العنوان هل هناك صفحات منسية من تاريخ الإرهاب الحديث؟ «١ من ٢»
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1996
مشاهدات 87
نشر في العدد 1190
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 05-مارس-1996
المراقب لتاريخ المنطقة العربية الحديث والمتتبع لواقعها المعاش يرى عجبًا، والمتأمل لمجريات الحوادث وفقه النوازل فيها يعش رجبٍا ويعتريه الذهول، إذ يرى أنها تسير في نسق واحد، وتتبع نظامًا دقيقًا كأنه جزء من الناموس الكوني، هذا أولًا.
ثانيًا: فإن عجلة الحوادث ودورة الوقائع مكرورة ومقاسة ومنسقة كأنها صبت في قالب معد، وخرجت من مشكاة واحدة.
ثالثًا: فإنها تدار دائمًا عكس مصلحة الأمة، وتصب بانتظام في صالح أعدائها والمتربصين بها.
رابعًا: فإن العقلية الشعبية والقومية والسلطوية كأنها برمجت بمخطط نشاذ ليهلك الحرث والنسل، ويدفع بالأمة إلى الهاوية.
خامسًا: دائمًا وأبدًا يكون الإسلام هو محور النزاع، وبؤرة الصراع التي تتركز عليها الأضواء، وتنسب إليها الحوادث أو تدور في فلكها الغيوم والرعود.
سادسًا: يكون شباب الأمة دائمًا وأبدًا هو الوقود لمحرقة تلك الصراعات، ليخرج منها رمادًا لا ينتفع به ولا يستفاد من طاقاته أو إبداعاته وآرائه.
سابعًا: نتيجة الصراع دائمًا تكون مجهزة لإفساح المجال لغزو إباحي وضياع خلقي وقيمي وثقافي.
ثامنًا: إلهاء الأمة عن واجبها التنموي والتكنولوجي والتربوي والإنتاجي لتظل سوقًا ومناطق للنفوذ.
وقد أردت بعد هذه المقدمة أن أضع صفحة من تاريخ الإرهاب بين يدي القارئ المسلم، كتبها الأستاذ الشهيد سيد قطب- رحمه الله- اجتزئ منها ما يناسب المقام حيث يقول- رحمه الله: «التحقتعام ١٩٥٣م بجماعة الإخوان المسلمون، ثم اعتقلت في ١٩٥٤م، وأفرج عني، ثم اعتقلت بعد ذلك في آخر ١٩٥٤م ثانية، إثر حادث المنشية واتهمت بأنني في الجهاز السري، ورئيس قسم المنشورات، ولم يكن شيء من ذلك صحيحًا ولكن منذ أن وقع حادث المنشية الذي اتهم الإخوان فيه بإطلاق النار على عبد الناصر وكان سببًا في إدخال الآلاف المؤلفة منهم السجون، وحكم على من حكم من قادتهم بالإعدام ونفذ كنت أشك في تدبيره من قبل عبد الناصر، بل تأكد لي ذلك فيما بعد، وإن كنت وقتها في حيرة من هذا الأمر، فليس هناك أحد من الإخوان يعرف عنه شيئًا، وكان يلح على تفكيري أنه مدبر ومن صنع عبد الناصر لتكملة الخطة التي تنتهي بالتصادم الضخم بين الثورة والإخوان تحقيقًا لأهداف أجنبية، وقد كنت أعلم أن الوقيعة بين الإخوان وبين الثورة المصرية كان دائمًا الشغل الشاغل لمجموعة من المشبوهين والمتصلين بجهات أجنبية، وقد كنت أعمل قبل انضمامي إلى الإخوان أكثر من اثنتي عشرة ساعة يوميًا قريبًا من رجال الثورة ومعهم ومع من يحيط بهم، وكان معنا الأستاذ فؤاد جلال، وكان وزيرًا في أول وزارة برئاسة محمد نجيب، وكان من بين أعضاء جمعية الفلاح المشبوهة بصلاتها الأمريكية وكنت ألاحظ في مناسبات كثيرة أنه يغذي الخلاف بين رجال الثورة و«الإخوان المسلمون»، ويضخم المخاوف منهم، ويستغل ثقة الرئيس جمال عبد الناصر به ويبث هذه الأفكار في مناسبات كثيرة لم يكن يخفيها عني لأنه كان يراني مقربًا من رجال الثورة وقد حاولت في وقتها منع التصادم الذي كنت ألمح بوادره، ولكني عجزت وتغلب الاتجاه الآخر، هذا وعندما كان السيد صلاح دسوقي «ضابط كبير في الثورة» يستجوبني وأنا متهم في السجن الحربي عام ١٩٥٤م صارحته برأيي في تدبير الحادث، وقد انتفض وقتها بشدة، وقال: هل تقول إنها تمثيلية؟ فقلت: أنا لا أقول إنها تمثيلية ولكني أقول إنها مدبرة لهدف معين، وأن إصبعًا أجنبيًا ذات دخل فيها، فقال لي وقتها وقد هدأ اضطرابه: جايز!! غير أن هذا كله كان يزيد نفسي شعورًا من ناحية أخرى بأن السياسة المخططة من جانب الصهيونية والصليبية الاستعمارية لتدمير حركة «الإخوان المسلمون» في المنطقة تحقيقًا لمصالح ومخططات تلك الجهات قد تحققت بنجاح، وأنه في الوقت ذاته لا بد من محاولة الرد على تلك المخططات بإعادة حياة ونشاط الحركة الإسلامية حتى ولو كانت الدولة لسبب أو أكثر لا تريد، فالدولة تخطئ وتصيب!!».
ثم استطرد الأستاذ سيد قطب في بيان أن الإخوان رغم دخولهم السجون، وقتل قادتهم لم يقوموا بعمل إرهابي، ولم يستفذوا، وهذا مما ضايق الجهات الأمنية ومن وراءها من مدبري الفتن، فأرادوا الإيقاع بالإخوان في السجون وقتلهم داخلها، وذلك بالاستفزاز تلو الآخر، ولما لم يفلح ذلك أوحوا إلى البعض بطريق أو بآخر بأساليب مختلفة ليكون فيها القضاء عليهم، يقول- رحمه الله: «أوحى إلى بعض الأفراد بفكرة انساق إليها ببله وصار يروج لها، وهي الخروج من السجون بالقوة، وعرض هذا على بعض القيادات الإخوانية، فرفضته بشدة وعنف وشتم ونهر هذا الإنسان ثم علم بهذا معروف الحضري- وكان معروف قائدًا في الجيش، وأبلى في حرب فلسطين بلاء حسنًا وكان معتقل في السجن مع الإخوان- فقال لي بعصبية: هذه دسيسة لتدبير مذبحة كبرى للإخوان الذين في السجون، والذين في الخارج جميعًا» ثم يقول الأستاذ سيد: «وحوكمت وذهبت إلى سجن ليمان طرة وذهبت إلى مصلحة السجن المرضي، فإذا بقائد كتيبة الليمان في سجن طرة وهو الصاغ.... يزورني على غير معرفة سابقة، ويحدثني في ضرورة تخليص الإخوان الذين في السجون، لأنهم هكذا يستهلكون تمامًا وخصوصًا هؤلاء الذين يقطعون الأحجار في جبل طرة مع كبار المجرمين، ومع معرفتي أن هذا الضابط لم يكن في يوم من الأيام من الإخوان، ثم مع إلحاحه وقوله إنه كقائد للكتيبة يضع نفسه وأسلحة الكتيبة تحت تصرفنا، لأنه لم يعد يطيق منظر طابور الإخوان في الجبل، تذكرت خطط الدسائس المتكررة، وذكرت قول معروف الحضري: دي دسيسة لتدبير مذبحة كبرى للإخوان في السجون والذين في الخارج جميعًا، وقلت له: إحنا متشكرين على عواطفك، ولكن نحن نرى أننا أدينا واجبنا وانتهت مهمتنا بدخول السجن، ولم نعد نستطيع عمل شيء، فمن أراد أن يعمل من غيرنا فليعمل، فانقطعت زيارته، ثم وبعد ذلك بأيام اتهم الإخوان في السجن بأنهم يعصون الأوامر، ودخلت كتيبة السجن بأسلحتها لتطلق النار على الإخوان في الزنازين بدون ذنب ويقتل منهم أكثر من عشرين فردًا من الإخوان في مجزرة رهيبة عدا الجرحى فقلت: هل ستظل هناك صفحات منسية من العنف المصنوع وهل ستظل الجهات التي تشرف على إخراجه منسية كذلك وهل سيرحم التاريخ حين تنكشف الحقائق أحدًا؟؟ لا.. ولا حتى الأغبياء!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل