العنوان الانتخابات الإسرائيلية: صراع بيريز ونتنياهو لتحقيق أهداف إسرائيل الكبري
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مايو-1996
مشاهدات 78
نشر في العدد 1199
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 14-مايو-1996
• لا فرق بين العمل والليكود وكلاهما يعملان لمصلحة إسرائيل وتحقيق أهدافها الكبرى.
مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقرر إجراؤها في ۲۹ مايو »أيار« الحالي تسارعت حمى الحملة الانتخابية لدى الأحزاب الإسرائيلية، وتزايدت التكهنات حول نتائج هذه الانتخابات التي ستحدد ملامح الحكومة الإسرائيلية القادمة التي سيكون على رأس أولوياتها مواصلة عملية التسوية مع الأطراف العربية.
وتكتسب الانتخابات الإسرائيلية القادمة التي يجري فيها للمرة الأولى انتخاب رئيس الحكومة بصورة مستقلة ومباشرة من قبل الإسرائيليين، أهمية خاصة من حيث إن نتائجها ستعطي مؤشرات حول حجم تأييد الإسرائيليين لاستمرار المفاوضات مع الأطراف العربية، وليس من قبيل المبالغة القول بأن الأطراف العربية المعنية تنتظر وتترقب نتائج الانتخابات الإسرائيلية باهتمام وقلق يزيد عن قلق واهتمام الإسرائيليين أنفسهم، نظرا لانعكاسات هذه النتائج وتأثيرها على مسيرة التسوية السياسية في المنطقة التي تخشى بعض الأطراف العربية والدولية أن تتراجع في حال فوز حزب الليكود بالانتخابات.
ولعل أشد الأطراف حماسا لفوز حزب العمل هي السلطة الفلسطينية التي تنظر بصورة خطيرة لاحتمالات فوز الليكود، وتصريحات رموز السلطة تكشف -بصورة واضحة- عن رغبتها بعودة «العمل» إلى سدة الحكم في إسرائيل، بل إنها تجاوزت حدود التصريحات وقامت بإجراءات عملية لدعم حزب العمل في حملته الانتخابية كان أبرزها تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني قبيل الانتخابات الإسرائيلية، وهو ما اعتبره المراقبين بمكانة هدية تقدمها السلطة لشيمون بيريز على أمل أن تسهم في تعزيز فرص فوزه، ولكن استطلاعات الرأي الإسرائيلية أظهرت عدم تأثير هذه الخطوة على توجهات الناخب الإسرائيلي.
وتستخدم السلطة الفلسطينية نفوذها في أوساط الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام ١٩٤٨ م لحثهم على انتخاب بيريز والتراجع عن تهديداتهم بالتصويت بأوراق بيضاء بعد العدوان الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، كما صرح بعض رموز السلطة بأنهم لا يعارضون تأجيل الانسحاب الإسرائيلي من مدينة الخليل، ومواصلة فرض الطوق الأمني على الضفة والقطاع إذا كان ذلك من شأنه أن يدعم فرص بيريز وحزب العمل في الانتخابات!
وتبدي الإدارة الأمريكية الحالية بزعامة الرئيس الأمريكي كلينتون حماسا مماثلا لفوز حزب العمل بالانتخابات الإسرائيلية، وقد عبر مسؤولون أمريكيون عن قلقهم من احتمالات فوز حزب الليكود في الانتخابات.
وكان نتنياهو ورموز اليمين الإسرائيلي قد اتهموا الإدارة الأمريكية مرارا بالتدخل لدعم بيريز وحزب العمل انتخابيا، وخاصة في أعقاب العمليات الاستشهادية في القدس وتل أبيب، حيث اعتبر المراقبون أن أحد الأسباب الهامة لعقد قمة شرم الشيخ تقديم الدعم لبيريز وحزب العمل والتقليل من آثار تلك العمليات على الناخب الإسرائيلي.
من جانب آخر لا تبدي مصر وسورية والأردن اهتماما مماثلًا لنتائج الانتخابات الإسرائيلية، بل إن مصر وسورية قد دابتا خلال الفترة الماضية على توجيه النقد الذي وصل حد الهجوم على حكومة حزب العمل، كما حدث بالنسبة للعدوان الإسرائيلي على لبنان وللتحالف الإسرائيلي التركي، والحديث عن تسرب نووي من مفاعل ديمونة الإسرائيلي وبالنسبة للأردن فلا تساوره شكوك أو مخاوف حول هوية الحزب الفائز بالانتخابات الإسرائيلية حيث إن كلا الحزبين العمل والليكود، يؤيدان المعاهدة الأردنية الإسرائيلية التي حظيت بتأييدهما لدى التصويت عليها في الكنيست الإسرائيلي، بخلاف اتفاق أوسلو الذي عارضه الليكود والأحزاب اليمينية بشدة وتم إقراره في الكنيست بأغلبية ضئيلة للغاية، وقد أشارت بعض المصادر إلى وجود اتصالات على مستوى رفيع بين الأردن وزعامة حزب الليكود.
بيريز ونتنياهو.. صراع محموم على السلطة:
يسعى شيمون بيريز في الانتخابات القادمة التجاوز إخفاقاته السابقة، وهزائمه الانتخابية المرة التي سيطرت على تاريخه السياسي، وباتت النقطة الأبرز في سجله السياسي، حيث أخفق في المرات الأربع السابقة التي خاض فيها الانتخابات في أعوام ۱۹۷۷، و۱۹۸۱، و ١٩٨٤. و ۱۹۸۸م، وقد تكون الانتخابات الحالية فرصته الأخيرة، حيث يبلغ من العمر ٧٢ عامًا، في حين لم يتجاوز منافسه وخصمه العنيد بنيامين نتنياهو الـ٤٦ من عمره، وفيما يرى بعض المحللين أن سن بيريز المرتبط بالخبرة المتراكمة قد يكون نقطة لصالحه في الانتخابات، فإن آخرين يرون إن الإسرائيليين الذين تعودوا نمطا معينا من الزعامات التي تجاوزت عقدها السادس أو السابع قد يلجؤون إلى التغيير هذه المرة، خاصة وأن عامل السن لم يكن واردا في الانتخابات السابقة بسبب عدم وجود فوارق كبيرة في السن بين المرشحين المتنافسين على زعامة الحكومة.
ولضمان الفوز في الانتخابات حاول بيريز تجميعا أكبر قدرا ممكنا من الأوراق الانتخابية كان في مقدمتها تقديم موعد الانتخابات نحو ستة أشهر، بهدف استغلال حالة التعاطف الشعبي مع حزب العمل في أعقاب اغتيال إسحاق رابين كما أظهر بيريز قدرا كبيرا من التشدد في مواقفه السياسية وخاصة في المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، كما لجأ إلى تجميد المفاوضات على المسار السوري بهدف حرمان الليكود من استغلال معارضة غالبية الإسرائيليين للانسحاب الكامل من الجولان كورقة رابحة في الانتخابات.
ولكن المراقبين يرون أن بيريز ارتكب خطأين قد يضعفان فرصه الانتخابية، وهما: اغتيال قائد مجموعات الاستشهاديين في حركة حماس المهندس يحيى عياش وما تبعه من عمليات استشهادية جاءت انتقاما لتصفيته، والعدوان الإسرائيلي على لبنان الذي فشل في تحقيق أهدافه، ولم تخرج إسرائيل منه بأكثر من اتفاق مشابه لاتفاق تموز، ۱۹۹۳م. وفي حين تقدم بيريز بنحو ۳۱نقطة على منافسه نتنياهو في أعقاب اغتيال رابين وحصل على تأييد ٥٤ من الإسرائيليين مقابل ۲۳لنتنياهو، تراجع بصورة حادة ليتساوى مع خصمه أو ليتقدم بنقاط قليلة تصل إلى نحو 5 نقاط فقط بعد العمليات الاستشهادية في القدس وتل أبيب.
وفي مقابل إخفاقات بيريز، فإن زعيم حزب الليكود نتنياهو نجح بتشكيل قائمة موحدة تضم حزب الليكود وحركة تسوميت وحركة جيشر الجسرة المنشقة عن الليكود، وبذلك ضمن توحيد قطاع مهم من قوى اليمين الإسرائيلي وضمن -في الوقت نفسه- تنازل زعيم تسوميت رفائيل إيتان عن ترشيح نفسه لرئاسة الحكومة، وهو ما يعزز فرص نتنياهو بالفوز وتجاوز التدهور الشديد في شعبيته بعد مقتل رابين وتحميل اليمين الإسرائيلي مسؤولية التحريض ضده.
وفي ضوء تقارب نتائج بيريز ونتنياهو في استطلاعات الرأي الأخيرة يجد المراقبون صعوبة في ترجيح أي من المتنافسين بالفوز، حيث إن الاستطلاعات تؤكد أن فرص الاثنين قائمة وقوية، وأن فوز أي منهما سيكون بنسبة:
جدول يبين خريطة القوى السياسية الإسرائيلية المشاركة في الانتخابات القادمة | الزعيم الحالي | التوجه | عدد المقاعد التي حصل عليها في انتخابات 1992 | الحزب أو الحركة |
شيمون بيريز | يسار الوسط | ٤٤ مقعدا | العمل | |
يوسي ساريد | سيار | 12 | ميربيتس | |
ـــ | مختلفة التوجيهات ومؤيدة لحزب العمل | 5 | الأحزاب العربية | |
بنيامين نتنياهو | يميني قومي | 32 | الليكود | |
رفائيل إيتانن | يميني متطرف | 8 | تسومیت | |
ديفيد ليفى | منشق عن الليكود | ـــ | جيشر | |
أربيه درعي | يميني متدين من اليهود الشرقيين | 6 | شاس | |
الحاخام مائير مورش | يميني ديني متطرف | 4 | أغودات إسرائيل | |
رحبعام زئيفي | يميني متطرف | 3 | مولیدت | |
زیولون هامر | يميني ديني | 6 | المغدال | |
أفيغدور كهلاني | حركة وسط منشقة عن حب العمل | ـــ | الطريق الثالث | |
نتان شرانسكي | حركة جديدة من المهاجرين | ـــ | قائمة المهاجرين |
ضئيلة قد لا تتجاوز ١ أو ۲ بالمائة، ولكن هنالك ثلاثة عوامل قد تلعب دورا حاسما في معركة الانتخابات على زعامة السلطة في إسرائيل هي:
1- استقرار الوضع الأمني بالنسبة لتنفيذ عمليات عسكرية خلال المدة المتبقية للانتخابات؛ حيث إن أية عملية عسكرية كبيرة وموجعة قد تنفذها حماس أو الجهاد خلال الأيام المتبقية قد تشكل الضربة القاضية، ورصاصة الرحمة الفرص بيريز الانتخابية، كما يعتقد كثير من المراقبين، وتفيد التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية أن هناك احتمالات قوية لقيام حركة حماس بتنفيذ عملية عسكرية في أية لحظة قبيل الانتخابات.
۲- صوت الناخبين اليهود المهاجرين من الاتحاد السوفييتي سابقا والذين يبلغ عددهم نحو ٦٠٠ ألف، ويملكون قوة انتخابية تقدر بنحو ۱۲- ١٦ مقعدا من أصل مقاعد الكنيست ال ۱۲٠، وقد أظهرت استطلاعات الرأي أن نحو ٣٥ منهم سيصوتون لمصلحة بیریز مقابل ۳۲ سيصوتون لمصلحة نتنياهو، في حين لم يحدد ۲۷منهم توجهاتهم الانتخابية، كما أعلن ٢٧ منهم أنهم سيصوتون لقائمة المهاجرين بزعامة شرانسكي، و ۲۰قالوا إنهم سيصوتون الصالح تحالف الليكود، وتسوميت، ولجيشر، في حين قال ۱۳ إنهم سيصوتون لصالح حزب العمل، ويتوقع أن يكون للناخبين اليهود المهاجرين من الاتحاد السوفييتي دور كبير في حسم نتائج الانتخابات.
3- صوت الناخبين العرب الذين يملكون قوة انتخابية تقدر بنحو ١٠- ۱۲ مقعدا، ويخشى بيريز أن يفقد تأييد نسبة كبيرة من الناخبين العرب الغاضبين بشدة من غزوه للبنان.
الخريطة الحزبية الإسرائيلية:
يقف حزب العمل والليكود في صدارة الأحزاب الإسرائيلية التي قررت خوض انتخابات الكنيست القادمة، وترجع أصول حزب العمل الذي يصنف على اتجاه يسار الوسط إلى حزب ما بأي الصهيوني الاشتراكي الذي تأسس عام ۱۹۳۰م، في حين ترجع أصول حزب الليكود اليميني القومي إلى حزب الحركة التصحيحية الصهيوني الذي تأسس عام ١٩٢٥ م، والذي كان يرى أن الدولة اليهودية التي ستقوم مستقبلا يجب أن تضم جميع أراضي إسرائيل الواردة في التوراة، بما في ذلك ضفتا نهر الأردن.
العمل والليكود خلافات ثانوية:
يرى الدكتور عزمي بشارة رئيس التجمع الوطني الديمقراطي، وأستاذ الفلسفة في جامعة بيرزيت، والخبير في الشؤون الإسرائيلية- أنه من الخطأ القول بأن حزب العمل هو حزب يساري معتدل والليكود يمين متطرف، فهذا كلام عار من الصحة، خاصا في سياق الصراع العربي- الإسرائيلي، إذ لا يوجد فرق كبير بين كلا الحزبين فالمواقف الأكثر عداء للعرب جاءت من حركة العمل الصهيونية، والأحداث الأكثر صدامية ودمويا في التعامل معنا جاءت أصولها من حرك الاستيطان الأولى الاشتراكية.
ويتفق الحزبان الرئيسان في إسرائيل العمل والليكود على القضايا الأساسية الهامة كمستقبل القدس وقضية اللاجئين والاستيطان وعدم قيام دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية وكذلك يتفقان على الاحتفاظ بالسيطرة على وادي نهر الأردن، واعتباره حدودا أمنية لإسرائيل من الجهة الشرقية.
ولكن ذلك لا يعني عدم وجود خلافات حقيقية بين الليكود والعمل والتي يأتي معظمها في القضايا الثانوية والشكلية، وحتى في موضوع الانسحاب من الجولان الذي يعتقد البعض أن الخلاف حوله إستراتيجي بين برنامجي الليكود والعمل، فإنه في الحقيقة خلاف سياسي تكتيكي، فحزب الليكود الذي يعتقد البعض بعدم استعداده لتقديم أية تنازلات على الأرض مقابل معاهدات سلام مع الدول العربية -هو نفسه- الذي وقع معاهدة كامب ديفيد التي انسحبت إسرائيل بموجبها من صحراء سيناء، و-هو نفسه- الذي انطلقت في عهده مسيرة التسوية في مدريد، في حين أن حزب العمل كان له الفضل الأكبر في التوسيع الكبير بسياسة الاستيطان، وحتى خلال السنوات الماضية التي شهدت مسيرة المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، فإن حملة الاستيطان ومصادرة الأراضي لم تتوقف بل استمرت بصورة متسارعة.
وقد أعلن حزب الليكود مؤخرا أنه سيعترف في حال تشكيله للحكومة الإسرائيلية القادمة باتفاقيات أوسلو باعتبارها أمرا واقعا، وأنه سيتفاوض مع السلطة الفلسطينية، ولكنه أكد أن الحكم الذاتي الذي يقبل به الليكود يجب أن يبقى محصور في مناطق مأهولة بالسكان الفلسطينيين كانتونات دون أن ينتشر أو يتمدد بصورة أكبر مما هو قائم الآن، كما أكد الليكود أن الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن يجب أن تتمتع بحرية كاملة للعمل ضد الإرهاب في أي مكان حتى داخل المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، ولا يختلف الليكود مع حزب العمل حول أهمية إشراك الأردن في رسم ملامح الصورة النهائية للوضع الفلسطيني عبر صيغة فيدرالية أو كونفدرالية مشتركة بين الأردنيين والفلسطينيين، وقد أظهرت الانتخابات الداخلية التي أجريت مؤخرا في حزبي الليكود والعمل تقدم الجنرالات الإسرائيليين في القوائم الانتخابية للحزبين كمؤشر على التشدد الأمني الذي قد يحكم توجهات كلا الحزبين في المرحلة القادمة.
إن المراهنة بصورة كبيرة على نتائج الانتخابات الإسرائيلية القادمة قد تكون خاسرة ولكن ذلك لا يعني عدم تأثر مسيرة التسوية بصورة أو بأخرى في حال فوز حزب الليكود الذي رفع خلال المدة الماضية شعارات متشددة أستند إليها في حملته الانتخابية، وقد يكون من الصعب عليه التراجع عنها سريعا في حال فوزه في الانتخابات، وبخاصة ما يتعلق بالانسحاب من الجولان
وبغض النظر عن هوية الحزب الفائز في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، وعن الخلافات الجزئية بين برامج اليمين واليسار الإسرائيلي فإن الشيء المؤكد أن كلا البرنامجين يتنافسان في تحقيق قدر أكبر من المكاسب الإسرائيلية كل وفق رؤيته وبرنامجه، وحتى لو كان ذلك على حساب أشلاء ودماء العرب والمسلمين فالعمل والليكود كلاهما ولغا في دماء الفلسطينيين والعرب والمسلمين، واقترفا في سبيل تحقيق برامجهما المذابح والمجازر الدموية.