; تحت ضوء الإسلام كيفَ يتآمر الغربُ ضدّ الإسلام؟ | مجلة المجتمع

العنوان تحت ضوء الإسلام كيفَ يتآمر الغربُ ضدّ الإسلام؟

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1987

مشاهدات 94

نشر في العدد 814

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 21-أبريل-1987

* المسلمون مطالبون بالحذر من خطة الغرب الرامية لإذابة الإسلام في بوتقة الأممية.

نحن المسلمين لا نظلم الغرب شيئًا، ولا نفتري عليه ما لم يقله، ولا نبادئه بالعدوان، فنحن لنا منهجنا وفكرنا وطريقنا وهو له طريقه الذي شكله طوال القرون من تراثه ومفاهيمه، ولكنا لا نقبل أن يفرض منهجه علينا ولا أن يفتري على فكرنا بالاتهام والانتقاص لأننا لن نفعل ذلك معه، فنحن في موقف الدفاع عن أنفسنا وفي موقف حماية منهجنا، نقول كلمة الحق دائمًا كما أمرنا ديننا، ولا نعتدي، ولا نجادل إلا بالتي هي أحسن، ولو شئنا لقلنا الكثير في مواجهة ما يقوله الغرب، فإن منهجنا رباني محكم له أصالته وقدرته التي مكنته من العطاء أكثر من ألف عام، ولولا أن إزاحة النفوذ الغربي عندما سيطر على بلاد الإسلام لاستطاع أن يختار من الطاقات العالمية ما يحتاج إليه وما يتفق مع روحه ومنهجه، وأن يأخذ ما يراه صالحًا ليخلطه بفكره دون أن ينصهر فيه أو يتحول به عن طبيعته الخاصة وذاتيته الفردية، ومن الجائز أن تأخذ الطاقات البشرية من بعضها أو تنصهر، وهو ما لم يحدث، فاللاتين والجرمان في الغرب بالرغم من أصولهما المرتبطة بالمسيحية كدين وأوروبا كقومية بينهما خلافات، ومغايرات، فكيف يختلط الفكر الإسلامي الذي يقوم على منهج رباني وكتاب منزل وسنة نبوية ووحي ونبوة ومفاهيم التوحيد والغيب والمساواة والإخاء البشري كيف يختلط بفكر يعارض ذلك تمامًا بل ويضاده أحيانًا.

نحن لا ننقص الفكر الغربي حين نقول أنه لا يملك إلا تراثًا ضئيلًا؛ هو خليط من الأساطير وفكر طفولة البشرية والفلسفات المادية والإباحية اليونانية والرومانية الوثنية وخير ما في الفكر الغربي مما يتفق مع مفاهيم الإنسانية إنما جاء من ميراث النبوة «موسى وعيسى» عليهما السلام وإن كان قد اختلط بالفكر البشري اختلاطًا شديدًا وكان للفلسفة اليونانية أثرها في إزالة طابعه الرباني، وخير ما في الجاهلية العربية ميراث إبراهيم عليه السلام وما قدمته الحنيفية السمحاء، ولذلك فإن بطريرك الروم عندما سمع وصف الإسلام من العرب الذين التقى بهم في بلاد الروم ما لبث أن قال «إن هذا وما جاء به عيسى من مشكاة واحدة» نعم هذه هي الوحدة الحقيقية، وحدة الدين المنزل على الأنبياء جميعًا ويسلم بعضهم إلى بعض وقد جاءتهم البشارة بالنبي الخاتم محمد- صلى الله عليه وسلم- وأخذ عليهم العهد أن يتبعوه، وهذا ما تحولوا عنه عند بعثة هذا النبي. هذا التحول يعرف بوضوح في أن قسطنطين كان قبل المسيحية يؤمن بوثنية مثلثة قوامها «جوبيتر ومارس وكوربنوس» وقد استبدل بها مسيحية أخرى قوامها «الأب والابن والروح القدس» فهو على كلا الحالين مثلث لا أكثر ولا أقل.

وكان هذا هو التحول من دين يؤمن بالله «الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» إلى الإيمان بالله ثالث ثلاثة، وهذه هي أخطر مراحل تحول الدين الرباني إلى تجسيم، ولقد وقف «اريوس» في وجه هذا التحول وأكد أن عيسى عليه السلام نبي وليس إلها ولا ابن إله ولكن الموجة الروحانية العاصفة اجتاحته، وكانت فكرة التثليث موجودة في الديانات القديمة في الهند وفارس وروما وفي مصر «ابرنس وازوريس وحورس» وكانت المسيحية آخر أديان بني إسرائيل فتحولت إلى دين عالمي انفصل عن التوراة وعن اليهودية، ومن ثم دخل في معركة مع العلم الذي كشف فساد بعض النصوص، وكان العلم قد جاء من الأندلس من عند المسلمين ورأت فيه المسيحية خطرًا عظيمًا على وجودها ومن ثم بدأت معركة ترجمة القرآن من أجل الطعن في الإسلام وتحررت أوروبا من نفوذ الكنيسة ولكنها في الوقت نفسه تحررت من مفهوم الدين كلية وحدث الانفصال بين الدين والعلم وبين الدين والمجتمع وبدأ الغرب يرسم أيديولوجيات بشرية لمجتمعه ما زالت تصارع وتكشف كل يوم عن عجزها عن العطاء. وفي نفس الوقت ظهر تياران منفصلان، ولكنهما في الحقيقة متكاملان: الأول: الذين رأوا في الإسلام عطاء للبشرية يختلف عن طريق المسيحية أمثال تولستوي وكارليل واللورد هدلي والكونت دي كاستري وارنان رينيه وعبد الواحد يحيى ومحمد أسد «ليوبولد فابس» ومنهم من يؤمن بالإسلام ومنهم من أعجب به ولم يؤمن.

الثاني: ما توصل إليه أساتذة تاريخ الأديان أمثال جني يد «أستاذ التاريخ بجامعة السربون، ومستو لويس المختص في كتب العهد القديم إلى أن المسيحية الحالية ليست مسيحية المسيح ولا تمت إليه بصلة اللهم إلا بالاسم فقط وانتهى «جني يد» إلى أن المسيحية الحالية مدينة للقديس لويس، أما التثليث فهو فكرة لا يطمئن إليها الفؤاد وبعيدة عن رسالة المسيح.

ثم جاء بعد ذلك مورلي لوكابي الذي كشف عن اختلاف العلم في كثير من النصوص الموجودة في الكتاب المقدس وخاصة في سفر التكوين مما يدل على أن يد البشر قد تناولته، وأن الحقائق التي جاء بها محمد- صلى الله عليه وسلم- ونزلت في القرآن لم يكن عام 580 أو في هذه الفترة بشر يستطيع أن يعلمها ولذلك فهي قد جاءت من مصدر أعلى.

ومع ظهور هذه الحقائق جميعًا، واتجاه المثقفين في الغرب إلى البحث عن مصادر جديدة تعطيهم سكينة النفس، كأديان الشرق «البوذية وغيرها» ويأسهم من الوصول إلى هذا كله مما اضطرهم إلى البحث في الإسلام الذي أعطاهم الأمن النفسي، وفي عشرات من تصريحات المثقفين الكبار الذين دخلوا الإسلام تظهر هذه الحقيقة واضحة، وتكشف عن عجز العقل البشري الإيمان بنظرية معقدة قوامها التثليث أو الصلب أو الخطيئة الأصلية، وقد نفى الإسلام هذه النظرات الثلاث وما يزال الإسلام يخطو في الغرب خطوات واسعة، بالرغم من المحاولات التي تجري في أوساط المسلمين للتبشير أو التنصير عن طريق استغلال فقر بعض الطبقات في أفريقيا أو جنوب شرق آسيا وليس عن طريق الإقناع «وكان الأولى بالمبشرين أن يعملوا في حقول الوثنيين» وليس في حقول المسلمين على النحو الذي يجري الآن من مخططات ترمي إلى إعادة أندونيسيا للمسيحية في خلال خمسين سنة كما يدعون، وبالرغم من محاولاتهم عقد محاورات مع علماء المسلمين للحصول على اعترافات من المسلمين بالمسيحية دون اعتراف مقابل من الأديان بالإسلام أو بالنبي- صلى الله عليه وسلم، ولا يقف الأمر عند التبشير الصريح المكشوف في المستشفيات ومناطق التصحر، ومن خلال المعونات التي ترسلها بعض الدول الأجنبية وإنما تتسع الدائرة إلى مناطق الثقافة والتعليم والصحافة والمسرح والسينما والمسلسلات والتشكيك في القرآن والمغالطة في تفسيره، وإثارة الشبهات حول السنة وحول تاريخ الرسول وحول الشريعة الإسلامية وإحياء الفلسفات الباطنية وغيرها واستقطاب شباب المسلمين للانبعاث في الغرب وتوجههم واحتوائهم.

كل هذه في محاولة خبيثة ماكرة، لتأخير تمكين المسلمين من امتلاك إرادتهم أو تطبيق شريعتهم أو بناء مجتمعهم.

ومن هنا نرى أن المخطط الغربي يقوم على الأسس الآتية:

أولًا: إنكار فضل المسلمين على الحضارة العالمية، والغض من قدر معطياتهم التي كانت ذات أثر فعال في بناء منهج التجريب ومنهج المعرفة وغيرها.

ثانيًا: اتهام الإسلام بأنه مصدر تخلف المسلمين.

ثالثًا: الدعوة إلى التحرر من التبعية للتراث والدعوة إلى تطوير الشريعة وانتقاص اللغة العربية الفصحى.

رابعًا: الدعوة إلى وحدة الأديان، ووحدة الحضارات، ووحدة الثقافة بما يؤدي تمامًا إلى القضاء على التميز الإسلامي الذي يتمثل في الذاتية الإسلامية التي أقامها القرآن والتوحيد الخالص.

خامسًا: محاولة فرض مفهوم العلمانية «الفصل بين الدين والسياسة» ومفهوم القومية «الفصل بين العروبة والإسلام».

كل هذا يتطلب منا نحن المسلمين أن نكون على إلمام واضح بأبعاد الخطة التي ترمي إلى «إذابة» الإسلام في بوتقة «الأممية» ووحدة الأديان.

1- لابد من تعرف المسلمين بوعي شديد لمخططات التبشير والماسونية والبهائية والاستشراق والتعرف على كل دوافعها ومؤامراتها.

2- لابد من التعرف على خطة الصهيونية الواسعة في القضاء على الكيان الإسلامي ودراسة مخططات الاحتواء اليهودي ومطامع الصهيونية العالمية وأهدافها في إزالة المقدسات الإسلامية.

3- لابد من التعرف على خطط الشيوعية في السيطرة على العالم الإسلامي.

4- مواجهة الحملات المركزة على الشريعة الإسلامية والنظم الإسلامية وعلى اللغة العربية والقرآن أساسًا وعلى السنة المطهرة.

5- التنبه إلى محاولة إعطاء المنصرين صورة براقة للغرب والفكر الغربي والادعاء بأن له دورًا في نهضة المسلمين الحالية.

6- اليقظة إزاء قيام أعداء الإسلام بطمس معالم التاريخ الإسلامي من أساسه وإبعاده عن مسرح الحياة وتقديم صورة محرفة ومشوهة له تظهره بمظهر غير إنساني وغير مؤهل للسيادة.

7- الحيلولة دون وصول مفهوم الإسلام الصحيح الجامع إلى الغرب والحصول من بعض علماء المسلمين على اعترافات بأن المسيحية لا تختلف عن الإسلام.

8- الكشف عن مخططات الغرب في إثارة روح الخلاف بين المسلمين عن طريق إحياء النعرات العنصرية والمذهبية والترويج لمبادئ الإلحاد والإباحة والتحلل من القيم.

9- التعرف على الانحرافات التي أدخلها الفكر الغربي في المناهج الدراسية والجامعية وحصر هذه الأخطاء والكشف عنها.

الرابط المختصر :