور الإسلامية - أثبتت بطلان هذه التهمة، فقد تابع العالم أجمع كيف أن هذا الحزب المتهم من قبل العلمانيين بالرجعية كان أكثر ديمقراطية وتقدمية من جميع الأحزاب العلمانية الأخرى التي ترفع شعارات التقدمية وكيف أنه بات أقرب إلى مصالح الطبقات الشعبية من جميع الأحزاب اليسارية والاشتراكية التي تزعم أنها تناضل لمصلحة الطبقات الكادحة.
عندما ترشح رجب طيب أردوغان في الانتخابات المحلية عام ۱۹۹۳م لمنصب رئيس بلدية مدينة إسطنبول، ارتفعت أصوات العلمانيين واليساريين محذرة أهالي المدينة بأنه إن تم انتخابه فلن تستطيع أي امرأة سافرة الخروج إلى الشارع، كما سيتم فصل الرجال عن النساء في جميع
المجالات...إلخ من التهم، بدعوى أنه شخص رجعي وزوجته محجبة!
وعندما فاز «أردوغان» برئاسة البلدية لم يقع أي شيء مما حذرت منه الأوساط العلمانية واليسارية بل إنه قام بمشاريع إصلاحية كبيرة لم تشهدها إسطنبول من قبل، إذ أنقذ المدينة العملاقة من شح الماء الذي كان ينقطع أيامًا كل أسبوع، وأنقذها من تلوث الجو الذي بلغ أضعاف الحد المقبول عالميًا للتلوث، وذلك بمنع التدفئة بحرق الحطب أو الفحم الاعتيادي أو الفحم الحجري والتحول إلى الغاز الطبيعي في التدفئة، ولتحقيق هذا أوصل الغاز الطبيعي الملايين البيوت والمدارس والمحلات التجارية.
كما قام بعملية تشجير كبرى فزرع مئات الآلاف من الأشجار في إسطنبول وفتح العديد من الشوارع، وشيد الآلاف من المساكن وأعطاها للطبقات الفقيرة بأقساط شهرية تقل قيمتها عن إيجارها الشهري وتمتد لسنوات عديدة، رغم أنه تسلم البلدية من سلفه بديون تبلغ ملياري دولار.
إصلاحات كبرى
وتزايدت حملات الأوساط العلمانية التي تملك معظم وسائل الإعلام في تركيا - ضد حزب العدالة والتنمية قبيل الانتخابات العامة التي جرت في أواخر عام ٢٠٠٢م واشترك فيها حزب العدالة والتنمية – وكان حزبًا ناشئًا قد تشكل قبل عام ونصف العام تقريبًا من هذه الانتخابات لأول مرة.. ورددت هذه الأوساط العلمانية المزاعم القديمة الموجهة ضد أي حزب ذي اتجاه إسلامي وهي مزاعم الرجعية واستغلال الدين وجر تركيا نحو ظلام القرون الوسطى!
ورغم تلك الحرب الإعلامية الضروس اكتسح حزب العدالة والتنمية الانتخابات وحصل على ٣٤% من مجموع الأصوات وفاز بأغلبية المقاعد في البرلمان.. ولم يخيب الحزب أمال الشعب الذي وثق فيه إذ قام بالعديد من الإصلاحات الكبرى في المجالات الاقتصادية والقانونية والسياسية في الداخل والخارج.
الجيش.. والسياسة
كان للجيش دور بارز في جميع مراحل التاريخ العثماني، وكان هذا الدور إيجابيا في المراحل الأولى الزاهرة عندما كان لا يتدخل في السياسة.. ولكن هذا الجيش.
- الإنكشاري عندما ترك مهمته الأصلية وبدأ يتدخل في السياسة ويمارس الانقلابات العسكرية الدموية وتبديل السلاطين أصبح من أهم عوامل تراجع وتقهقر الدولة العثمانية، وأحد الأسباب الرئيسة لتخلف ثم انهيار الدولة العثمانية، حتى اضطر السلطان محمود الثاني إلى القضاء على الجيش الإنكشاري بعد مواجهة دموية اشترك معه الشعب فيها، وأنشأ جيشًا آخر.
وفي العهد الجمهوري خاض قادة الجيش حرب الاستقلال، وأنشؤوا الجمهورية التركية الحديثة، ولكن مصطفى كمال أتاتورك) لم يسمح للجنرالات بالتدخل في الحياة السياسية، وخيرهم بين أمرين إما الاحتفاظ برتبهم وعملهم العسكري دون التدخل في السياسة، أو تقديم الاستقالة من الجيش وعند ذلك فقط يستطيعون المساهمة في الحياة السياسية كأشخاص مدنيين.
واستمر ابتعاد الجيش عن السياسة حتى الانقلاب العسكري الذي وقع عام ١٩٦٠م ضد حكم الحزب الديمقراطي بقيادة، «عدنان مندريس» و«جلال بایار»، وبذلك انفتح عهد الانقلابات العسكرية في تركيا، وبمعدل انقلاب عسكري كل عشر سنوات تقريبًا، كان آخرها الانقلاب العسكري عام ۱۹۸۰م الذي قاده رئيس الأركان العامة آنذاك الجنرال كنعان أورن... هذا إذا أهملنا تدخل الجيش بتقديم الإنذارات إلى الحكومات، مما كانت تلك الحكومات تضطر إلى الاستقالة، كما تدخل وأسقط حكومة البروفيسور «نجم الدين أربكان عام ۱۹۹۷م.
وقام قادة هذا الانقلاب بوضع دستور جديد للبلاد عام ۱۹۸۲م وهو الدستور الموجود حاليًا، أي أن تركيا لا تزال تحكم بدستور وضع من قبل العسكر، وهو دستور لا يناسب تركيا في القرن الحادي والعشرين. ومع أن أكثر من ثلاثين فقرة ومادة في هذا الدستور تم تغييرها من قبل الحكومات التي تعاقبت على الحكم بعد انتهاء عهد كنعان أورن - ومنها حكومة حزب العدالة والتنمية وأزالت هذه التغييرات العديد من الجوانب السلبية في الدستور، إلا أنه لا يزال لا يناسب تركيا في هذا العهد الجديد.
وقد أرجعت هذه الانقلابات العسكرية تركيا عشرات السنوات إلى الوراء في جميع الساحات، ولاسيما في الساحة السياسية والديمقراطية، ووضع العسكر في هذا الدستور فقرات ومواد معينة تؤمن استمرار الثقل العسكري في الحياة السياسية، وهذا الأمر لا يوجد في أي بلد ديمقراطي، ولم تستطع الحكومات المتعاقبة رفع هذه الفقرات والمواد من الدستور.
وأهم هذه الفقرات هي تلك التي تضع قواعد وكيفية تشكيل اللجنة العليا للأمن القومي ومهمتها وصلاحياتها، فالدستور ينص على وجوب وجود هذه اللجنة، وعلى أن يكون نصفها من الجنرالات (رئيس الأركان العامة وقائد القوات البرية وقائد القوات البحرية وقائد القوات الجوية، وقائد الجندرمة) والنصف الآخر من المدنيين (رئيس الوزراء ونائب رئيس الوزراء، ووزير الخارجية، ووزير الدفاع، ووزير الداخلية، وأي وزير آخر ترغب اللجنة في الاستماع إليه في قضية تخص وزارته، ورئيس المخابرات العامة أحيانا) ويرأس رئيس الجمهورية اجتماعات هذه اللجنة.. وكان الجانب العسكري هو الجانب الذي يمثل ثقلا أكثر في هذه الاجتماعات وكانت القرارات التي تصدر في نهاية الاجتماع تسلم إلى الحكومة للعمل بها. إذا ماذا كان يتبقى لأعضاء البرلمان الذي انتخبهم الشعب؟ وماذا كان يتبقى للوزارة إذا كانت وظيفتها مجرد تنفيذ هذه القرارات؟!
تصحيح الأوضاع
هذا هو الوضع الغريب الذي واجهه حزب العدالة والتنمية عندما جاء إلى الحكم، والذي كان يتناقض مع أصول الديمقراطية وسيادة الشعب وسيادة البرلمان؛ لأن العسكر كانوا هم الذين يتخذون القرارات المهمة.. وكان الحزب مصمما على تصحيح هذا الوضع ولكن بخطوات محسوبة وبحكمة ودون عجلة، فلم يقم بإلغاء هذه اللجنة لأنه كان صعبًا ومخالفًا للدستور ويحتاج إلى تغيير بعض مواده ولم يكن هذا سهلا، ولكنه اتخذ القرارات التالية:
أولًا: أصدرت الحكومة قرارًا بتغيير طبيعة القرارات التي تصدر عن هذه اللجنة من قرارات ملزمة إلى قرارات استشارية توضع أمام الحكومة، التي تدرسها وتأخذ بها كلها، أو بعضها، أو لا تأخذ بها على الإطلاق وهكذا زال طوق الهيمنة العسكرية من حول رقبة الحكومة.
ثانيًا: كانت اللجنة تجتمع شهريًا، فصدر القرار بأن تجتمع اللجنة كل شهرين
ثالثًا: كانت سكرتارية اللجنة من العسكر ويرأسها أحد الجنرالات، فأصدرت الحكومة قرارًا بتعيين أحد المدنيين سكرتيرًا عامًا للجنة.
وشهد العالم كله كيف استطاع حزب العدالة والتنمية تخليص رقبة الحكومة من قبضة العسكر، وتقليم أظافر الجيش الذي لم تعد له تلك الهيمنة السابقة.
إنذار.. وبيان
عندما رأى العسكر أن قوته وهيمنته في الحياة السياسية في تناقص وتراجع بادر إلى استعمال سلاح نجح في السابق، وهو القيام بتوجيه إنذار إلى الحكومة، فقد استخدم هذا مرتين وكانت النتيجة أن الحكومة قدمت استقالتها وشكلت حكومة جديدة... ولأن جميع الحكومات السابقة لم تكن تجرؤ على تحدي الجيش، وكان أي إنذار منه يكفي لإسقاط الحكومة؛ لذا قامت رئاسة أركان الجيش بتوجيه إنذار إلى الحكومة ذكرت فيه أنه يراقب الفعاليات الرجعية الموجهة نحو العلمانية، وهي الفلسفة التي أقام مصطفى كمال الجمهورية على أساسها، وأنه لن يقف مكتوف الأيدي أمام هذه المحاولات، بل سيحافظ على الجمهورية التركية بأي ثمن.
وطار العلمانيون فرحا بهذا التهديد وأيقنوا أن نهاية حزب العدالة والتنمية قد حانت وأن الجيش سيحقق هدفهم الذي لم يستطيعوا هم تحقيقه لوقوف الشعب بجانب هذا الحزب ولكن الحكومة - وعلى رأسها رجب طيب أردوغان - وقفت بكل شجاعة أمام هذا الإنذار، وأصدرت بيانا أقوى من إنذار الجيش قالت فيه: «إن الجيش تحت إمرة الحكومة وليس من صلاحيته التدخل في أعمالها، ولا التدخل في السياسة».
وعقد «أردوغان» مع رئيس الأركان اجتماعا سريا لم يتم الإفصاح عما جرى فيه، ولكن كان من الواضح أن الحكومة وقفت موقفا شجاعا واضطر الجيش إلى بلع تهديده وإنذاره، وأدرك أنه أمام نمط آخر من الحكومات ونوع آخر من الأحزاب كما أدرك أن الأجواء الداخلية والخارجية لم تكن تسمح أبدًا بأي حركة انقلابية.
إنجازات وقوانين
لم تقتصر الجهود الديمقراطية لهذا الحزب في هذا الإطار مع كونه بالغ الأهمية بل قام بسن العديد من القوانين التي توسع من نطاق حرية الفرد وحقوق الإنسان فمثلًا أعطت هذه القوانين الحقوق الثقافية للأكراد، وسمحت لهم بإصدار الجرائد والمجلات باللغة الكردية وعقد دورات لتعليم اللغة الكردية والسماح لهم بإعداد برامج باللغة الكردية وفي الأول من يناير ٢٠٠٩م خصصت الحكومة إحدى قنواتها التلفزيونية للبث باللغة الكردية.
كما قامت حكومة أردوغان بالاهتمام بالمحافظات في شرق وجنوب شرقي البلاد. وهي المناطق التي يعيش فيها الأكراد، وتُعَدُّ من المناطق الفقيرة المهملة لعقود من السنين.. فأنفقت ثمانية مليارات دولار خلال خمس سنوات على المشاريع هناك مثل إنشاء الطرق والمدارس والمستشفيات، وتوصيل الماء والكهرباء للمدن والقرى.. إلخ.. ولكن عصابات حزب العمال الكردستاني (PKK) كانت تقوم بحرق الآليات والحفارات وخطف المهندسين وتهديد المتعهدين ورجال الأعمال الذين يقومون بتنفيذ المشاريع في هذه المنطقة ليحولوا دون تقارب الأكراد مع الحكومة، حتى لا يفقدوا قاعدتهم الشعبية فكلما ساءت الأحوال وزادت البطالة في هذه المنطقة زاد أنصارهم، ولكنهم لم ينجحوا في هذا.
وأثبتت الانتخابات التي جرت في شهر يوليو عام ۲۰۰۷م أن الأكراد يؤيدون حزب العدالة والتنمية أكثر من تأييدهم لحزب العمال الكردستاني فبينما حصل حزب المجتمع الديمقراطي (DTP) وهو الوجه السياسي لحزب العمال الكردستاني على ۲۱ مقعدًا في البرلمان حصد حزب العدالة والتنمية من المناطق الكردية ما يقارب تسعين مقعدًا.
وسن الحزب عددًا من القوانين التي تحفظ كرامة الإنسان وتوسع نطاق الحرية مثل تحريم التعذيب في السجون وفي مراكز الشرطة، وتم تقديم العديد من رجال الشرطة الذين لم يلتزموا بتطبيق هذه القوانين إلى المحاكم، وتم عقابهم وطرد العديد منهم من وظائفهم.. كما سن قانونًا يعطي لكل فرد الحق في الحصول على المعلومات، إضافة إلى العديد من القوانين المتعلقة بتحسين وضع المرأة والأسرة.
كما بذل الحزب جهودًا كبيرة للالتحاق بالاتحاد الأوروبي تحت شعار «نريد الالتحاق بالاتحاد الأوروبي وليس الذوبان فيه؛ لأننا سنحتفظ بقيمنا وتراثنا وتقاليدنا ولن نضحي بها، ونحن واثقون من أنفسنا قيمنا».
ومن ولعل أهم خطوة يتهيأ حزب العدالة والتنمية للقيام بها هي وضع دستور مدني جديد بدلًا من هذا الدستور الذي وضعه العسكر، والذي يشكل قيدًا للشعب التركي، وعائقًا أمام تقدمه.