العنوان المغرب: تحديات التيار الإسلامي في فجر القرن الحادي والعشرين
الكاتب أحمد العلمي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1999
مشاهدات 247
نشر في العدد 1363
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 17-أغسطس-1999
بهزيمة ١٩٦٧م وبسقوط المسجد الأقصى في أسر اليهود تساءل الشباب الإسلامي: هل إلى خروج من سبيل؟
تأثرت الحركة الإسلامية المغربية بالأفكار والشخصيات الإسلامية وفي مقدمتها الإخوان المسلمون.
العمل السياسي الإسلامي بالمغرب يحتاج إلى مركز للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية في ميادين الاقتصاد والثقافة والاجتماع.
من شروط ارتقاء الحركة الإسلامية تفعيل قنوات الحوار الداخلي والبحث عن الأصلح دون إقصاء أو استعلاء.
خلال المرحلة الاستعمارية التي امتدت في المغرب الأقصى من بداية القرن العشرين إلى منتصفه (۱۹۱۲م - ١٩٥٦م) كانت رموز المقاومة العسكرية والسياسية تتبنى المرجعية الإسلامية باستثناء بعض قادة «حزب الشورى والاستقلال» الذين كانوا يقولون: «إن أول دستور للدولة المغربية الديمقراطية المستقلة يجب أن ينص على أن الدولة لائكية، وإننا حزب ديمقراطي سياسي لا ديني» (1).
من الشيخ محمد مصطفى ماء العينين (۱۸۳۱ م - ۱۹۱۰م) إلى الأستاذ علال الفاسي (۲) (۱۹۱۰م - ١٩٧٤م)، مرورًا بالأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي (١٨٨٦م - ١٩٦٢م)، وأبي شعيب الدكالي (۱۸۷۸م - ۱۹۳۷م)، ومحمد بن العربي العلوي (١٨٨٥م - ١٩٦٤م) وغيرهم، كانت السلفية والوطنية وجهين لعملة مغربية واحدة.
وخلال التواجد الإسباني الفرنسي في المغرب، تم تكوين نخبة صغيرة من المغاربة، تؤمن بأوروبا، وتم تشويه نظام التعليم على يديها يجعله ذي رأسين ديني وعصري، وأدخل خريجو القرويين وعلماؤها إلى متحف التاريخ شاهداً على ماض انتهى أو يجب أن ينتهي، إما لعجزهم عن إحداث تفاعل كامل وحي بين الوحي والواقع أو لانحصار همهم العلمي في مدونات ومنظومات فقهية ونحوية، وقد وصل التآمر على جامعة القرويين من الخارج إلى عمقها.
وما إن تم إعلان الاستقلال المقسم للمغرب الأقصى حتى بدا واضحًا أن الذين قبلوا بذلك النوع من الاستقلال كانوا في غالبهم ممن شكلوا فيما بعد أحزاب اليسار أو أحزاب الإدارة المخزنية «المركزية الحكومية» المتعددة الألقاب، وهم في مجموعهم وجهان متكاملان للعمل الفرنسي في المغرب.
وقد تحكم هؤلاء في إدارة المغرب وتعليمه وإعلامه، وتضافرت جهودهم في السلطة والمعارضة، في عملية التجزئة واستلاب الهوية وستكتفي في هذه المقدمة بالإشارة إلى أهم ما استطاعوا تحقيقه في مشروعهم «التنويري التغريبي».
1- تأجيل الحسم الشعبي في مسألة الوحدة الترابية للمغرب إلى أن تمت عرقلة الأمر، حتى صار مشكلة مزمنة.. والخبير بتفصيل المغرب يعي ما نقول.
٢- إيقاف لجنة تدوين الفقه الإسلامي عند حدود «الأحوال الشخصية» ومنعها من متابعة عملها في باقي المجالات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من مجالات الحياة المتجددة (۳).
٣- وأد فكرتي تعميم التعليم وتعريبه بشكل يجعلهما من أعظم مطالب المصلحين في مغرب القرن الحادي والعشرين.
٤- حرمان الشعب المغربي، غداة الاستقلال المبتور وبعده من جمعية تأسيسية ثبت في أموره المستقبلية الكبرى.
٥- تهميش «العالم القروي» صاحب الثقافة الإسلامية الأصيلة، وإبقاؤه في دوائر الفقر والمرض والجهل.
٦- جعل موظفي الأوقاف والشؤون الإسلامية من الأئمة والخطباء والمؤذنين وعمال المساجد، في أسفل السلم الاجتماعي والوظيفي بالمغرب إلى درجة يستحيي القلم من ذكر تفاصيلها.
٧- التبشير بالإلحاد ومدارسه الفكرية في برامج الفلسفة وبخاصة خلال الستينيات والسبعينيات.
٨- تأسيس إعلام يبشر سياسيًا بالرأي الواحد الأوحد، واجتماعيًا بقيم المجتمع الاستهلاكي الأمريكي والفرنسي، ولغويًا بالفرنسية.
ميلاد التيار الإسلامي المغربي المعاصر
نتجت عن تلك الكوارث الثماني اختلالات هيكلية بنيوية في طبيعة الفرد والأسرة والجماعة المغربية وشخصيتهم التاريخية، وضعف الوازع الديني وتعددت مظاهر الفساد والانحلال، وكان من أصداء تلك الحالة أن قال الملك الحسن في درس ديني رمضاني أمام العلماء في مطلع الستينيات «إذا نحن بقينا على هذا النحو الذي نسير عليه» وإذا بقيت تعاليم الإسلام مهملة وإذا بقي التعليم الإسلامي مهملًا، فسوف يحق علينا قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾. (الحشر: 19) لذلك قررنا أن تصدر أمرنا بمجرد انتهاء هذه العطلة بإقامة الصلوات رسميًا في جميع المدارس الموجودة في المملكة المغربية ابتدائية كانت أم ثانوية أم عالية، وسوف يكون مسؤولًا عن تنفيذ هذا القرار وزير التعليم أولًا والمديرون ثانيًا (٤).
ومع هزيمة الأنظمة العربية أمام إسرائيل في يونيو ١٩٦٧م. وسقوط المسجد الأقصى المبارك في الأسر، ازداد الأمر سوءًا، وبدأ بعض الشباب يتساءل: هل إلى خروج من سبيل؟
ومع وصول المجموعات الأولى لجماعة الدعوة والتبليغ الهندية وتداول بعض كتب سيد قطب والمودودي وأمثالهما، بدأ الحديث عن عمل إسلامي منظم يسمع هنا وهناك في المغرب وهو يودع العقد السادس من القرن العشرين.
خريطة الحركة الإسلامية المغربية
وفي مطلع السبعينيات، وبعد نجاة المغرب من محاولتين انقلابيتين عسكريتين (١٠/٧/١٩٧١ و١٩/٨/١٩٧٢م) كان مشهد العمل الإسلامي في المغرب ملخصًا في الصورة التالية:
١- على صعيد العلماء هناك «رابطة علماء المغرب» بقيادة العلامة الراحل عبد الله كنون المقيم في طنجة، وكان يصدر مجلة في بضعة أوراق تسمى «الميثاق».
٢- على صعيد العمل الشبابي هناك «حركة الشبيبة الإسلامية» في الدار البيضاء بقيادة السيد عبد الكريم مطيع، ونائبه السيد إبراهيم كمال، ومن معهما من المعلمين والطلبة على الخصوص.
٣- في مدينة فاس هناك إرهاصات قيام «جماعة الدعوة الإسلامية» برئاسة الدكتور عبد السلام الهراس (٥).
٤-في مدينة مراكش الأستاذ عبد السلام ياسين يظهر على الساحة بكتابين هما: «الإسلام بين الدعوة والدولة» و«الإسلام غدًا»، ورسالة مفتوحة إلى الملك تحمل عنوان: «والإسلام أو الطوفان» وهو في ذلك يؤكد على مفاهيم ومصطلحات شور حول «الفتنة» و«التوبة» و«التربية» و«المنهاج النبوي» و«الطريق الصوفي» و«الذكر» و«الصحبة» و«الجماعة» و«اقتحام العقبة»... إلخ.
٥- في عالم الأفكار والتجارب القادمة من المشرق، هناك تجربة جماعة الإخوان المسلمين ممثلة في الكتب التي كانت تصل إلى السوق المغربية وحضور بعض رجالاتها إلى المغرب بشكل مؤقت أو دائم مثل الدكتور سعيد رمضان، رحمه الله، وشاعر الإنسانية المؤمنة عمر بهاء الدين الأميري، رحمه الله وأمثالهما، كما استمرت «جماعات الخروج في سبيل الله» التبليغية في التوافد على المغرب في تلك المرحلة (٦)، وبدأ بعض
الدعاة السلفيين يتوافدون على البلاد، وكان في مقدمتهم الشيخ أبو بكر جابر الجزائري صاحب «منهاج المسلم».
وكان لحرب أكتوبر، رمضان ۱۹۷۳م، ودعوة الملك فيصل الجريئة إلى استعمال سلاح النفط في المعركة، وإقدام الرئيس أنور السادات على إطلاق سراح «الإخوان المسلمين» المعتقلين والسماح لشباب الجماعات الإسلامية بالعمل الحر في الجامعات، كان لذلك كله ومثله أثر نفسي إيجابي ولد حماسًا وأملًا كبيرًا في بلادنا العربية والإسلامية ومنها بلاد المغرب ١٩٧٥م وبداية التحولات الرئيسة في صفوف الدعوة الإسلامية بالمغرب كانت الحياة البرلمانية على علاتها - معطلة للسنة العاشرة وكانت البلاد قد انتقلت من ستور ١٩٦٣م إلى دستور ۱۹۷۰ م ومنه إلى دستور ۱۹۷۲م، دون أن تجد مخرجًا من أزمتها الروحية والسياسية والاقتصادية، وكان الجنرال فرانكو وهو على فراش الموت يرفض أي تنازل للمغرب عن صحراته، فضلًا عن مدنه وجزره الشمالية، وكان النظام الجزائري المجاور في أوج اعتزازه بسراب الإنجازات الاشتراكية، وخرافة حوار الشمال والجنوب...إلخ.
في هذه الأجواء المعقدة داخليًا وإقليميًا، اتجهت الدولة الغربية جنوبًا صوب الصحراء التحرير الأرض وتدشين انفتاح سياسي داخلي تكون «المسيرة الخضراء» مقدمته، والانتخابات «الديمقراطية» و«النزيهة»، فصلًا رئيسًا من فصوله، وفي السنة نفسها (۱۹٧٥م) قتل الزعيم اليساري المغربي عمر بن جلون، وراج في جل الأوساط العارفة بخفايا الأمور أن الخاسر في هذا الاغتيال السياسي هو الحركة الإسلامية المتهمة به واليسار الذي فقد شخصية قوية في حجم المهدي بن بركة والرابع الوحيد هو من وظف وحرك عقلية «قتل الملحد» لدى سذاج المسلمين أو سماسرتهم.. ومما نتج عن ذلك:
١- على الصعيد السياسي دخول الأحزاب القديمة والجديدة إلى المكان الذي أعد لها في مسرح اللعبة السياسية وقبولها بالكوتا «الحصص» المنبثقة من كمبيوتر وزارة الداخلية واستمرار هذا الأمر إلى اليوم حتى قال أحد المشاركين في الكعكة وهو السيد عباس الفاسي حزب الاستقلال: «ولقد جرب المغرب كل شيء عدا الانتخابات النزيهة» (7).
٢- على الصعيد الدعوي توقفت محاولات الاندماج بين «الشبيبة الإسلامية» وغيرها، وجرى تداول بيانات متناقضة حول قتلة عمر بن جلون، وازدادت العلاقات حدة وتشنجًا بين التيار الإسلامي وتيار اليسار وخاصة في الجامعات (۸) ودخلت حركة «الشبيبة الإسلامية» في حالة من التشتت والتأزم.
العقد الأخير من القرن العشرين وبداية اتضاح الصورة
تأثرت الحركة الإسلامية المغربية بالأفكار في مطلع الثمانينيات دخل الاستاذ عبد السلام ياسين میدان ما اصطلح على تسميته بالعمل التربوي؛ إذ كانت رسالته للملك وإصداره لمجلة «الجماعة» وجريدتي «الصبح» و«الخطاب» عوامل أساسية في مجيء قطاع أساسي إليه من «الشبيبة الإسلامية» وغيرها باحثين عن ترجمة عملية مرحلية للمنهاج النبوي، ومفرداته الروحية والسياسية والاجتماعية.
وفي الوقت نفسه تقريبًا خرج من رحم «الشبيبة الإسلامية» مولود سمي «بالجماعة الإسلامية» تحت قيادة السيد عبد الإله بن كيران.. ومن بين أول ما فعلته «الجماعة الإسلامية» إعلان القادمة من القطيعة الكاملة بينها وبين القيادة «عبد الكريم مطيع» المقيمة في الخارج «الخليج العربي، الجماهيرية الليبية، أوروبا...إلخ» واعتبار مواقفها من النظام الملكي المغربي والصحراء المغربية مواقف فردية غير مبنية على علم أو بصيرة أو حكمة هدفها إحداث مواجهة فتنوية مع السلطة تهلك الحرث والنسل أو تفرض عليهما حوارًا انتهازيًا يكون على جماجم الضحايا من المستضعفين المغرر بهم بشعارات «البراءة من الطاغوت» و «يا خيل الله اركبي».
وعلى الضفة الأخرى من المشهد الدعوي المغربي كان التنسيق قد بلغ مراحل لا بأس بها بين «جماعة الدعوة الإسلامية» بفاس، «والجمعية الإسلامية» بالقصر الكبير شمال المغرب وسيولد من هذا التنسيق ومن سيلتحق به فيما بعد هيكل أطلق عليه «رابطة المستقبل الإسلامي» ومن المجلات التي كانت تصدرها هذه الجهة:
- الهدي: فصلية ثقافية جامعة.
-المشكاة: فصلية متخصصة في الأدب الإسلامي العالمي.
-المحجة: نصف شهرية.
وتطورات الجماعة الإسلامية، لتصبح حركة الإصلاح والتجديد مزيلة حسب اجتهادها اسمًا يظنه البعض احتكارًا للإسلام ووصاية عليه، وتقدمت بطلب تأسيس حزب سياسي دون أن يقبل منها ذلك.
أما أنصار الأستاذ عبد السلام ياسين، فقد أصبحت جماعتهم تحمل اسم «جماعة العدل والإحسان» وتوسعت قاعدة أتباعها بشكل يفوق عدديًا الجهات الأخرى ثم أصابها ما يصيب كل الحركات من تشقق وتصدع بخروج، أو إخراج عضو بارز من مكتب إرشادها هو الأستاذ محمد البشيري.
عند هذا الحد من السير البطيء والمتفاعل مع المحيط، كانت التيارات الإسلامية الرئيسة التي أفرزتها الساحة المغربية هي:
-تيار العدل والإحسان.
-تيار الإصلاح والتجديد.
-تيار رابطة المستقبل.
ظهور جماعة التوحيد والإصلاح
وخلال سنتي ١٩٩٦م -١٩٩٧م، التحق قسم من التيار الثالث بالتيار الثاني الذي أصبح يحمل اسم «التوحيد والإصلاح» وانتخب الدكتور أحمد الريسوني رئيسًا لهذه الجماعة وعاد التيار الثالث ليحمل اسمه القديم «جماعة الدعوة الإسلامية» بقيادة الدكتور الشاهد البوشيخي المشهور بإشرافه على مئات الرسائل الجامعية العليا في الدراسات المصطلحية والذي يرى أن «مشكلة المنهج هي مشكلة أمتنا الأولى» ولن يتم إقلاعنا العلمي ولا الحضاري إلا بعد الاعتداء في المنهج التي هي أقوم وبمقدار تفقهنا في المنهج ورشدنا فيه، يكون مستوى انطلاقنا كمًا وكيفًا (٩).
وإذا ما حاولنا أن نصنف هؤلاء جميعًا تصنيفًا موضوعيًا فإننا نجد الآتي:
١- أن جماعة العدل والإحسان، هي الجماعة الإسلامية الأولى عدديًا، ولها حضور متقدم على غيرها في الجامعات والكليات المغربية ولها قدرة على «تسويق» الحصار المفروض على زعيمها، ورسالته المفتوحة إلى الملك، وسنوات سجنه وكتبه ومناقبه المتعلقة بالذكر والصيام والقيام وتأويل الأحلام وانتسابه إلى السلالة الإدريسية الموصولة بالحسن بن علي رضي الله عنهما وتجربته الروحية العملية التي قد تلتقي مع قول الشيخ حسن البنا في وصف جماعته بأنها «حقيقة صوفية».
والجماعة بهذا الزخم وبقدرة شيخها على الحديث والكتابة بلغة فرنسية متينة إمكان اقتحام النخب الفرنكوفونية، فضلًا عن المتأثرين بخطاب التصوف والعائدين من جحيم الأيديولوجيات الوافدة، قبل العولمة وبعدها، وقد تكون الإشكالات الرئيسة التي تنتظر حلًا صحيحًا لدى هذه الجماعة هي:
أ- وجود أو عدم وجود المجتهد الجامع للشرائط داخل الجماعة ومدى اهتمام الجماعة بهذه القضية المحورية حاضرًا ومستقبلًا.
ب- الاعتقاد في الشيخ وأثره على آلية اتخاذ القرار والعلاقات التنسيقية مع الآخرين إن وجدت.
ج- إمكانات تصريف وتوظيف طاقة الجماعة الشبابية في القطاع الخاص، قبل القطاع المرتبط بالمطالبة والمغالبة في إطار الدولة ومؤسساتها، وخاصة في مجالي العلم والاقتصاد بكل أبعادهما وأولوياتهما المنبثقة من اجتهاد شرعي بصير بحقائق الدين والمجتمع.
د- منهاج الحوار والترقي في البناء داخل الصف الإسلامي ثم الوطني لتحقيق القواسم المشتركة وهي كثيرة واستراتيجية.
٢-أما «حركة التوحيد والإصلاح» وهي الوارث الشرعي «للشبيبة الإسلامية» التي تجاوزت أزمات نموها، ورست في شکل حزب سياسي هو «حزب العدالة والتنمية» فإنها مرشحة أحسن من غيرها للتعاطي مع الشأن السياسي في إطار القواعد المعروفة، «الحصص المحددة سلفًا» ومحاولة تحسين وتزيين مظاهر وأشكال تلك اللعبة.
ومع الصورة التي آلت إليها هذه الحركة منذ سنتين بأنها أصبحت تتميز عن عهودها السابقة «ثلاثون سنة» بقيادة متخصصة في الفقه وأصوله، لا يخفى عليها أهمية البصيرة العلمية الثاقبة القادرة على التقريب والتغليب (۱۰) في مجالات الحياة الاجتماعية المتحركة والمعقدة، ولا شكّ أن تطورًا كهذا لهو من صميم الرشد الذي طال انتظاره، وكما يقول المغاربة «ومتى حل الخير نفع»
إشكالات جماعة التوحيد والإصلاح
أما الإشكالات والتحديات الرئيسة المطروحة على هذه الجماعة الثانية في المغرب فيمكن تلخيصها في بعض المحاور التالية:
- إشكال الجمع بين السياسي وغير السياسي، والخشية من تضييعهما معًا بسبب حرص قد يكون عكسه هو الأقرب إلى الصواب ذلك أن أصل الحركة سياسي تعبوي، ولو جاء بعض أهل الفقه للقيادة الآن.. ولا عيب على مسلم في التخصص في العمل السياسي دون سواه، ففي نظرنا أن المستقبل لهذا النوع من التخصصات المتكاملة في نهاية المطاف.
- حاجة العمل السياسي للدراسات والبحوث الأكاديمية في الميادين الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والقانونية والتعليمية.. إلخ. أي إلى مركز للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية للمغرب.
ج- إشكال التكوين السياسي والأخلاقي للأطر العاملة في البلديات والجماعات القروية والجهات والبرلمان.
جماعة الدعوة الإسلامية ومنهجها العام
أما الجماعة الثالثة: جماعة الدعوة الإسلامية ومقرها بمدينة فاس، فهي أقل الجماعات عددًا وأبعدها عن الأضواء، ويمكننا أن نحصر همها الرئيس في أمرين هما:
أ- رفع مستوى التعلم في الأوساط الدعوية والعامة.
ب- رفع مستوى التدين.
وهي تحاول أن تضع مناهج متكاملة لقضايا «العلم» كما تريد ذلك القضايا «التدين».
يقول د. الشاهد البوشيخي: «والناظر في أحوال الأمة عامة والحال العلمية منها خاصة، يلحظ بيسر أن مسألة المنهج لما تعط حظها من العناية والرعاية، وأن كثيرًا من الأموال والأوقاف والطاقات تضيع بسبب فساد المنهج، وإذا جاز الترخص في شيء، فإن البحث العلمي لا ينبغي أن يكون من ذلك بحال؛ لأنه بمثابة القلب من جسد الأمة، إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله» (۱۱).
وترى هذه الجماعة أن «أغلب التجمعات الدعوية ما زالت لم تستقر على المنهج السليم ومازالت متقلبة الأفكار والتصورات وبالتالي الأحوال، كما أنها ما زالت لم تستطع التخلص من جلباب وطباع اليسار، بحيث نجد فكرة الصراع وفكرة المطالبة والتنديد مستمرة» (۱۲).
وتعتقد أن «الاهتمام بالعلم والتربية وخدمة الناس اجتماعيًا وثقافيًا بدون نوايا سياسية ضيقة.. وتطبيق مبدأ العلم قبل العمل... والتدرج في العمل، وأن المسير طويل ووحدة حسابه الزمنية هي الأجيال بدل السنوات والعقود» (۱۳).
وفي رؤية الجماعة أن كل ما سبق من صلب المنهج، وهي تدعو إلى إحياء فريضة «النصيحة» أو النقد الذاتي بعلم وأدب داخل صفوف جميع العاملين للإسلام وتعتبر ذلك من «التواصي بالحق والتواصي بالصبر»، ووصلة ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام المختلفة الأسماء والصفات.
وقد تكون جماعة الدعوة في الجانب السياسي من أقرب الجماعات إلى الفلسفة التي يتبناها حكيم الهند العلامة أبو الحسن الندوي حين يقول: «إن هناك طريقين: أحدهما أن يصل أهل الإيمان والصلاح إلى كراسي الحكم، أي أن يستولوا على مقاليد الحكم، والثاني أن يصل الإيمان إلى تلك الكراسي أي أن يقبل أهل الحكم والسلطان الدعوة ويتحملوا مسؤولية نشرها وتنفيذها.. إنني أفضل الطريق الثاني، وقد اختاره عندنا الإمام أحمد بن عبد الأحد السرهندي (ت١٠٣٤ه) المشهور في الهند بمجدد الألف الثاني، ولم تلق أي حركة أو دعوة ثورية أو إصلاحية حسب علمنا، في العالم الإسلامي من النجاح ما لقيته دعوة الإمام السرهندي» (١٤).
ويمكن أن تلخص الإشكالات أو التحديات الرئيسة التي تواجه هذه الوجهة من العمل الإسلامي في الأسئلة التالية:
أ- هل قدمت الجماعة لنفسها ثم لغيرها من المسلمين منهاجًا عمليًا في توريث المنهج وتكثير نسخه على أوسع نطاق ممكن؟
ب - أليست نخبويتها المفرطة نوعًا من القصور في المنهج؟ ثم هل استوعبت تلك النخبوية، ولو محليًا كل عقل ذكي وضمير نقي؟
ج - إذا كانت النخبة، كما يقول بعض علماء الاجتماع هي التي تصنع التاريخ والأمم والحضارات، فما صناعة أو صناعات هذه الجماعة النخبوية؟ وما أدوات العبور من المنهج التجريدي الجميل إلى المنهج الميداني العملي؟
د- كيف تعجز عقول الآخرين عن استيعاب ما تدعو إليه الجماعة من منهج، أو بالأحرى كيف تتعثر هي في الإقناع بمنهجها وجعله أحسن بضاعة تصدرها، فيكون المنهج هو رسول ومضمون الوحدة بين الجماعات قبل الحديث عن توحيد المكاتب التنفيذية والإرشادية؟ أليس هذا من أعظم الأولويات؟
هـ - لماذا لا تكون هناك مدرسة عليا كالمدارس الرسمية تعلمنا قراء الدين والتراث، والواقع، قراءة منهجية صحيحة تنير الأبصار والبصائر وتحرك الهمم والذمم بما حرك به الرسول صلى الله عليه وسلم جزيرة العرب ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. (الأنفال: 73) إذ لا نتيجة للتقصير في المنهج صياغة وتطبيقًا إلا أن تكون ﴿ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾.
خلاصة عامة حول مستقبل الحركة الإسلامية المغربية
إن حركة الدعوة الإسلامية في المغرب تجد أمامها اليوم ركامًا هائلًا من المشكلات المستعصية في مجالات الأسرة والطفولة، والمرأة والتعليم، والصحة، والبيئة، والفلاحة، والصناعات المختلفة، والاستثمار، والخصخصة، أو الخوصصة، والصيد البحري، وشؤون البادية المهمشة، والجالية المنسية.. ويكفي للتنبيه إلى حدة الإشكالات المستقبلية وعمقها أن نشير إلى الملفات الإستراتيجية المعقدة التالية:
١- تمديد عمر مشكلة الصحراء المغربية ليصبح إذا أرخنا له بسنة الاستقلال الناقص (۱۹٥٦م) مشكلة تقترب من نصف قرن من الدوران الحلزوني اللا متناهي.
٢- المديونية المغربية لا تقل عن ٢٣ مليار دولار، وهو رقم لا يساويه إلا الأموال المغربية المهجرة إلى الخارج، وبإمكاننا أن نقول: إن التنمية في ظل «حصار» الديون أمر في غاية الصعوبة.
٣- أكثر من نصف الشعب المغربي أمي أمية مطلقة، وأكثر من ٣٠٠ ألف طالب تخرجوا في الجامعات (۱٥)، ولم يجدوا عملًا، بعضهم يمسح الأحذية، وبعضهم يهيم في الشوارع ويقع في براثن الجرائم والانحرافات.
أما عن مشكلة النظافة في المدن والأرياف والشواطئ فحدث ولا حرج، وأما الطرق الرئيسة والثانوية والثلاثية والغابوية، فهي السبب الرئيس للحوادث المربعة التي لا يهتم بذكرها في الإعلام المخزني فكيف بعلاج أسبابها ...
هذه أرقام ووقائع وإشارات تجعل المشاركة السياسية الإسلامية في عالم الحصص الذي فرغت خزائنه المالية أمرًا عسيرًا يحتاج إلى حساب دقيق وفهم عميق يتقن الموازنة بين المصالح والمفاسد، ولعل من شروط الارتقاء إلى هذا المستوى تطوير وتفعيل قنوات الحوار الداخلي والبحث عن الأصلح داخل جماعات المسلمين دون إقصاء أو استعلام ولقد استدار الزمان كهيئته يوم بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، ووقف الناس على مفترق الطرق فهل تستطيع حركة الإسلام في المغرب أن تقدم لشعبها ما لم يقدمه الذين حكموا البلاد منذ نحو نصف قرن؟
الهوامش:
١- إدريس الكتاني «المغرب المسلم ضد اللا دينية» مطبعة الجامعة، الدار البيضاء، ۱۹٥۸م- ۱۳۷۸ هـ عدد الصفحات ٢٠٠ ص ١٣.
٢- أنور الجندي، الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، ١٩٦٥ م، ص ۳۱ و٣٣.
٣- لمعرفة جوانب أساسية من هذا الموضوع، يرجى الاطلاع على كتاب «دفاع عن الشريعة» «للعلامة علال الفاسي»، سلسلة الجهاد الأكبر، رقم:١ مطابع الرسالة، الرباط ١٩٦٦م وخاصة الصفحات من ٣ إلى ٧.
٤- الحسن الثاني، «ملك المغرب» انبعاث أمة الجزء الحادي عشر ١٣٨٥-١٣٨٦هـ/ ١٩٦٦ م، مطبوعات القصر الملكي، الرباط الدرس الديني الملكي بتاريخ ١٢ رمضان ١٣٨٦ هـ / ٢٥/١٢/١٩٩٦م، ص ٢٩٠.
٥- في كتابه «الفكر والثقافة المعاصرة في شمال أفريقيا» برى أنو الجندي أن عبد السلام الهراس يسير «على نفس الخط الذي شقه في الفكر العربي الحديث أستاذه مالك بن نبي» وهو يحاول أن يكشف عن حقيقة مهمة هي أن معركتنا مع الاستعمار لم تنته بالاستقلال، ص ۱۸۸ – ۱۸۹.
٦- في كتابه: «أسبوعان في المغرب الأقصى» يشير العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي إلى تأثير جماعة التبليغ على واحد من أعلام الدعوة الإسلامية المعاصرة في المغرب قائلًا «وحضرنا بعد المغرب حفلة الشاي في منزل الدكتور الهراس، ولقينا هناك الأستاذ الشاهد بوشيخي أستاذ في كلية الآداب، ووجدناه رجلًا فاضلًا وشابًا وقورًا كان معجبًا بحركة الدعوة والتبليغ التي أسهها الشيخ محمد الياس الكاندهلوي والتي مقرها في دلهي «الهند» وقد ساهم في بعض جولاتها ورحلاتها من أولي الفكر الصحيح» ص ٨٧.
٧- من عباس الفاسي هو خليفة المحمد بوستة في قيادة حزب الاستقلال وقد قال ذلك في برنامج «حواره» الذي أجرته معه قناة التلفزة الرسمية «إتم».
٨- في السنة نفسها، أي ١٩٧٥م قام اليساريون المغاربة بإحراق القرآن الكريم والعشرات من كتب التفسير والفقه والحديث وأصول الدعوة وفقهها ارتقاء الحركة، وذلك بالمطعم الجامعي المجاور الكلية الحقوق والعلوم الاجتماعية التي كنت أدرس فيها بمدينة «تولوز» وقد نشرت جريدة «النور» الصادرة في تطوان بيانًا حول الموضوع في حينه.
٩- الدكتور الشاهد البوشيخي «مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين قضايا ونماذج»، ص ٢١-٢٢.
١٠- من مؤلفات الدكتور أحمد الريسوني كتابه: «نظرية التقريب والتغليب وتطبيقاتها في العلوم الإسلامية» ١٩٩٤م، مطبعة مصعب.
١١- الدكتور الشاهد البوشيخي، مصدر سابق، ص٢٢.
١٢- من افتتاحية «المحجة» الصادرة بفاس، عدد١٠١ ص ٢.
١٣- المصدر نفسه.
١٤ - أبو الحسن علي الحسني الندوي، في مسيرة الحياة، الجزء الثاني، دار القلم دمشق ۱۹۹۰م، ص ۲۳ و٢٤.
١5- انظر بعض هذه الإحصائيات الكارثية المتعلقة بالمغرب في كتاب
L'etat du monde 1998, paris, la decouverte.
L'etat du maghreb وكتاب
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل