العنوان يارب رحماك.. أموالنا ودماؤنا مهدرة في غير رضاك
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1982
مشاهدات 61
نشر في العدد 578
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 06-يوليو-1982
1- قال أحد الصحفيين إذا رأيت عربيًا في هذه الأيام يبتسم فاعلم أنه لا يسمع الأخبار، قلت هذا لم يسمع الأخبار فما بالك بمن يسمع ويرى ومع هذا يضحك ويستغرق في الضحك والانبساط حتى يستلقى على قفاه؟! بل فما بالك بمن يسمع ويرى ومع ذلك يذهب إلى أوروبا وغيرها ليسرح ويمرح ويطلق لشهواته العنان وينفق الأموال الطائلة فوق الموائد الخضراء والصفراء والبيضاء، لتصب كلها في خزائن من هم سبب في حزننا ومصائبنا؟!
وهل أتاكم خبر من يضعون عقود ألماس والذهب في أعناق القطط، ويضعون سبائك الذهب في علب الحلوى لتوزيعها على المدعوين بمناسبة زواج بناتهم وأبنائهم المدللين، وهل أتاك خبر أولئك العرب الذين يذهبون إلى أوروبا، وإذا دخل أحدهم مطعمًا يضع على الطاولة عند خروجه مبلغًا مضاعفًا لقيمة ما أحضره المطعم له من مأكولات ومشروبات، لإثبات أنه عربي كريم ذو ثروة طائلة، ظنًا منه أن احترامه سيزيد ومقامه سيعظم، وما يدري المسكين أن تصرفه هذا يقابل بالاحتقار والازدراء والتندر عند الأوروبيين، وإن ابتسموا له وانحنوا برؤوسهم فهو من باب الضحك على الذقون، وهذا الجاهل الأحمق إذ ينفق ويصرف الأموال في أوروبا وأمريكا وغيرها من بلدان السياحة يمينًا وشمالًا، تراه يبخل ويشح على بلاده وأهله وأرحامه ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (سورة محمد: 22).
ولو قلت له إن إخوانًا لك في قرى آسيا وإفريقيا يتضورون جوعًا أحق بأن تجود عليهم من مالك هذا الذي تصرفه في غير وجهه، لسمعت منه منكرًا من القول وزورا، ومن الغرائب والمفارقات أن كثيرًا ممن ينعتون أنفسهم بالمناضلين من أجل الحرية والكاد، حين يقضون أجازاتهم علی سواحل أوروبا بين الدنان والحسان، وعلى موائد القمار، بينما يتركون من يتحدثون ويقبضون باسمهم بين حر الشمس وحر النار.. فيا هؤلاء وهؤلاء، ألا تعودون إلى رشدكم ألا تخافون نقمة الله عليكم.
يا معرضا بوصال عيش ناعم
ستصد عنه طائعًا أو مكرها
إن الحوادث تزعج الأحرار عن
أوطانها والطير من أوكارها
فأموال العرب والمسلمين تنهب وتبعثر ودماؤهم تراق وتهدر، وليس هناك من يستطيع أن يوقف هذا النزيف، فقد أصبحت دماء العرب والمسلمين أهون من دماء القطط والكلاب.
أسود حكام العرب وأبطال في «معاركهم» مع شعوبهم العزل، وخراف أذلاء مع الأعداء لا يصمدون في وجوههم، ولا يتصدون لهم إلا في الإذاعات ووسائل الإعلام
أكثر من الضحايا الذين قتلوا برصاص العدو ولا مجال للمقارنة، حصل كل ذلك لأن هؤلاء الحكام لا يتذكرون قدرة الله عليهم ولا يفقهون حكمه وعواقب مخالفته
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (سورة الأنعام: 65).
3- إن الأمن نعمة من الله وهو للإنسان مثل الطعام والشراب، وقد أمتن الله به على قريش بقوله ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (سورة قريش: 4). والرسول صلى الله على وسلم في مطلع كل شهر عندما شاهد القمر «اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله، هلال رشد وخير». ففي ظل الأمن والاستقرار تشيد الحضارات، ويتقدم الإنسان في شتى المجالات، ولا يستطيع الإنسان أن يفكر أو ينتج إلا إذا أمن على نفسه وعرضه وماله من غير خوف ولا إرهاب ولا تعسف ولكن هذه النعمة وكل النعم التي أنعم الله بها على عباده تتطلب المحافظة عليها بالعدل والاعتدال، وشكر الله عليها بعدم مبارزته بالمعاصي والفجور.
إذا كنت في نعمة فارعها
فإن المعاصي تزيل النعم
وحافظ عليها بشكر الآله
فإن الإله شديد النقم
وإنفاق الأموال فيما يغضب الله وفيما لا نفع فيه للوطن والمواطنين يفتح الأبواب والمنافذ لعناصر الشر والفتنة ، وتتاح الفرصة للأفكار الهدامة أن تستشرى فتنتشر الفتنة كانتشار النار في الهشيم، لأن ردود الفعل دائمًا- كما هو منطلق الأحداث وسُنة الكون- تأتي عنيفة وقوية فلا تبقى ولا تذر والعاقل من اتعظ بغيره.
4- والقرآن الكريم الذي أودع الله فيه من العبر والحكم مالو تأملها المسلمون ونظروا فيها بعقولهم وصدقوها بعملهم لتجنبوا المزالق والمهالك، ولكانت حالهم غير هذه الحال فقد حذرنا القرآن من العواقب الوخيمة للبطر والبذخ والترف والظلم والاستهتار في آيات بينات محكمات فهو الملجأ من المصائب والفتن، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم إنها ستكون فتن فقال له على بن أبي طالب رضى الله عنه ما المخرج منها يارسول الله قال «كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذا سمعته حتى ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (سورة الجن: 1-2).
من قال به صدق ومن عمل به أجر، ومن حکم به عدل، ومن دعي إليه هدى إلى صراط مستقيم، ولنقرأ إذا شئنا هذه الآيات المنذرة من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. لنرى مصير المترفين المستهترين والطغاة الظالمين الذين كفروا بأنعم الله، هم ومن والاهم ونافقهم وسكت عن جرائمهم. ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (سورة الإسراء: 16).
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (سورة النحل: 112).
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۚ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (سورة القصص: 58-59).
﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 11-15).
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ (سورة مريم: 74-75).