; حقيقة الموقف الأمريكي حيال مسألة الصومال | مجلة المجتمع

العنوان حقيقة الموقف الأمريكي حيال مسألة الصومال

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1993

مشاهدات 93

نشر في العدد 1032

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 05-يناير-1993

التدخل العسكري في الصومال: مهمة إنسانية أم عودة للاستعمار؟

تساؤلات حول التدخل العسكري في الصومال

لا شك أن هذا التساؤل يدور في أذهان الغالبية العظمى من الناس، وخاصة في عالمنا العربي والإسلامي، هذا العالم الذي لا زال يحاول الخروج من دائرة الاستعمار الثقافي بعدما أنجز في معظمه استقلاله السياسي، ولما كانت السياسة الغربية في علاقاتها مع دول المنطقة مبنية على ما هو متعارف عليه بمنطق المصلحة، أي مصلحة دول الشمال «الغربي الصناعي»، فإن الشكوك تظل أقوى من احتمالات دعاوى الأبعاد الإنسانية لهذه الحملة العسكرية الأمريكية- الأوروبية للصومال.

 

لا شك أن هناك مسلمات أولية لا تختلف عليها تحليلات المتابعين لما يجري في الصومال، وهذه المسلمات يمكن أن نعرضها، ولا نجد من يجادل فيها، كإشكاليات كان لا بد لها من مبادرات وحلول، وهي:

 

1.    المجاعة وضرورة إيصال الأغذية إلى الجائعين.

 

2.    الحرب الطاحنة الضروس بين القبائل المتنازعة على السلطة، وتباعد فرص الحل السلمي بينها.

 

3.    غياب حكومة قوية قادرة على فرض سيطرتها على الجميع.

 

4.    عدم إمكانية نجاح قوافل الإغاثة بسبب عمليات النهب وقطع الطريق.

 

5.    ضحايا الجفاف والقحط وحتمية وصول الإمدادات.

 

في ظل هذه الأوضاع المأساوية القاتلة كان لا بد من عمل خارجي؛ إذ إن الأحوال الداخلية المتردية تجاوزت حسابات الحد الأدنى للمشاعر الإنسانية، ذلك الحد الذي يفصل بين أحاسيس البشر ذات السمات الحضارية، وغلواء عالم الحيوان؛ حيث لا رحمة ولا شفقة.

 

لقد وقف العالم مشدوهًا يرقب ويتطلع حينًا ويتفاعل - بعض الأحيان- عندما تتعدى مشاهد المأساة خط المشاعر الإنسانية؛ حيث المئات بل الآلاف تموت جوعًا وعطشًا، أو يتخطفها رصاص المتحاربين، دونما جنائز أو رحمات!!، ولكن هذا التفاعل ظل دون مستوى المطلوب عمله أو التحرك لأجله.

 

هذا المشهد البالغ في مأساويته كرسته أو بالغت فيه - إلى حد ما - وسائل الإعلام الغربية إلى درجة جعلت كل واحد في هذا العالم يشعر بعذابات الضمير، ويتساءل أليس لهذا الليل من آخر؟!

 

هذه «الدراما» الإنسانية الحالية ظلت تستجيش الضمائر، وتحرك القلوب بالوجيب على مدار عام أو يزيد، ولكن دون

رؤية لمخرج أو أمل في سبيل الخلاص؛ حيث غدا الحال على شفا جرف هار، تعطلت عنده لغة الكلام، وصارت النجاة تحتاج إلى معجزة خارقة وتضحيات عزيزة.

 

الغرب: ظاهرة إنسانية أم مرايا إعلامية؟

ركزت وسائل الإعلام الأمريكي في تغطياتها الصحفية والتلفزيونية على مساحات البؤس القاتل والمجاعة المرعبة، ونقلت مسارح الاقتتال البشع بين القبائل المتناحرة بهمجية القرون الحجرية، وكانت تغلب على هذه الصور والمشاهد معالم الهياكل البشرية المتحركة؛ طلبًا للطعام والكساء والحماية والأمان، وظلت هذه المشاهد والمتابعات تذكي مواجع الإنسان وتشحن مشاعره ووعيه بطاقة للتحرك والفعل لأكثر من عام، ولكن دون أن تكون هناك - للأسف - نجدة عربية أو هبة إسلامية أو إغاثة دولية!!، فالعالم يبدو أنه قد تبلد فيه الإحساس، وتشاغلت دولة بهمومها وأزماتها فلم يعد أحد هناك يتطلع خارج مساحاته الإنسانية والجغرافية.

 

وإذا كان شرق العالم الإسلامي – مع ذلك بعد كل ما حدث - غافلًا وغير مكترث بما يجري حوله في الصومال، فإن أوروبا والعالم الغربي بأسره كانت معذورة في تغافلها وادعاء تشاغلها بما يحدث في بوسنة البلقان، وإذا كانت مشاهد صور الأحياء المتحركة بهياكلها والجاحظة بعيونها تبحث عن غذاء، لم تجد لها نجدة عربية إسلامية على مستوى المأساة، فإن مشاهد الذبح والإبادة ومعسكرات الاعتقال الجماعي، واغتصاب الحرائر بالآلاف، واستغاثة ما تبقى من شعب البوسنة المسلم كانت تستصرخ الأحياء؛ ليخرجوا من هياكلهم، ويروا همجية الحضارة الأوروبية برغم وقوفها على مشارف القرن الحادي والعشرين، هذه الصورة الكلية التي انطلقت من خلالها ظلال الشك والتساؤل حول مهمة التدخل الأمريكي العسكري بهذه الأعداد الكبيرة «38 ألف جندي» للصومال، ولماذا الصومال وليس بوسنة البلقان؟، ألم تسبق إلى أسماع العالم فظائع الصرب وحملات الإبادة الجماعية للبوسنيين، وهجراتهم الكبيرة إلى الأقطار المجاورة هربًا بأنفسهم وأعراضهم من الذبح والاغتصاب؟

 

لماذا الصومال وبوسنة البلقان لا تقل في بلوائها عنه، بل هي أشد وأنكى في مصابها ومأساتها؟

 

لماذا الصومال وبوسنة البلقان تجاوزت جرائم الصرب فيها حدود الخيال؟

 

وإذا كانت الصومال قد شهدت نجدة وهبة أمريكية وأوروبية، فلماذا لا تتحرك قطاعات من هذه الحملة الكبيرة - وهي قادرة على إمكانياتها - لعمل إنساني آخر؟!

 

في ظل هذه المعطيات والمقارنات ومحاولات الربط والتحليل، تنتهي القناعات إلى حد القول بأن الظاهرة الإنسانية للغرب هي في محل تساؤل، وتتقدم الشكوك حول انعكاسات المشاهد في مرايا الإعلام الغربي، وكأنه كان يحضر لمرحلة قادمة، ويحاول - بدهاء - أن يؤسس لعالم جديد، تخلو فيه النبرة الاستعمارية من لغة العدوان ومفاهيم الاحتلال!

 

التدخل الأمريكي: مهدئ أم محرك لاستعماريات خامدة؟

في افتتاحيتها التي نشرتها صحيفة «الإندبندنت» البريطانية في عددها الصادر في 10 ديسمبر الماضي، أشارت إلى التدخل العسكري الأمريكي بأنه «عملية ضخمة وخطيرة ولا مثيل لها، وسيكون لها تأثير عميق في سبل، بل واحتمالات، توزيع النفوذ الأمريكي في العالم بعد أفول نجم الشيوعية، وسيولد النجاح في التجربة ثقة تحفز على تكرارها، وإذا أخفقت فإن الفشل سيشجع أصواتًا قوية أصلًا تدعو إلى الانعزال، إن التجربة الصومالية ستمهد الطريق لما سيحدث في العقد المقبل».

 

لا شك أن عقابيل هذه التدخلات الأمريكية في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة ستكون لها انعكاسات على رؤى القوى، التي انسحبت من مسرح الأحداث الدولية، وانشغلت بأزماتها وبناء اقتصادياتها؛ لكي تعيد النظر في حساباتها السابقة، وقد تشجعها النجاحات الأمريكية في الصومال إلى معاودة الإطلال بأثوابها الاستعمارية، ولكن بمسوح إنسانية.

 

إن شواهد بداية المراجعات هي تحرك القوات الألمانية والإيطالية والفرنسية والتركية؛ لتأخذ كل واحدة منها قسمتها من

الثروة والأرض، حتى إذا ما تم إعادة ترسيم جغرافيا الحرب الكونية الأولى والثانية، فإن خطوط التقسيم لا بد وأن تحتضن بعضًا من هذه الأعلام الاستعمارية الجديدة.

 

ففي رده على المقولة التي يتداولها البعض في الغرب، من أن التدخلات الأمريكية منذ عام 1917 وحتى الآن كانت وراءها قيم أخلاقية ودوافع إنسانية، وليس فقط المصالح الذاتية لأمريكا، يقول كيسنجر في صحيفة «هيرالد تربيون» بتاريخ 14 ديسمبر:

«تقاتل في أماكن لا توجد لها فيها مصالح استراتيجية»، وإذا كانت هذه هي الحقيقة التي لا يختلف عليها الكثير من الناس، فإنه يمكننا أن نتفهم لماذا كانت الصومال وليس بوسنة البلقان، فالقرن الأفريقي يقع في محيط كبير تجري فيه تحولات كبيرة، تشكل في مجموعها خطرًا - يراه الغرب - إذا ما تم التغافل عنها وتركت حتى تتكامل فيما بينها، ولعل هذا - أيضًا - ما أشار إليه هنري كيسنجر في مقالته السابقة؛ حيث قال: «بأنه في عالم الجيوبولتيك التقليدي لا يوجد الآن هناك خطر عاجل يمكننا في الغالب قياسه، ولكن يبقى هناك الخطر التاريخي الناتج عن مجموعة التحولات التدريجية للإطارات الأمنية من خلال سلسلة من الخطوات المتراكمة، والتي لا تعطي أحداثها الفردية إشارات بأنها تشكل أخطارًا عظيمة، كما كان يلاحظ خلال فترات الحرب الباردة.

 

الخطر التاريخي: صعود الإسلام وتداعياته الجغرافية

وهذه التحولات لا تخرج عن المسار العام المتصاعد في المنطقة الإسلامية عامة والعربية على وجه الخصوص، وهي موجة التحول إلى الإسلام، والتي تمخضت عن قيام دولة في السودان وإرهاصات لقيام مثلها في اليمن، وتتعالى نداءات المطالبة بالإصلاح في المنطقة بأسرها، وحسب تقديرات المتابعين الغربيين للظاهرة الإسلامية، فإن نهاية هذا العقد ستشهد قيام عدة جمهوريات إسلامية.

 

وإذا نظرنا للصومال سياسيًا وجغرافيًا، فإننا نلحظ أنه يحظى بمكانة استراتيجية، ولذلك كان التنافس عليه دائمًا بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، فعندما انهار حكم سياد بري وجاء الإسلاميون للحكم، بدأت تتغير حسابات الغربيين وتتزايد مخاوفهم، وخاصة بعد سقوط منغستو هايلي مريام وقيام حكم جديد بالحبشة على علاقة طيبة بالسودان، مما يعني إمكانيات حدوث تمددات تحالفية في هذا الجزء الأفريقي، وانتفاء الصراعات فيه، الأمر الذي يعزز من حركة الإسلام وانتشارها في المنطقة بأسرها؛ لذلك يمكن تفهم أقوال السفير الأمريكي السابق بالصومال «دونالد بيترسون» بأن انحراف الصومال يمكن أن يخلق صعوبات ضخمة ومهمة للمصالح الأمريكية في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا.

 

فهل كانت هذه التحولات بعد سقوط سياد بري العلماني هي بمثابة «الانحراف»، الذي يتطلب هذا الحجم من التحرك؟!

 

من يدري، ولكن الذي لا خلاف عليه بأن هذه المنطقة هي محطة جغرافية استراتيجية حيوية، باعتبارها مطلة على البحر الأحمر الذي تمخر فيه ناقلات النفط العملاقة، وتعتبر الشريان الحيوي للغرب وللولايات المتحدة خصوصًا، فهل هذا هو السبب؟!

 

البعض يقول: إن المشكلة أكبر وأعقد، وأن الأهداف لا تقتصر على مجرد إطعام الجوعى من الصوماليين، بل هي عملية سياسية استراتيجية أهدافها غير المعلنة تتجاوز الصومال إلى منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر!

 

خاتمة: الصومال محك النظام العالمي الجديد

على أية حال، إن الأبعاد الإنسانية للحملة العسكرية لا زالت هي التي تشد انتباه الناس، وأن الشهور القادمة - وبعد تسلم الإدارة الأمريكية الجديدة لزمام الأمور في العشرين من يناير القادم - هي التي ستحكم على مرئيات وتحليلات السياسيين، وأن امتداد الحملة العسكرية الأمريكية إلى مناطق أخرى كالبوسنة قد يعطيها بعض المصداقية، ويرفع عنها عوادي القول بأنها مهمة استعمارية جديدة، وحتى تتضح الخطوة القادمة لهذه الحملة تبقى الشكوك قائمة.

 

إن الصومال اليوم هي المحك الحقيقي للنظام العالمي الجديد، فإما أن تتحسن نظرة الناس إليه، وتتعزز طروحات الداعين له، أو تتآكل دعاوى المنادين به والمؤيدين له، وتنكشف بذلك حقيقة ما نحن بصدد الانسياق إليه، مرحلة استعمارية جديدة تتمخض في المهد، وتخفي نواياها وأطماعها بثوب إنساني يشف عما تحته.

 

 



 


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل