; شبابنا من رمضان ليوم عرفة.. هدنة مع المعاصي | مجلة المجتمع

العنوان شبابنا من رمضان ليوم عرفة.. هدنة مع المعاصي

الكاتب تسنيم الريدي

تاريخ النشر السبت 27-أكتوبر-2012

مشاهدات 53

نشر في العدد 2025

نشر في الصفحة 48

السبت 27-أكتوبر-2012

·      مطلوب البحث عن أسهل وسائل زيادة الإيمان والمداومة عليها.

·      الصلاة وقراءة القرآن والسيرة النبوية وكتب الرقائق والذكر.. من الأعمال الظاهرة لزيادة الإيمان.

يعاني الكثير من الشباب من محاولة ترك المعاصي لكنهم غالبا ما يعودون إليها، لكن البعض استغل الفترة من شهر رمضان إلى يوم عرفة مرورًا بالليالي العشر الأخيرة من رمضان والأيام العشر الأوائل من ذي الحجة لعقد هدنة مع المعاصي، وذلك في خطوة لهجرها تمامًا.

بداية يقول أحمد (۲۳ سنة): «شخصيتي العصبية سريعة الغضب كانت تتسبب كثيرًا في مشاحنات بيني وبين أمي وتطاولي عليها. وقررت من رمضان أن تكون بداية جديدة لبري بها، وقد احتاج ذلك جهدًا كبيرًا مني خلال شهرين».

وعن صفة أقرب للفتيات عن الشباب تقول ميثة (۲۲ سنة): «رغم التزامي إلا أنني أعاني من داء الغيبة، وكان رمضان فرصة رائعة لمراقبة النفس وللإقلاع عن هذه العادة الخبيثة، وجاءت الليالي العشر للخلوة لعبادة الله عز وجل وترك ما لا يعنيني».

أماح. م (٢١ سنة) فيقول: «في الحقيقة لقد كان ليوم عرفة دور كبير في أني هجرت العادة السرية، فقد جاهدت نفسي جهادًا مريرًا في البداية؛ لأتوقف عنها في رمضان، والآن مع عزيمة قوية وإرادة أقلعت عنها في ٩٠ يومًا».

 وتضيف فاتن: «في رمضان تركت من كنت أحب في سبيل رضا الله، تعب قلبي وحزنت لكنني وقفت على الطاعة، وها قد هلت العشر الأوائل من ذي الحجة، وقد كافأني الله بعلاقة معه -زوجًا- في الحلال».

أيام الرحمات.. ومراحل التوبة

توجهنا إلى الداعية د. خالد أبو شادي والذي يتحدث عن أهمية استغلال رمضان في التوبة وترك المعاصي قائلًا: «يجب أن يستغل الشباب والفتيات شهر رمضان والعشر الأوائل من ذي الحجة لإحياء قلوبهم، فمتى تبرأ الروح من دائها إن لم يكن ذلك في أيام الشفاء، فويل لمن نزل أرض المغفرة ولم يخرج منها بسهم، فويل لمن شهد موسم الأرباح ولم يظفر من الجنة بقصر، وويل لمن حضر سوق الرحمات فنام والسوق ستنفض بعد عشرة أيام».

وعن شكوى البعض من معاودة الذنوب بعد الطاعة يضيف قائلا: من المعلوم أن مراحل الإنسان مع الطاعة أو المعصية هي مراحل ثلاث:

الأولى: مرحلة المجاهدة:

وهي في البدء بالطاعة بعد تراكم الذنوب والمعاصي على القلب، فلا يتسلل النور إلى القلب سريعًا، بل يتخلل طبقات الران ليزيلها واحدة بعد الأخرى، وفيها مشقة، فمعاصي أشهر طويلة لن يزول أثرها في القلب في لمح البصر، بل تحتاج عزما يورث مداومة.

الثانية: مرحلة الإلف والاعتياد:

وهي ثمرة الرحلة الأولى من المجاهدة، حيث يتسلل النور رويدا إلى القلب، وتزول مقاومته، ويتطهر من أغلاله.

 الثالثة: مرحلة التلذذ:

وهي المرحلة المرجوة، ومكافأة من الله لمن ثابر على ترك معصية دام عليها، وهي المرحلة التي أخبر عنها النبي ﷺ: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»، وكلمة السر في هذه المعادلة هي «المداومة»، والمطلوب من العبد في أيام الرحمات أن يغتنم فرصة إقبال القلب على الله وغزو العباد لبيوت الله، فيقطع مراحل واسعة نحو لذة ترك المعصية، وفي هذا يقول ابن القيم: «ولا يزال العبد يعاني الطاعة (مرحلة المجاهدة)، ويألفها (مرحلة الإلف والاعتياد)، يحبها ويؤثرها (مرحلة التلذذ) حتى يرسل الله سبحانه وتعالي برحمته عليه الملائكة تَؤزه إليها أزًّا وتحرّضه عليها، وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها».

خطة عملية لهجر المعصية

ويتفق معه الداعية د. ممدوح رمضان الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز قائلًا: عندما ينقص الإيمان يعاني الإنسان من سوء السلوك، وتبقى المشكلة الحقيقية هي الاستسلام لحالة من الدائرة المفرغة، والتي تهبط بسرعة لأسفل في المعاصي، هذه الدائرة المفرغة، هي كما يلي: قلة طاعة تؤدي إلى نقص إيمان، وتثاقل عن الطاعة، ثم بداية معصية ومداومة على المعصية، والمطلوب هو كسر هذه الحلقة المفرغة بحيث يتم عكس اتجاهها فتسير في حلقة لأعلى، مثلًا عمل طاعة بمجاهدة سيؤدي لزيادة إيمان يؤدي إلى عمل طاعة بهمة يؤدي لمزيد من زيادة الإيمان يؤدي المزيد من الشعور بحلاوة الطاعة يؤدي إلى مزيد الإيمان، وترك المعصية، وهكذا تتحرك الحلقة المفرغة لأعلى، والحكيم من يستطيع وبسرعة أن يكسر الحلقة مرة ثانية بحيث يعيد الاتجاه في الاتجاه الإيجابي.

وسائل المداومة على ترك المعصية

الشيطان لن يتركك، وسيحاول أن يكسر أي حلقة جيدة تبدأها؛ لذلك عليك الاستمرار في أي شيء وجدت حلاوة الطاعة فيه، ولا تتركه أبدًا؛ لأن التوقف عن عمل الطاعات بعد أن تبدأ الحلقة الجيدة في الدوران معناه أنك تترك الفرصة مرة ثانية للشيطان.

من الأعمال الظاهرة لزيادة الإيمان الصلاة وقراءة القرآن وقراءة السيرة النبوية وكتب الرقائق، منها أيضًا أعمال اللسان، وهي أن يكون لسانك لاهثا بذكر الله، أي طوال الوقت الذي لا تتحدث فيه مع أحد تقول الأذكار بلسانك وتجريها على قلبك وتفكر فيها، وهذه الطاعات تجد لها حلاوة في أيام الرحمات في رمضان والليالي العشر والعشر الأوائل من ذي الحجة، وعند النوم تذكر الله حتى الخلود في النوم، وهذا معناه أنك سوف تقول هذه الكلمات البسيطة جدًا عدة آلاف يوميا، سهلة ولا تأخذ جهدًا بدنيًا ومن ميزاتها أنها تقلل التفكير في السيئات والذي يوسوس به الشيطان في القلب، ومن أهم أسرارها أنها تجلي القلب وتنظفه، كذلك المداومة على الصدقة يوميًّا.

والمطلوب البحث عن أسهل وسائل زيادة الإيمان والمداومة عليها والتنقل بينها وبين البعض الآخر، فمن الممكن أن تفكر في خلق الله وملكوته عدة أيام وعدة أيام آخر لسان ذاكر، ثم عدة أيام تفكر في الموت، والأفضل طبعا أن تفعل كله مع بعضه وحسب الأحوال. فمثلًا في البيت يبقى لسانك ذاكرًا دائمًا، وعندما تخرج اجعل التفكر في الخلق حولك، ولما تمر بجنازة تفكر في الموت لعدة ساعات بعدها، وسهل التبديل بين هذه الوسائل حسب حالتك النفسية.

 وأنت أرحم الراحمين

مما ينبغي أن يُعلم أحبتي أن الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه وشقت عليها، هذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك، ولهذا إخوتي كان من تمام رحمة أرحم الراحمين تسليط أنواع البلاء على العبد، فإنه أعلم بمصلحته، فابتلاؤه له وامتحانه ومنعه من كثير من أغراضه وشهواته من رحمته به ولكن العبد بجهله وظلمه يتهم ربه بابتلائه، ولا يعلم إحسانه إليه بابتلائه وامتحانه.

وقد جاء في الأثر: «إن المبتلى إذا دُعي له اللهم ارحمه، يقول الله سبحانه: كيف أرحمه من شيء به أرحمه؟»، وفي أثر آخر: «إن الله إذا أحب عبده حماه الدنيا وطيباتها وشهواتها، كما يحمي أحدكم مريضه»، فهذا من تمام رحمته به لا من بخله عليه.

ومن رحمته عز وجل بعباده أن ابتلاهم بالأوامر والنواهي رحمة وحمية، لا حاجة منه إليهم بما أمرهم به، فهو الغني الحميد، ولا بخلا منه عليهم مما نهاهم عنه، فهو الجواد الكريم.

ومن رحمته سبحانه، أن نغص على عباده الدنيا وكدرها لئلا يسكنوا إليها، ولا يطمئنوا إليها، ويرغبوا في النعيم المقيم في داره وجواره فساقهم إلى ذلك بسياط الابتلاء والامتحان، فمنعهم ليعطيهم وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم، ومن رحمته بهم أيضا أحبتي في الله، أن حذرهم نفسه لئلا يغتروا به، فيعاملونه بما لا تحسن معاملته به، فكما قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (آل عمران: 28).

وكيف يسلم الإنسان من له زوجة لا ترحمه وولد لا يعذره، وجار لا يأمنه وصاحب لا ينصحه ، وشريك لا ينصفه، وعدو لا ينام عن معاداته، ونفس أمارة بالسوء، ودنيا متزينة، وهوى مرد إلى المهالك، وشهوة غالبة له، وغضب قاهر وشيطان مزين، وضعف طاغ عليه؟ فإن تولاه الله وجذبه إليه انقهرت له هذه كلها، وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه اجتمعت عليه، فكانت الهلكة والعياذ بالله فنسأل الله السلامة.

علاء صالح سعد

الرابط المختصر :