العنوان القاتل الحقيقي لبوضياف
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1992
مشاهدات 70
نشر في العدد 1006
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 07-يوليو-1992
* تشابه كبير بين طريقة مقتل بوضياف وطريقة اغتيال السادات.
بعد مقتل محمد بوضياف رئيس المجلس الأعلى للدولة في الجزائر صباح يوم الاثنين 29 يونيه «جوان» بدار الثقافة بولاية عنابة شرقي الجزائر، تركزت تساؤلات الرأي العام الداخلي والدولي والمعلقين والملاحظين حول مسألتين يكتنفهما الغموض: ما الدوافع والأجهزة التي تقف وراء عملية الاغتيال؟ وما النتائج التي يمكن أن تترتب عليها هذه العملية لا سيما ما له علاقة بدور الجيش في المستقبل وبإمكانية مراجعة المسار اللاديمقراطي الذي انتهجه بوضياف؟
بالنسبة للمسألة الأولى:
هناك إجماع على تعدد الدوافع بتعدد الأطراف المعنية من قريب أو من بعيد بتطور الأوضاع السياسية في الجزائر منذ إيقاف المسار الديمقراطي وإجهاض التجربة الرائدة التي خاضها الشعب الجزائري بمناسبة الانتخابات البلدية والتشريعية.
ويمكن حصر هذه الأطراف في ثلاث جهات رئيسة حسب القراءات التي قدمت لعملية الاغتيال:
أولًا: الجيش.
ثانيًا: جبهة التحرير الوطنية (الحزب الحاكم سابقًا).
ثالثًا: الإسلاميون.. ونبدأ من الأخير.
اتهام الإسلاميين
والجدير بالذكر أن الاتهامات انصبت على الطرف الأخير بعد قراءة سريعة وسطحية للأحداث أو قراءة سياسية ذات خلفية أيديولوجية علمانية، في حين أن التحقيقات لم تنته بعد وربما تقبر الحقيقة مادامت التركيبة السياسية الحالية مستمرة في الحكم.
وترجح مثل هذه القراءات الإسلاميين اعتمادًا على معطيات «منطقية» في نظرهم وتلتقي في هذه المواقف الأطراف اليسارية والعلمانية داخل الجزائر وخارجها من جهة ونسبة من الرأي العام الدولي وكذلك من الجاليات الإسلامية المقيمة بالمهجر تحت تأثير وسائل الإعلام الغربية الحاقدة على الصحوة الإسلامية والتي لم تتورع في معظمها عن الإسراع في اتهام «الأصوليين» باغتيال بوضياف.
فقد جاء في صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية اليمينية الصادرة يوم الثلاثاء 30 يونيه أن رئيس المجلس الأعلى للدولة في الجزائر «قتل باسم الله» وتحدثت عن «الرد الإسلامي» وقارنت بين مصير «بوضياف» و«السادات».
ونفس المنطق انتهجه رئيس رابطة حقوق الإنسان في الجزائر خلال تصريحاته إلى القناة الثانية للتلفزة الفرنسية في إطار البرنامج الخاص بالجزائر مساء الثلاثاء، إذ تعرض في حديثه إلى «أعداء الديمقراطية».
ومن جهته ندد الرئيس التونسي بن على بالتطرف علمًا بأنه شن حملة تصفية لأعضاء حركة «النهضة الإسلامية» المتهمين بإعداد انقلاب ضده.
والحجج المقدمة لاتهام الإسلاميين ظاهرها «منطقي» انطلاقا من العلاقة المتوترة بينهم وبين النظام، من هنا جاء ربط عملية الاغتيال بمحاكمة قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي أجلت قبل يوم من العملية إلى أجل غير محدد، وبسلسلة الاعتقالات والتجاوزات وانتهاكات حقوق الإنسان ضد مناضلي الجبهة وأنصارها حيث تجاوز عدد المعتقلين ثمانية آلاف إسلامي في ظروف جد قاسية (مراكز تجمعات في قلب الصحراء تصل الحرارة فيها إلى 52 درجة)، بالإضافة إلى عمليات الاغتيال التي تعرض لها رجال الأمن من قبل ما أطلق عليهم «الأفغان» (نسبة إلى مشاركتهم إلى جانب المجاهدين الأفغان في التصدي للغزو السوفيتي والقمع الشيوعي) وكثر الحديث في الأشهر الأخيرة عن الجناح المسلح للجبهة الذي يعد العدة للقيام بعمليات تصفية وعن تسرب الإسلاميين إلى الجيش.
الجزائر
المساحة: 919. 595 ميلًا مربعًا.
عدد السكان: 25. 7 مليون نسمة.
الديانة: الإسلام.
الأصول العرقية: 75% عرب، 25% بربر.
التاريخ الحديث: استعمرها الفرنسيون عام 1830 واستقلت عام 1962.
كما اعتمد أعداء الصحوة الإسلامية أو من سار في ركابهم بوعي أو بدون وعي على البيانات والمنشورات الخاصة الصادرة عن الجبهة وما بقي من قيادتها السرية والتي توحي باتباع سياسة تصعيد من أجل عدم تمكين النظام من هدنة للانقضاض التام على الحركة الإسلامية الجهادية.
وقد جاء في البيان الأخير تهديد «بإلباس النظام لباس الخوف» إذا تجرأ على محاكمة قيادة الجبهة، وبالطبع فسرت كل هذه المواقف بأنها «دعوة للتمرد» ومحاولة إعداد نفسي لعمل مسلح وغيرها من التأويلات.
شكوك وغموض
ولكن هناك فرقًا شاسعًا بين الصمود ورفع معنويات المناضلين والأتباع والأنصار من جهة والتفكير أو التخطيط لعملية اغتيال رأس الدولة من جهة أخرى.
فليس هناك من الأدلة القاطعة ما يثبت بأن الجبهة الإسلامية للإنقاذ قد قررت إستراتيجيًا اتباع منهج تغييري يستهدف السلطة العليا في الدولة بأسلوب عسكري.
الشيء الذي أكده أحد الناطقين باسم الجبهة في الخارج ونقلته إحدى الإذاعات العربية المشهورة في باريس، إذ نفى هذا المسؤول أية علاقة للجبهة بعملية اغتيال بوضياف، وصرح بأن «الجبهة تعمل على إنقاذ البلاد وليس إدخالها في دوامة من العنف» وأكد على المنهج التغييري الشعبي.
من هنا جاءت الشكوك الواردة في العديد من التحاليل الصحفية الأجنبية بالخصوص حول هوية الأطراف المخططة لعملية الاغتيال.
وتعبر الصورة الكاريكاتورية التي أوردتها صحيفة «لوموند» الفرنسية بتاريخ 1 يوليه عن التساؤلات والشكوك ومواطن الغموض القائمة.
ففي هذه الصورة يشير عباسي مدني (رئيس الجبهة) بأصبع الاتهام إلى خالد نزار (وزير الدفاع) الذي يتهم هو الآخر مدني وبينهما جثة بوضياف ووصفت الصحيفة هذا الأخير بــ «المحرج» الذي تورط في علاقات توتر مع عدة أطراف بداية من الإسلاميين وانتهاء مع الجيش مرورًا بجبهة التحرير الوطنية، معتمدًا على تاريخه النضالي كرمز وطني، الشيء الذي سكتت عنه كتب تاريخ الحركة الوطنية كما درست للأجيال الجزائرية، كما أشارت مؤرخة جزائرية أثناء تدخلها في البرنامج التلفزي المشار إليه أعلاه.
وقد أجمع المحللون على أن بوضياف فشل في إرساء مصالحة وطنية وفي إخراج البلاد من الأزمة التي عرفتها منذ وضع حد للمسار الديمقراطي، بل إن النتائج الحالية السياسية والاقتصادية أكدت على أن الأزمة تعقدت وأن الفجوة بين الفئات الاجتماعية استفحلت وأن أصحاب رؤوس الأموال الأجنبية ترددوا كثيرًا في استثمار أموالهم في الجزائر نتيجة اضطراب الأوضاع الأمنية.
لذلك لم تستبعد الأوساط الإعلامية الأجنبية تورط أطراف غير إسلامية في عملية الاغتيال في إطار تصفية حسابات مع هذا الرجل «المحرج»، وهذه الأطراف إحدى الجهتين جبهة التحرير الوطنية أو الجيش.
جبهة التحرير الوطني
فبالنسبة للجهة الأولى، تعرضت تحت حكم بوضياف إلى عملية تفتيت بعد أن كانت العمود الفقري للحياة السياسية في الجزائر على مدى ثلاثين سنة، والنتيجة أن الجبهة الحاكمة سابقًا وجدت نفسها في ظرف وجيز على هامش التاريخ والواقع السياسي، لكن رغم كل ذلك، نفى المهري الأمين العام السابق لحزب الجبهة التورط في عملية الاغتيال التي اعتبرها «سابقة خطيرة في الحياة السياسية الجزائرية خاصة وأنها تمت بأيدٍ جزائرية» وصرح بأن «مسلسل العنف بدأ في الجزائر لأسباب يعرفها الجميع، وهو يتطور كلما تقلصت الحياة السياسية وغاب الحوار الحقيقي بين الفرقاء»، وإذا كان يصعب في نظره التكهن بالمستقبل فإن «هناك فرصًا عديدة لحلول سلمية»، والجدير بالذكر أنه ركز في تصريحه أن الاغتيال قام به «أحد أفراد قوات الأمن» وفيه إشارة واضحة إلى إمكانية تورط الجيش فيها.
رفض تحييد الجيش
ويبدو أن كل التحاليل والقراءات لعملية الاغتيال خاصة من المراقبين الغربيين تتضمن هذه الإشارة بشيء من الترجيح نظرًا لتدهور العلاقة بين بوضياف والمؤسسة العسكرية التي لم تستطع محاولات رئيس المجلس الأعلى للدولة تهميش دورها، علمًا بأن هذه القراءات تركز على معطى أساسي يتمثل في الوزن الرئيس لهذه المؤسسة في القرار السياسي الجزائري بالإضافة إلى اعتبار خالد نزار وزير الدفاع الرجل القوي في الحكم لكن بوضياف حاول جاهدًا تحييد الجيش عن دائرة القرار لأنه يعرف أن وضعه هش مادام تنصيبه كان بقرار عسكري، فإمكانية الانقلاب عليه واردة في كل حين، ثم إن بوضياف مُصر على استئصال الحركة الإسلامية، لكن هناك تيارين متصارعين في الجيش بين القطيعة والتعايش معها، خاصة وأن المؤسسة العسكرية مازالت تعاني من آثار الأحداث الدموية في أكتوبر عام 1988.
التيار الفرانكفوني
ومن خلال المعطيات المتوافرة، هناك قناعة لدى عدة محللين بأن التيار الفرانكفوني العلماني في الجيش هو المسيطر حاليًا، ويتزعم هذا التيار وزير الدفاع خالد نزار الذي هو في الوقت نفسه عضو في المجلس الأعلى للدولة، وقانون هذا المجلس يسمح لأي عضو أن يتولى الرئاسة في حالة شغور المنصب.
ومما عمق الشكوك حول إمكانية تورط هذا التيار في عملية الاغتيال، الملابسات والدقة التي تمت بها هذه العملية، فالحراسة كانت مشددة على رئيس المجلس، والجهاز الأمني تعرض إلى حملة «تطهير» من العناصر الإسلامية بتوصية واقتداء بالتجربة التي خاضتها السلطات التونسية، فلا يمكن لأي رجل من قوات الأمن أن يتصرف بالطريقة التي تمت بها العملية إلا إذا كانت له علاقة بأطراف مقربة من الحكم، والمقارنة مع اغتيال السادات تبقى محدودة من حيث الشكل لكن الفرق شاسع أن تتم مثل هذه العمليات في إطار واسع ومفتوح وبين أن تحصل في مكان مغلق مثل دار الثقافة في عنابة.
ثم إن اختيار المكان والزمان يدل على دهاء لتشويش المواقف وتوريط الأطراف الأخرى غير الجيش، فالعملية تمت بعد يوم من تأجيل محاكمة قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وفي جو من التوتر، بشكل يدخل الارتباك في الأذهان حول العلاقة القوية بين المسألتين، كما أن عنابة تعتبر من معاقل الحركة الوطنية الجزائرية وجبهة التحرير الوطنية ومدينة الشاذلي بن جديد الرئيس الجزائري السابق، فهذه المعطيات ترجح أيضًا إمكانية تورط جبهة التحرير وأنصار بن جديد في العملية.
لكل هذه الأسباب، ليس من السهل إلقاء التهم أو توريط الإسلاميين في هذه الحادثة لمجرد اعتبار العلاقة المتوترة مع النظام.
النتائج المستقبلية
أما عن النتائج المستقبلية، فهناك احتمالان متناقضان: الأول يقول بالدخول في مصالحة وطنية لكن مع الأطراف الإسلامية الأكثر اعتدالًا مع الاستمرار في إقصاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والرأي الثاني يرى أن أوضاع المنطقة المغاربية لا تسمح حاليًا بالتساهل مع الحالة الإسلامية وكل انفتاح في الجزائر سيكون له انعكاس سلبي على إستراتيجية الأنظمة المجاورة في تعاملها مع الظاهرة الإسلامية.
لكن بدأت الأصوات ترتفع داخل الجزائر «حزب بن بيلا - جبهة التحرير الوطنية...» وخارجها «بعض الأوساط السياسية المعتدلة» إلى عدم التفويت في هذه الفرصة لمراجعة المسار السابق الذي أدى إلى مأزق سياسي خطير والتفكير بجد في مصالحة مع كل القوى الحية في البلاد.
بوضياف في سطور
* ولد محمد بوضياف عام 1919 في مدينة مسيلة وسط الجزائر وشارك في تشكيل جبهة التحرير الوطني الجزائرية عام 1954.
* تولى منصب نائب رئيس الحكومة المؤقتة خلال سنوات حرب الاستقلال التي استمرت ثماني سنوات.
* وفي 22 أكتوبر 1956 كان بوضياف ضمن قادة مجلس قيادة الثورة الذين اختطفتهم الطائرات الحربية الفرنسية وهم في طريقهم إلى تونس وبقي في السجن ست سنوات وأطلق سراحه في مارس 1962، كان من المعارضين لأحمد بن بیلا أول رئيس جزائري بعد الاستقلال رغم أنه كان من رفاقه، وحينما أعلن عن تأسيس حزب الثورة الاشتراكية حوكم غيابيًا وحكم عليه بالإعدام، حيث اختار المغرب كمنفى اختياري، عاش به منذ عام 1964 وظل بها حتى عاد في يناير الماضي رئيسًا للمجلس الأعلى للدولة في الجزائر في أعقاب استقالة الشاذلي بن جديد وسط بعض التساؤلات وعلامات الاستفهام.
* فتح النار على الإسلاميين منذ مجيئه للسلطة ثم فتت جبهة الإنقاذ الوطني التي حكمت البلاد منذ استقلالها ثم استدار إلى الجيش فاكتسب بذلك عداوات كثيرة خلال فترة حكم قصيرة وقُتل وسط علامات استفهام تشير بأصابع الاتهام إلى عدة جهات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل