العنوان الإستراتيجية النووية الأمريكية الجديدة..الإسلام العدو الجديد!
الكاتب د. زكريا حسين
تاريخ النشر السبت 15-مايو-2010
مشاهدات 48
نشر في العدد 1902
نشر في الصفحة 30
السبت 15-مايو-2010
أمريكا تختصر «الإرهاب النووي» في تنظيم القاعدة وإيران وتغفل النووي الصهيوني
سبق عقد «قمة الأمن النووي» التي عقدت في «واشنطن» في ١٢ أبريل الماضي ثلاثة أحداث رئيسة، اعتبرت علامة فارقة ولها تأثير علينا في العالم الإسلامي:
أولها: توقيع الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية روسيا الاتحادية على معاهدة «ستارت ٢ المعدلة» لتخفيض ترسانتهما الاستراتيجية من الصواريخ في أوروبا.
وثانيها : إعادة النظر في انتشار واستكمال برنامج الدرع الصاروخية الأمريكية المضاد للصواريخ المثير للجدل.
وثالثها: حشد الدعم الدولي لفرض عقوبات رادعة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية لإيقاف تخصيب اليورانيوم والالتزام بالقرارات الدولية.
• «ستارت ٢ المعدلة» واستكمال برنامج الدرع الصاروخي الأمريكي وحشد الدعم الدولي الفرض عقوبات رادعة على إيران ثلاثة أحداث لها تأثير علينا في العالم الإسلامي
• الإستراتيجية الجديدة تمنح واشنطن الحق في تعديل سياساتها النووية وفقًا للمتغيرات الدولية !
• الولايات المتحدة تسعى عبر برنامج الدرع الصاروخية للاحتفاظ بتفوق عسكري مطلق يؤكد سيادتها الكونية!
والحقيقة، كل هذه التحركات في إطار الإستراتيجية النووية الجديدة التي أعلنها الرئيس «أوباما»، وتمثل المراجعة الجديدة للإستراتيجية النووية خطوة إضافية على طريق تحقيق رؤية الرئيس الأمريكي الهادفة إلى الوصول إلى عالم خال من السلاح النووي..
تلك الرؤية التي أعلنها الرئيس «أوباما» من مطلع عام ٢٠٠٩م، وعمل مع الخارجية الأمريكية على مدى عام لوضع الأسس اللازمة للبدء في تطبيقها من خلال مراجعة شاملة لكل ما تبنته الولايات المتحدة من سياسات وإستراتيجيات سابقة !!
ولكن اللافت هنا أن هذه الإستراتيجية تعتبر إيران عدوًا نوويًا رغم أن إيران ليس لديها بعد سلاح نووي، وتتجاهل تمامًا امتلاك «إسرائيل» سلاحًا نوويًا في المنطقة ربما يهدد هذه الإستراتيجية بعيدًا عن فكرة أنهما حليفان!
وما لفت بعض المراقبين هنا أن تغيير الإستراتيجية الأمريكية النووية لحشر إيران ضمن أعدائها والتركيز على اعتبار «الإرهاب النووي» يتلخص في تنظيم القاعدة فقط، يدخل في سياق ما يردده البعض منذ فترة من اتخاذ أمريكا والغرب عدوًا جديدًا لهم بدل الشيوعية والاتحاد السوفييتي الذي انهار وتفتت.
أولاً: الإستراتيجية النووية الأمريكية
تركزت الأهداف المعلنة للإستراتيجية النووية الأمريكية في خمسة أهداف رئيسة: أولها: منع الإرهاب النووي في إطار السعي للحد من انتشار الأسلحة النووية.
وثانيها: تقليص دور الأسلحة النووية في الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي. وثالثها: الاحتفاظ بقوة ردع نووية بمستوى منخفض.
ورابعها : تعزيز قوة الردع الإقليمية وطمأنة الدول الحليفة.
وخامسها: المحافظة على الترسانة النووية آمنة وفعالة.
وقد وضع مخططو الإستراتيجية النووية الأمريكية قضية قمع الإرهاب النووي، والحد من انتشار السلاح النووي على رأس أولويات الإستراتيجية الجديدة - للمرة الأولى - نظرا السعي المنظمات الإرهابية - وعلى رأسها تنظيم القاعدة - للحصول على أسلحة نووية، وأيضًا للجهود النووية المتواصلة لجمهورية إيران الإسلامية، وكوريا الشمالية في هذا المجال.
كما تمنع الإستراتيجية الجديدة استخدام السلاح النووي الأمريكي ضد الدول الموقعة على المعاهدة الدولية للحد من الانتشار النووي أو التي تلتزم بمبادئ المعاهدات الدولية.
وتحفظ الإستراتيجية النووية الجديدة حق الولايات المتحدة الأمريكية في تعديل سياستها النووية وفقا للمتغيرات الدولية.. كما تمنح الولايات الأمريكية هامشًا واسعًا للتعامل مع جمهورية إيران الإسلامية وكوريا الشمالية... خاصة أنها لا تحسم الجدل بشأن الظروف التي تسمح فيها باستخدام السلاح النووي ضد هاتين الدولتين!!
وتمنع الإستراتيجية النووية العمل على تطوير الرؤوس النووية الجديدة، غير أنها تضمن مواصلة تطوير القدرات الجديدة خاصة أنظمة الردع الصاروخية.
وتأتي الإستراتيجية النووية عشية توقيع الولايات المتحدة وروسيا على معاهدة «ستارت 2 » الجديدة، والتي اعتبرت خطوة عملية أولى في تنفيذ السياسات الهادفة للحد من الانتشار النووي.. كما تشكل الإستراتيجية النووية الأمريكية تعزيزًا لموقف الرئيس «أوباما» خلال قمة الأمن النووي التي انعقدت في واشنطن في ١٢أبريل ٢٠١٠م.
ثانيًا: معاهدة «ستارت» الجديدة
وقعت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا في 10 أبريل ۲۰۱۰م وثيقة معاهدة «ستارت» الجديدة التي سبقت قمة الأمن النووي التي انعقدت في واشنطن بيومين فقط.
وقد وقعت المعاهدة بين الدولتين في «براغ» بعد عام واحد من النداء الذي وجهه الرئيس الأمريكي «أوباما» من العاصمة ذاتها من أجل عالم خال من السلاح النووي.. وقد حلت هذه المعاهدة محل معاهدة «ستارت» التي وقعت بين الدولتين في عام ۱۹۹۱م، وانتهت مدتها في ٥ ديسمبر ٢٠٠٩م.
وقد حددت المعاهدة عدد الرؤوس النووية الإستراتيجية بـ ١٥٥٠ رأسًا نوويًا لكل من الجانبين.. واعتبر توقيع هذه المعاهدة بداية عهد جديد من الدفء والثقة في علاقات الدولتين، بعد التدهور الذي ساد علاقاتهما خلال السنوات الأخيرة من عهد الرئيس الأمريكي السابق «جورج دبليو بوش»، والتي وصلت من التوتر إلى حد إعلان الكثير من المفكرين والباحثين وكبار الساسة عن مولد حرب باردة جديدة، وبداية سباق تسلح بين الدولتين الكبيرتين.. حيث وصلت حدة التوتر إلى درجة تشكيل تجمع شنغهاي، الذي ضم روسيا والصين وثلاث دول من كبرى الدول الإسلامية التي انشقت عن الاتحاد السوفييتي السابق، إضافة إلى انضمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية له بصفة مراقب، وقد بدأ هذا التجمع اقتصاديًا ثم تحول عسكريًا وأصبح يجري مناورات مشتركة، الأمر الذي فسره المحللون بأنه أصبح بديلا عن حلف وارسو الذي كان يواجه «حلف شمال الأطلسي» في عهد الحرب الباردة..
ويعني هذا التخلص وتدمير نحو ١٧ ألف صاروخ نووي استراتيجي عابر للقارات من كلا الدولتين.. ويتركز هذا الخفض بموجب المعاهدة «ستارت ۲ » على الصواريخ الإستراتيجية عابرة القارات التي تُطلق من البر، والتي تشكل عماد القوة الاستراتيجية النووية الروسية والمصدر الرئيس لتفوقها على الترسانة الأمريكية التي تعتمد على الصواريخ العابرة للقارات التي تنطلق من الغواصات.
ولم يصدق المجلس النيابي الروسي على معاهدة «ستارت ۲»، وبالتالي لم تدخل حيز التنفيذ، وساد مناخ التوتر وسباق التسلح لعدم التزام الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش بها إثر إعلان انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة حظر الصواريخ المضادة للصواريخ من جانب واحد، والتي كانت قد أبرمت عام ۱۹۷۲م، وذلك في مجال سعي الولايات المتحدة الأمريكية وإصرارها على مواصلة برنامجها الجديد المعروف باسم «الدرع الصاروخية الأمريكية المضادة للصواريخ»..
وقد وصلت حدة التوتر أقصى مدى لها عندما تم نشر الدرع الصاروخية الأمريكية في دول أوروبا الشرقية، خاصة «جورجيا» المتاخمة للحدود الروسية، مما أثار نزاعًا مسلحًا أدى لقيام روسيا الاتحادية بغزو «أوسيتيا الجنوبية» لقمع حاكم «جورجيا» الذي كان مواليًا تمامًا للولايات المتحدة على حساب علاقته بـ«روسيا» الاتحادية.
كما أدى الانسحاب الأمريكي من معاهدة حظر الصواريخ المضادة للصواريخ إلى أن أعلن الرئيس السوفييتي «فلاديمير بوتين» - في ذلك الوقت - أعلن التخلي عن مخطط تدمير الصواريخ النووية الإستراتيجية، والتي كان مخططًا أن ينتهي بنهاية عام ٢٠١٠م طبقًا لاتفاقية «ستارت 2» ... ولم يكتف بذلك بل أعلن عن برنامج صواريخ متعدد الرؤوس النووية في محاولة لاختراق الدرع الصاروخية الأمريكية الجديدة المضادة للصواريخ !!
ولا شك أن توقيع معاهدة «ستارت الجديدة» لا يعني اختفاء المخاوف والهواجس بين كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية. فقد حذر وزير الخارجية الروسي «سيرجي بيريكوف» من أن روسيا ستحتفظ بحق الانسحاب من معاهدة ستارت الجديدة إذا بدأ التطوير الكمي والنوعي لقدرات الدفاع الصاروخي الأمريكي في التأثير على فعالية القوى النووية الإستراتيجية الروسية.
وعن الدرع الصاروخية الأمريكية يمكن القول: إن هذا المشروع يعتبر تطويرًا وامتدادًا لبرنامج «حرب النجوم» الذي أعلنه الرئيس الأمريكي الأسبق «رونالد ريجان» عام ۱۹۸۳م في مبادرته للدفاع الاستراتيجي ضد الصواريخ، والذي كان يتضمن منظومة معقدة وشاملة ومتعددة الطبقات، تقوم على اعتراض الصواريخ وما تحمله من رؤوس نووية خلال مراحل طيرانها المختلفة، بدءًا من لحظة انطلاقها وأثناء رحلتها الطويلة في الفضاء خارج الغلاف الجوي، وعند دخولها الغلاف الجوي وعودتها إلى الأرض.
ومع المعارضة الروسية الشديدة تحول إلى برنامج للأبحاث ومنظمة الرعاية فكرة الدفاع الصاروخي، وتذليل المصاعب والعقبات - التكنولوجية التي تعترضها بالتعاون مع كل من «بريطانيا» و«فرنسا» و «ألمانيا» و«كندا» و «بلجيكا» و«النرويج»، و«إسرائيل».
ولم يكن قرار توقف العمل في برنامج «حرب النجوم» في الثمانينيات استجابة لاعتراض الاتحاد السوفييتي السابق فقط، ولكن لأنه أشعل سباق التسلح بين العملاقين بالقدر الذي أسرع بإفلاس الاتحاد السوفييتي وتفككه، ثم انهيار «حلف وارسو» أيضًا، حيث تضاعف الإنفاق العسكري إلى ثلاثة أضعاف ووصل مع مطلع ١٩٩٠م إلى حوالي ۸۰۰ بليون دولار تقريبًا، وهو ما يعادل 5% من الإنتاج العالمي، أو ما يعادل كل الإنتاج القومي لدول أفريقيا ودول جنوب آسيا مجتمعة.
ويقوم برنامج الدرع الصاروخية الأمريكية على ثلاث أولويات:
أولها: تطوير نظم دفاعية ميدانية وأسفرت خلال عقد من الزمان عن تطوير لنظام «باتريوت الأمريكي» و «آرو الإسرائيلي» وأنظمة أخرى تحت التطوير، مثل النظام «ثاد»، والليزر المحمول جوًا، و«ميداس المضاد للصواريخ كروز »
وثانيها: تطوير نظام دفاعي وطني ضد الصواريخ، وهو الأصعب تكنولوجيا، ويعتبر إحياء لمشروع «حرب النجوم» الذي تبنته إدارة «ريجان»، وهو البرنامج الذي تبنته إدارة «بوش» والذي تقرر أن تتولى منظمة الدفاع ضد الصواريخ «البالستية» الإشراف على تطويره ونشره بالتدرج من خلال ثلاث مراحل طبقًا لمستوى التهديد، حيث بدأ نشر المستوى الأول فيه عام ۲۰۰۵م بهدف مواجهة عدد محدود من الصواريخ العابرة للقارات البدائية التي تمتلكها دول مناوئة للولايات المتحدة خلال تلك الفترة.
والمستوى الثاني: يتكون من ۱۰۰ صاروخ اعتراضي بهدف مواجهة عدد من الصواريخ العابرة للقارات، والأكثر تطورًا، وتبدأ بنشره عام ٢٠١١م.
أما المستوى الثالث: والذي يعتمد على قواعد أرضية وبحرية وفضائية بهدف مواجهة أعداد كبيرة من الرؤوس المتقدمة تكنولوجيًا.
الهدف من برنامج الدرع الصاروخية الأمريكية: هناك هدف معلن للولايات المتحدة أعلنه وزير الدفاع الأسبق في إدارة الرئيس بيل كلينتون» منذ أربع سنوات يحدد مهمة البرنامج الجديد في «الدفاع عن الولايات المتحدة ضد هجوم محدد بالصواريخ البالستية من إحدى الدول المارقة مثل كوريا الشمالية والعراق وإيران».
أما الهدف الحقيقي وغير المعلن من وجهة نظري فهو... «سعي الولايات المتحدة للحفاظ بتفوق عسكري مطلق يؤكد سيادتها الكونية على البر والبحر والجو والفضاء الكوني، بما لا يسمح لأي من القوى الصاعدة من منافستها في هذا المجال بالقدر الذي يمكنها من الاحتفاظ بمكانتها كقوة عظمى واحدة بلا منازع لعدة عقود قادمة».
قمة الأمن النووي
كان من اللافت تأكيد الرئيس الأمريكي في ختام القمة أن بلاده تعمل على فرض عقوبات مشددة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في التوقيت المناسب.
ولم تجد إدارة الرئيس «أوباما» صعوبة في إقناع المشاركين بما سماه الخطر الجديد الذي يهدد الأمن والسلم العالميين.. وهو تمكن الإرهابيين من الحصول على المواد النووية ولذلك توالت داخل المؤتمر الخطوات لتأمين المواد النووية، فقد أعلنت المكسيك عن خطتها للتخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، كما أعلنت روسيا عن إغلاق آخر مفاعلاتها لإنتاج البلوتونيوم الذي ظل يعمل المدى ٥٢ عامًا، وقد اتفق الحاضرون على عقد القمة المقبلة بعد عامين في كوريا الجنوبية!!
وقد هدف المؤتمر إلى تأمين كافة المواد النووية المكشوفة حول العالم خلال أربعة سنوات، ولكن لم يصدر عن القمة ما يلزم الدول المشاركة بتنفيذ قراراتها، ولكنها ألزمت نفسها بإجراء التنسيق المستمر لبحث سبل التنفيذ حتى تتمكن خلال السنوات الأربع المقبلة من بلوغ الهدف، وهو التأمين الكامل للمواد النووية في العالم!
لواء أ. ح د. زكريا حسين
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل