العنوان العدوان الثلاثي: صفحات من دفتر الذكريات (٤٧)
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-1995
مشاهدات 78
نشر في العدد 1149
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 09-مايو-1995
شيء عجيب وأمر غامض حيرني، هو أن عام ١٩٥٦م قد وقع فيه العدوان الثلاثي بالهجوم الغادر لجيوش بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر، وكثيرون ظنوا أنهم قصدوا القضاء على النظام الناصري وإنهاء وجوده.
وآخرون يقولون إنه قصد به احتلال القناة وسيناء لفرض حلول معينة تمكنهم من الإشراف على قناة السويس وإعطاء إسرائيل حقوقًا في سيناء وخليج العقبة، فضلًا عن أن تصبح إسرائيل إحدى الدول صاحبة الحق في الإشراف على القناة واستعمالها.
إن هذا العدوان لم ينجح في هذين الأمرين كما كان المتآمرون يظنون بسبب اعتراض الدولتين العظميين أمريكا وروسيا، واللتين استخدمتا مجلس الأمن لإلزام الدول الثلاثة المعتدية بالانسحاب المهين ليفوز كلاهما بتحقيق هدف استراتيجي من أهداف الاستعمار الجديد، ويعتبر ذلك في نظر المؤرخين تحولًا من أساليب الاستعمار التقليدي (البريطاني والفرنسي الذي كان يستعمل الغزو والاحتلال وسيلة لتحقيق مصالح سياسية ومالية وعسكرية وحل محله عصر الاستعمار الجديد الذي تمثله أمريكا وروسيا)، الذي يستغني عن تلك الأساليب العتيقة ويستعمل بدلًا منها وسائل الضغط الاقتصادي والسياسي لتحقيق نفس الأغراض... أي السيطرة على الشعوب واستغلالها.
كان المفهوم من تسلسل أحداث ذلك العام كما عرضها السيد السفير «فتحي الديب» أن مشاركة فرنسا في هذا العدوان كان له هدف واضح، وهو الضغط على النظام الناصري لوقف المساعدات التي تقدمها مصر حكومة وشعبا للمقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي.
لذلك كنت أتوقع من السيد السفير أن يعطي هذا العدوان الثلاثي ما يستحقه من الاهتمام. وأن يشير إلى أسبابه ومقدماته وأهدافه ونتائجه المباشرة وغير المباشرة فيما يختص بموقف الحكومة المصرية ومخابراتها من قضية الجزائر.. لكنه لم يفعل...
التفاهم مع المخابرات الفرنسية:
من الواضح أن الحكومات الثلاث المعتدية قد رتبت لعدوانها وأعدت له عدته خلال فترة طويلة قبل وقوعه في منتهى الكتمان والسرية.
ووقعت بينهم مفاوضات وتفاهمات لتحديد دور كل منها ونصيبها من النتائج التي كانوا يريدون الوصول إليها.. ومن أولى هذه النتائج في نظر فرنسا هو محاصرة الشعب الجزائري وقطع صلته بالشرق الذي تربطه به أصالته القومية والإسلامية ومواصلة تنفيذ مخطط طويل المدى لاقتلاع الأصول الإسلامية من الجزائر، بل ومن العالم العربي كله إن أمكن باعتبار أن هذه الأصول في نظر فرنسا كانت مصدر المقاومة البطولية للاحتلال الفرنسي في الجزائر وشمال إفريقيا منذ غزوها لتلك البلاد وأنها كانت منبع الحركات الوطنية الأصيلة في المغرب والجزائر وغيرهما.
يظهر أن المخابرات الناصرية قد فوجئت بهذه الحملة العسكرية الثلاثية التي اتفقت عليها دول ثلاث ورتبت لها ترتيبًا دقيقًا، ولكن السيد «فتحي الديب» ومخابراته وأصدقاؤه كان عليهم بعد انتهاء هذا العدوان أن يراجعوا الوقائع السابقة عليه والتي كانت في الحقيقة تمهيدًا له مر عليهم في وقته دون أن يدركوه أو يشعروا به لأن خبرتهم بالمؤامرات الاستعمارية كانت معدومة، وكانوا مبتدئين في شئون السياسة والمخابرات أيضا، ثم إنه نشر كتابه لأول مرة في عام ١٩٨٤م، ثم أعاد طبعه ۱۹۹۰م، وبذلك كان عنده وقت كافٍ لتعميق أفكاره واستكشاف حقيقة الوقائع التي سردها في كتابه نقلًا عن أرشيف مكتبه الذى كانت وثائقه سابقة على العدوان أو معاصرة له.
كان هدف فرنسا من العدوان الثلاثي محاصرة الشعب الجزائري وقطع صلته بجذوره العربية والإسلامية.
إنه لم يفعل شيئًا، بل إنه يصر على تجاوز هذا العدوان ومر عليه مرور الكرام، ولا أعتقد أن ذلك كان إهمالًا أو سهوًا، بل إنه في نظري كان كرمًا مقصودًا نتيجة لما توصلت له المخابرات المصرية والفرنسية بعد العدوان الثلاثي من تفاهم على مواصلة التنسيق بينهما، بل إن هذا العدوان نجح في إقناع الناصريين بالتعاون مع المخابرات الفرنسية في سعيها لاستبعاد العناصر الوطنية والإسلامية الأصيلة من مجال العمل الوطني في الجزائر.
وقد أشرنا إلى أن سيرهم في هذا الاتجاه كان في بدايته لأهداف حزبية وقتية أو طموحات شخصية للزعامة والسيطرة.. لكنه أصبح في مرحلة من المراحل خطة استراتيجية للناصريين وغيرهم من النظم التي تتجه نحو اللاتينية ومعاداة الإسلام في كثير من بلادنا ... لقد وقع الهجوم الثلاثي المشترك صباح يوم ١٩٥٦/١٠/٢٩م وكل ما خصصه «السيد فتحي الديب» لتلك الحملة العسكرية الغادرة من الدول الثلاث لا يتجاوز سطورًا معدودة، مكتفيًا بالقول بأنه: «رغم الارتباط الكبير والمعترف به بين العدوان الثلاثي الغادر وموقف مصر من دعم ثورة الجزائر إلا أنني آثرت ألا أخوض في تفاصيل وتسلسل أحداث وحقائق العدوان مكتفيًا بما كشفه العديد من الكتاب المعاصرين وتأكيدهم على الارتباط والتآمر الواضح والدوافع الرئيسية للإقدام عليه».
إنني لا أصدق ادعاءه بأن سبب عدم كلامه عن علاقة هذا العدوان بموقف مصر من تأييد ثورة الجزائر هو وجود كتب أخرى كتبها معاصرون عن هذا الموضوع، بل إن السبب الحقيقي في نظري هو أن سياسة المخابرات الناصرية في التنسيق مع المخابرات الفرنسية ضد الاتجاه الإسلامي وضد حزب الشعب الجزائري استمرت وأنهم قرروا التجاوز عن آثار هذا العدوان، بل اعتقد أن التنسيق قد زاد وتأكد لأن القضاء على الاتجاه الإسلامي كهدف مشترك كان أهم عندهم من الخلاف الذي أدى لهذا العدوان. وهذا يدل في نظري أن العدوان إذا كان قد فشل في احتلال قناة السويس فإنه نجح في دفع الناصريين لمزيد من التنسيق مع السياسة الفرنسية المعادية للإسلام والحركات الوطنية الأصيلة.
أدلة التنسيق:
وعندي أدلة على ذلك فيما ورد في كتاب السيد فتحي الديب. أشير إلى أهمها بإيجاز شديد:
١– في نفس الصفحة التي أشار فيها إلى فشل العدوان الثلاثي، بسطر واحد (ص ۲۸۱) يورد نصًا كاملًا لترجمة خطاب مؤرخ ١٩٥٦/١٢/١٧م وصله من السيد «أحمد بن بيللا»، وقال: «إنه سرب إليه بواسطة أحد الرسل الذي تمكن من تهريب الخطاب».
لهذا الخطاب المهرب، ترجمة مكونة من أربع صفحات بالعربية في كتابه (ص ۲۸۱ إلى ص ٢٨٥) في حين أن نصه الأصلي بالفرنسية المنشور في ملحق الوثائق يملأ خمس صفحات كاملة (ص ٦٦٨ إلى ص ٦٧٢)، ويهمنا الآن من هذا الخطاب إشارته إلى حسن معاملة السلطات الفرنسية لهم عقب اعتقالهم، فذكر في ص (۲۸۳) أنه رغم كل التهديدات التي وجهت إليه فإنه يعترف بأنهم لم ينفذوا هذه التهديدات أبدًا ولم نعذب إطلاقًا اللهم إلا من الناحية المعنوية.
وفي نهاية الخطاب (ص ٢٨٥) يعود لتأكيد حسن نيات الفرنسيين بقوله: لا شيء ينقصنا، فلدينا الصحف يوميًا ونتمتع بنظام المعتقلين السياسيين بالكامل ونحن على اتصال بإخواننا خارج فرنسا في تونس - طرابلس وإسبانيا، ونظرًا لسهولة الاتصال نرغب في مداومة الاتصال معكم لتستشيرونا في جميع المشاكل الأساسية التي ربما تطرأ في المستقبل....
هذا هو كلام «بن بيللا» الذي قامت الشعوب العربية كلها منزعجة من حادث اختطافه وتعاونت جميع عناصرها لإنقاذ حياته هو وزملائه المخطوفين والآن يسجل حسن معاملة الفرنسيين لهم عقب العدوان الثلاثي.
رغم ادعاء المخابرات المصرية بأن هذا الخطاب المطول كان مهربًا بواسطة أحد رسلهم، فإنه لم يكن يجوز له أن يستبعد أن هذا الرسول كان عميلًا مزدوجًا وأن الاستخبارات الفرنسية شجعت بن بيللا على كتابة خطاب بهذا الأسلوب المطول المفصل، وأنها علمت به فأقرته وسهلت وصوله إليهم ليكون عربون تفاهم بين الطرفين في المستقبل.
أرجو من القارئ أن يلاحظ أن هذا الخطاب كتب وأرسل بعد شهر ونصف فقط من العدوان الثلاثي الذي يشير الخطاب إلى أنه وقع قبل مضي أسبوع واحد بعد القبض عليهم.
لم تقتصر سياسة المهادنة والتقارب بين المخابرات الفرنسية والمصرية على هذا الخطاب، بل صاحب ذلك وقائع قبله وبعده تؤكد هذا التقارب، وسنتابع ذكر ما ورد منها في كتاب السيد فتحي الديب.
2- يورد سيادته ملخص مذكرة رفعها لرئيسه عبد الناصر في شهر نوفمبر ١٩٥٦ م بعد أسبوعين فقط من العدوان الثلاثي (ص ۲۸۷) يقترح فيها اتخاذ موقف ملاينة مع السلطات التونسية والمغربية (المتهمة بالمشاركة في عملية اختطاف طائرة بيللا)، حيث يقول إننا نرى عدم التعريض بموقفهما في الوقت الحالي على أن نقوم سرًا بتقوية المعارضة في كلا البلدين (ص ۲۸۸) ثم يؤكد ذلك مرة أخرى (ص۲۹۰) بقوله: «إنه يرى تفادي الصدام بالسلطات المراكشية والتونسية في الظروف الحالية...»
والسبب في ذلك في نظرنا أن هذه السلطات التي يتهمها بأنها ساهمت في عملية الاختطاف كانت تقوم بدور الوساطة بين المخابرات الفرنسية والناصرية.
3- اقترح سيادته في مذكرته المشار إليها في بند ۷ ص ۲۹۰ تركيز أجهزة الإعلام المصرية على مهاجمة السلطات الاستعمارية الفرنسية مع عدم التعرض للشعب الفرنسي، والتنويه بموضوعية وواقعية العناصر الفرنسية (اليسارية) المتحررة التي بدأت تنادي بمنح الجزائر حقها في تقرير مصيرها.
كان هدف هؤلاء الوسطاء اليساريين هو الحصول على تأييد المخابرات المصرية في خطتهم لترويج المذاهب اليسارية كبديل للاتجاه الإسلامي، ومشاركتها لهم في اقتلاع أصول التيار الإسلامي من الجزائر مقابل الاعتراف لشعب الجزائر بحق تقرير المصير، بشرط السير نحو الفكر الاشتراكي والابتعاد عن الاتجاه الإسلامي، أي أن الثورة تتحول نحو تحرير الجزائر من الإسلام بدلًا من تحريرها من الاستعمار، وبمقتضى ذلك تعاون الناصريون مع فرنسا لتحقيق هذا الهدف المشترك.
أعتقد أن كثيرين من القراء يرى معي بداية هذه الاستراتيجية التي ما زالت تنفذ حتى اليوم، بل تلتزم بها كثير من مراكز القوى في الداخل والخارج في أنحاء كبيرة من العالم العربي، وما يحدث في الجزائر الآن ليس إلا ثمرة لها وتأكيدا للتنسيق مع السياسة الفرنسية على العموم، وهو ما يذكره السيد فتحي الديب - وإذا كان هو ونظامه الناصري قد ذهب، فقد جاء بعدهم من هو أقدر منهم على مواصلتها.
٤– إن المقاومة الجزائرية كانت حتى ذلك الوقت وما زالت تسير في اتجاه الأصالة العربية الإسلامية، وقد أشار لذلك في (ص ۲۹۱) من اجتماع قادة الكفاح المسلح بالجزائر في ١٩٥٦/١٢/١٥م وتمسكهم بأن تكون الجزائر دولة عربية إسلامية.
5- لكن فرنسا استطاعت أن تستغل العناصر اليسارية لتوجيه المخابرات المصرية للفصل بين الإسلام والعروبة أولًا، ثم ربط العروبة بالاشتراكية المعادية للإسلام، والتعاون معها في اقتلاع الأصول الإسلامية للشخصية الجزائرية، وبدأت مرحلة تنسيق ثلاثي بين الاستعمار والاشتراكية والناصرية.. كما سنري.
ولا شك أن الاتجاه الناصري للتعاون مع الكتلة السوفييتية كان له دور كبير في هذا التنسيق والتعاون بين السياسة الفرنسية والسوفييتية (الاشتراكية) والناصرية.
لكني أرى أنه لا يجوز مطلقًا الظن بأن إسرائيل لم يكن لها مصلحة كبرى في هذا التنسيق.. بل إنني أعتبرها الطرف الرابع هذا الاتجاه، وذلك من خلال السياسة الأمريكية.