العنوان التيار العلماني: من المآزق إلى المخارج (٤).. مبررات الانشغال بفك مآزق الفكر العلماني
الكاتب بلال التليدي
تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2007
مشاهدات 65
نشر في العدد 1769
نشر في الصفحة 66
السبت 15-سبتمبر-2007
مأزق الفكر العلماني لا ينشغل بفكها إلا الذي يعيش في قلب التجربة العلمانية ويحاصره انسداد أفقها ويريد أن يجتهد لتجديد الخط الفكري أو إعادة النظر في المسلكية السياسية، فالخلل إما أن يكون في الفكر النظري أو في الممارسة، لكن الذي يوجد خارج هذه التجربة، وربما موقعه الفكري خارجها أو ضدها، ينشغل أساسًا بتتبع الفكر والخطاب العلماني ويبحث محدداته ومأزقه، فما المبرر الذي يدعو صاحب المنطلق الفكري الإسلامي أن ينشغل بفك مأزق الفكر العلماني والممارسة العلمانية؟
لا يتعلق الأمر بمعضلة فكرية تنحل داخل السقف العلماني، وإنما تتعدى ذلك إلى السقف الأرحب، فهذه المأزق لها امتدادات خارج الجسم العلماني، وهي بدون شك تؤثر على الوضع العام، وتنتج بحكم الاشتباك والتدافع الفكري والسياسي جملة من المواقف والمسلكيات التي تؤزم المشهد الفكري والسياسي، وتزيد من حدة الاصطفاف فيه وتساهم في دفع الأطراف الأخرى إلى إنتاج ردود أفعال مضادة، وتصطرع المواقف غير المحسوبة، وتخلق حالة فكرية وسياسية هجينة، يغيب فيها أدنى شروط الحوار والتواصل.
ولذلك، فالانشغال بفك مأزق الفكر العلماني لا ينبغي أن يكون بالضرورة هما علمانيًا خالصًا، وإنما هو انشغال يتعدى الذات العلمانية، ويرتبط أكثر بالفضاء الفكري والسياسي الذي يخيم على العالم العربي والإسلامي، فهو حين يبحث المخارج، لا يهمه بالدرجة الأولى ممارسة عملية الإنقاذ، وإنما يهدف إلى محاصرة الامتدادات الخطيرة لمأزق الفكر والسلوك العلماني، ويروم التأسيس المشهد فكري وسياسي تتغير فيه أنماط العلاقات السائدة بين مكونات الطيف السياسي، بحيث يسود داخله حراك مجتمعي بسقف سياسي متوافق عليه.
المشكلة، أن كثيرا من المثقفين في الجسم الإسلامي يتصورون أن حل أزمة المشهد الفكري السياسي في عالمنا العربي والإسلامي يمكن أن تمر دون حل مأزق هذا التيار أو ذاك، والحقيقة، أن هذه الأزمة، هي حصيلة الاشتباك الحاصل بين مكونات الداخل. هذا دون أن ننسى الدور الخارجي، والارتباطات والارتهانات التي تكون في الغالب بين نخب الداخل ومراكز الخارج. ولذلك، فمعالجة المأزق تسهم بدون شك في عقلنة التدافع الفكري والسياسي بين مكونات الصف الوطني، وفي الوقت نفسه، تطرح للنقاش علاقة الداخل بالخارج، على نحو تحضر فيه المصلحة الوطنية ويغيب فيه الاستقواء بمراكز الخارج لحصار نخب الداخل.
والثابت في التجربة العربية، أنه حين يغيب التوافق بين مكونات الصف الوطني، ويتجاوز الاصطفاف الفكري والسياسي السقف المتعارف عليه، تلجأ بعض نخب الداخل للخارج وتستقوي به في ميزان القوى المحلي، لتثبت حضورها وتحافظ على مواقعها وأدوارها التقليدية.
ومن هنا، فما من شك أن معالجة مأزق الفكر العلماني والانشغال بهمومه وقضاياه والسعي الوطني الجاد من أجل وحث مخارجه حتى من خارج الجسم العلماني يمكن أن يساهم في تصحيح المسار الذي آل إليه السلوك العلماني خاصة وهو يسعى لبناء تجربة سياسية حداثية، كما أنه يسهم في عقلنة المشهد السياسي، والتأسيس لنموذج من العلاقات الموضوعية التي من شأنها أن تقلل من الاحتقان الداخلي وتوفر الشروط الضرورية لبناء تجربة سياسية متميزة في عالمنا العربي.