; المجتمع الثقافي (1361) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1361)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1999

مشاهدات 55

نشر في العدد 1361

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 03-أغسطس-1999

  • الحداثة بين الأصالة والمعاصرة

بقلم: محمد محمود يوسف

ملأت مسألة الأصالة والمعاصرة الدنيا وشغلت الناس، فمن قائل: يجب الانكباب على التراث لتنهل من معينه ما خفيت علينا کنوزه، ومن قائل: تعالوا نبتر صلتنا بعربيتنا، لنذوب في مجتمع الحضارة ومجتمع الحداثة والتقنية، وإخال أن هؤلاء وهؤلاء قد ظلموا أنفسهم باجتهاد الطريق.

 فمن غير المصدق أن يعيش إنسان ما في زمن بجسده، بينما عقله وروحه في واد آخر فلا شك في أن العالم قد تقدم وقفزت التقنية بالإنسان خطوات جبارة على طريق الرفاهية، كما أن قضية الانقطاع عن الماضي، مرفوضة، إذ الأمم التي لا تركن إلى ماض زاخر بزخمه ليس لها نصيب من الحاضر، فتكون كالنبتة الطفيلية، سرعان ما تتهاوی أمام أقرب مزيل، أما الأمم الضاربة تاريخها في أعماق التاريخ، فإنها تحيا به مرفوعة الرأس رابطة الجأش، ولا غرو أن نرى في زماننا هذا أممًا ليس لها من تراثنا شيء، نراها، تركن إلى ماض قريب بينما نجد نفرًا من بني جلدتنا يتنصلون من تاريخهم. 

إن «الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أولى الناس بها» والمسلم مطالب بالتوفيق بين الأشياء فالرسول r كان إذا ما خير بين شيئين اختار أيسرهما، وهكذا، يجب أن نحذو حذوه، فلا بد من المواءمة بين التراث والجديد، بما لا يفقد قيمة إرثنا، والتوفيق بين الأصالة والمعاصرة والتنسيق والتزاوج بين القديم والجديد.

 وهذه الحقيقة كانت غائبة عن معظم مفكرينا الذين طالما أسمعونا عجيجًا ولم نر منهم طحينًا، فهاكم أحد قادة المعاصرة والمستغربين المرموقين، الدكتور زكي نجيب محمود الذي قال عنه عباس العقاد: إنه أديب الفلاسفة أو فيلسوف الأدباء، يقول الدكتور زكي نجيب إذ قد يبدو للوهلة الأولى أن ثمة تناقضًا أو ما يشبه التناقض بين الحدين (الأصالة والمعاصرة)، لأنه إذا كان عربيًّا صميمًا اقتضى ذلك منه أن يغوص في تراث العرب الأقدمين حتى لا يدع مجالًا لجديد، وإن من أبناء الأمة العربية اليوم من قد غاصوا هذا الغوص الذي لم يبق لهم من عصرهم ذرة هواء يتنفسونها، وأما إذا كان معاصرًا صميمًا، كان محتومًا عليه أن يغرق إلى أذنيه في هذا العصر بعلومه، وآدابه وفنونه وطرائق عيش حتى لا تبقى أمامه بقية ينفقها في استعادة شيء من ثقافة العرب الأقدمين. 

نعم، قد يبدو للوهلة الأولى أن بين الأصالة والمعاصرة تناقضًا أو ما يشبه التناقض، ولذلك يجي السؤال الذي يلتمس طريقًا يجمع بين الطرفين في مركب واحد، وكأنما هو سؤال يطلب أن تجتمع مع الماء جذوة نار!! فهل بين الطرفين مثل هذا التعارض حقًا أم أن ثمة طريقًا يجمع بينهما»؟.

ويستطرد زكي نجيب ولقد تعرضت للسؤال منذ أمد بعيد، ولكني كنت إزاءه من المتعجلين الذين يسارعون بجواب قبل أن يفحصوه، ويمحصوه ليزيلوا منه ما يتناقض من عناصره، فبدأت بتعصب شديد لإجابة تقول: إنه لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا إذا بترنا تراثنا بترًا وعشنا مع من يعيشون في عصرنا علمًا وحضارة، ووجهة نظر إلى الإنسان والعالم، بل إني تمنيت عندئذ أن نأكل كما يأكلون ونجد كما يجدون، ونلعب كما يلعبون ونكتب من اليسار إلى اليمين كما يكتبون!! على ظن منِّي آنئذ أن الحضارة وحدة لا تتجزأ فإما أن تقبلها من أصحابها، وأصحابها اليوم هم أبناء أوروبا وأمريكا بلا نزاع، وإما أن ترفضها، وليس في الأمر خيار، بحيث تنتقي جانبًا ونترك جانبًا، كما دعا إلى ذلك الداعون إلى اعتدال بدأت بتعصب شديد لهذه الإجابة السهلة، وربما كان دافعي الخبيء، إليها هو عدم إلمامي بشيء من التراث العربي جهلًا كاد يكون تامًا، والناس – كما قيل بحق – أعداء ما جهلوا!!»

 ويبين الدكتور زكي نجيب خطأ موقفه هذا فيقول: «ثم تغيرت وقفتي مع تطور الحركة القومية، فما دام عدونا الألد هو نفسه صاحب الحضارة التي توصف بأنها معاصرة، فلا مناص من نبذه ونبذها معًا، وأخذت أنظر نظرة التعاطف مع الداعين إلى طابع ثقافي عربي خالص، يحفظ لنا سمائنا، ويرد عنا ما عساه أن يجرفنا في تياره، فإذا نحن خبر من أخبار التاريخ مضى زمانه، ولم يبق منه إلا ذكراه، لكنني حين أخذت أتعاطف مع هذه النظرية العربية الخالصة كنت إزاءها بلا حول فهذا مجال لم يكن لي فيه نصيب يذكر، فلا أنا قد أتيحت لي أيام الدرس فرصة كافية للإلمام بقسط موفور من تلك الثقافة العربية الخالصة، اللهم إلا النزر اليسير الذي كان يتلقاه التلميذ في المدارس المدنية، ولا أنا أستطيع أن أجد الفراغ لأتوفر على الدرس من جديد، وأحمد الله أن أتاح لي آخر الأمر هذا الفراغ، كما أتاح لي مكتبة عربية أقضي فيها بعض ساعات النهار»([1])

الحداثة العربية

أولًا: يجب أن نعترف أننا نستخدم في بعض الأحيان مصطلحات نعتقد أنها مصطلحات عربية، نمَت وترعرعت في تربتنا، وهي غير ذلك، ومن بين هذه المصطلحات مصطلح الحداثة الذي يكثر الحديث عنه في هذه الأيام ومصطلح الحداثة مصطلح غربي خالص، ويركز على تأكيد القيم التي أتى بها عصر النهضة وهي قيم الحق والخير والجمال، وأصبح من رموز الحداثة في العالم الغربي (ت. إس إليوت وفوكنر، وعزرا باوند، وجيمس جويس ووالاس ستيفن، وغيرهم....).

 «وإذا نظرنا إلى الأمر في الواقع العربي وجدناه مختلفًا تمامًا، إذ إن تيارات الحداثة بدأت عندنا مع حركة الشعر الحر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وارتبطت أساسًا بالفكر اليساري الوجودي، واتخذت موقفًا منحازًا ضد الفكر الإسلامي ولم تظهر الحداثة عندنا، نتيجة الفوضى التي أحدثتها الإخفاقات الفكرية والسياسية، وهي تقليد لما عند الغربيين، ولكن بطرق مبتذلة»([2])

تمثل الحداثة العربية الظل لمثيلاتها الغربية والناقل الأمين لكل خلجاتها الشريرة، القلقة، اللامنتمية المفرطة في الاعتداء على المقدسات والثائرة على المعتقد، والشرع، فراح روادها العرب يتمثلون الشواذ في الفكر العالمي، من وجودية ساقطة إلى ماركسية ملحدة فرأيناهم يحاكون (ت.إس.إليوت، بابليونيرودا، افيتوشينكو، ولوركا، وماركيز، وبودلير، وعزرا باوند، ورامبو، وفاليري، والت وايتمان، ما ياكوفسكي، وغيرهم من أولئك الشعراء الغربيين الذين ضلوا وأضلوا وبنظرة متأنية إلى زعماء هذه الحركة الغربيين نجد أن معظمهم لقى مصرعه في مشاهد مأساوية تعطي العبرة والعظة لمن تسول له نفسه تقليدهم واتباعهم الذي عاشوه للقلق المستمر، وعدم الرضا بالمقسوم، فهؤلاء متأثرون بشعراء أكثر مأساة وأكثر صدامًا مع حياتهم وحياة مجتمعاتهم، فقتل لوركا، ونيرودا، وانتحر ما ياكوفسكي، وعاني ايفتشنكو وويتمان، وناظم حكمت، وهم جميعًا غير راضين عن مجتمعاتهم([3])

أين التحديث؟

«الحداثة غير الجديد، ويحسن التمييز بينهما المزيد من الدقة خصوصًا أن استخدام كل منهما شائع، ويولد كثيرًا من الالتباس في لفظة الحديث ما يشير إلى نوع من الخروج على القديم ومعاييره وإلى نشوء شيء مختلف لم يعرفه القديم، ولهذا فإن لفظة الحديث قد تصدم العقل القديم أو التقليدي خصوصًا حين ترتبط بالإحداث والبدعة...» ([4]).

كان ذلك الكلام إحدى ترنيمات أدونيس الذي يؤكد فيه أن الحداث إبداع!!

 يقول غالي شكري الرفيق العتيد، وأحد زعماء ورموز الحداثة؛ وعندما أقول الشعراء الجدد وأذكر مفهوم الحداثة عندهم.. أتمثل كبار شعراء الحركة الحديثة من أمثال أدونيس، وبدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، وعبد الوهاب البياتي وخليل حاوي عند هؤلاء سوف تعثر على أليوت، وعزرا باوند وربما على رواسب من رامبو وفاليري، وربما على ملامح من أحدث شعراء العصر في أوروبا، وأمريكا، ولكنا لن تعثر على التراث العربي([5]).

وفي موضع آخر يدس شكري سُمَّهُ قائلًا: «الحداثة منطق جديد لرؤية العالم.. والحداثة عالمية بمعنى الروح التي تشبعها الرؤية الجديدة للعالم، كعالمية الثورتين الفرنسية والروسية، وكعالمية اكتشاف البارود وكروية الأرض وكعالمية الموسيقى أو الأدب أو الرسم والنحت...» ([6]) ويقول أحمد عبد المعطي حجازي، أحد الدمى الغربية المفروضة على الثقافة في مصر وإن أي مثقف غربي سيصدم صدمة عظيمة حين يقدر له أن يشهد مجلسًا من مجالسنا لأنه سوف يفاجأ بأننا نتحدث عن ثقافته هو لا عن ثقافتنا، وسوف يفاجأ فوق ذلك بأننا نتحدث عن ثقافته بثقة لا يعهدها في نفسه أو أساتذته المختصين([7])

وتراهم يمجد بعضهم البعض الآخر، فلا عجب أن تجد نزار قباني يمجد طه حسين (وهو أستاذه في المذهب وشريكه في النيْل من التراث والإسلام) في قصيدته التي ألقاها في مهرجان طه حسين يمجده من خلال الانسلاخ عن الجلد حين يقتلعان جلديهما بيديهما

عد إلينا، يا سيدي عد إلينا                وانتشلنا من قبضة الطوفان

أنت أرضعتنا حليب التحدي              فطَحَنَّا النجوم بالأسنان

واقتلعنا جلودنا بيدينا                      وفككنا حجارة الأكوان

نسي نزار قباني في متاهة الأبيات أنه لم يطحن النجوم أبدًا، فالنجوم ما زالت في مكانها ولكنه طحن نفسه، ولم يفكك حجارة الأكوان، فمازال الكون على حاله ماضيًا على سنن الله الثابتة، ولكنه فكك حجارة كيانه، وإذا صدق في شيء من قوله هذا فلعله صدق حين قال: «واقتلعنا جلودنا بيدينا» نعم اقتلع هو وطه حسين وغيرهما جلودهم بأيديهم ولكن جلودهم ستشهد عليهم يوم القيامة بين يدي العزيز الجبار، مهما سلخوها، وأبعدوها عنهم»([8])


شمس كوسوفا لن تكسف

شعر: حامد بن عبد الرحمن الغامدي

يا فتاة الجنوب يكفيك عذلًا        عبر الهم بالفؤاد فخلًا

يا فتاة الجنوب فلتتركيني         أمتطي الحزم شاعرًا يتجلى

باع قومي كرامة واعتزازًا       واشتروا بالكرامة اليوم ذلًا

حسبوا راية السلام سلامًا         فاحتموا بالسكوت حمقًا وجهلًا

فإذا بالسلام حرب ضروس      وبلاد الإسلام للحرب تصلى

ها هي الصرب تسعر الحرب حتى       تطمس المسلمين حقدًا وغلًا

و«كسوفا» ضحية لعلوج       لا يبالون أو يصونون إلًا

أرهقوا أهلها ونحن رأينا          فعلهم بالعباد رفسًا وركلًا

دمروا كل ما رأوه عليها      وبغوا في الديار حرقًا وقتلًا

ثم صارت مجازرًا وقبولًا       كم جريح فيها وميت وثكلى

آه يا أمة تريد فلاحًا          ونجاحًا وفي الصفوف أذلًا

هي بالأمس في المكانة عليا     وهي اليوم في المكانة سفلى

أنهكتها الجراح حتى استكانت   ثم صارت – وا حُرقة القلب – ظلًا

هي تبكي شبابها حين تاهوا      شغلوا بالغناء عودًا وطبلا

وسعى بعضهم إلى كل خزي   وتعامى عن الطريق وضلًا

ونسوا ربهم وباتوا حيارى      وأضاعوا الصلاة فرضًا ونفلًا

آثروا لذة الحياة وعاشوا        وقتهم في الحياة لهوًا وهزلًا

يا شباب الإسلام هيَّا أفيقوا       وأذيقوا العدا نكالًا ووبلًا

وأعيدوا الجهاد فالشوق عال      وأرونا سيفًا وترسًا ونبلًا

ثم قولوا للعدا ها نحن جئنا      لن يدوم العناء حاشا وكلًا

إنما قولوا أتاك صريحًا      وغدًا أيها الصناديد فعلًا


تاج مروة

شعر: محمد أبو دية

التاج فوق سرير الملك أضواء     وتاج مروة تشريف وإعلاء

لقد رأينا على الهامات صورته       تاج العفاف له نور ولألاء

مرحى لبنت الهدى والعلم قد ظهرت     على السوافر يحميهن غوغاء

حجاب مروة رمز للعلا علم    إن الحجاب لرب الناس إرضاء

يا دوحة في رياض المجد شامخة    في ساحة الدوحة أنسام وأفياء

لا لن ينال طغاة من إرادتها      ولن تخاف من الأندال إن جاؤوا

فليس يرهبها قوم ذوو رتب        لهم نجوم على الأكتاف صفراء

لما رأوا في كوسوفا نار نكبتها         قد أغمضوا العين ليت العين عمياء

وعندما صرخت في القدس مؤمنة       لم يسمعوها لأن الأذن صماء

ويوم إن نجحت أخت محجبة         في مجلس الشعب عم القوم ضوضاء

آباؤكم من بني عثمان نعرفهم      سم الأعادي وللآيات قراء

أسد الأناضول إن تزأر يجاوبها     من الأقاليم آباء وأبناء

إني رأيت نجومًا في السما لمعت      حول الهلال تجلت فهي زهراء

عما قريب غيوث الله تدركنا      عادت إلى طاعة الرحمن أسماء(*)[9]

[1])) زكي نجيب محمود تجديد الفكر العربي الطبعة الأولى (القاهرة دار الشروق) من ص ١٢، ١٤

[2])) د. يوسف نور عوض الأربعاء الأسبوعي (السعودية) ٦ محرم ١٤١٥هـ

[3])) د. حلمي بدير بحوث تجريبية في الأدب المقارن (القاهرة الدار الفنية ١٩٨٨).

[4])) أدونيس في محاورة بمجلة الغدير العدد الخامس إبريل ١٩٩٠م، ص٥٩.

[5])) غالي شكري شعرنا الحديث إلى أين؟

[6])) وليد قصاب موقف الحداثة العربية من الدين (مقال) مجلة الفيصل العدد ۲۰۹ صفر ١٤١٥ ص

[7])) المرجع السابق.

[8])) عدنان علي رضا النحوي، الحداثة في منظور إيماني الطبعة الثالثة الرياض دار النحوي للنشر والتوزيع، ١٤١٠هـ / ١٩٨٩ م، ص ص ٩٣، ٩٤.

(*) أسماء هنا كل فتاة مسلمة ملتزمة بشرائع الإسلام وآدابه.


  • حتى يصبح طفلنا العربي قارئًا جيدًا

لا شك أن الإنسان يتعلم القراءة في طفولته، فإذا كان الأبوان قارئين نشأ الأبناء وقد علموا أهمية القراءة في حياة الإنسان، ويجب علينا ألا نغفل الوسائل والطرق التي يمكن أن تطور سلوك الطفل مع القراءة حتى يبلغ الدرجة التي يستطيع فيها أن يعرف الوسائل التي تمكنه من عملية القراءة وفي مقدمتها القدرة على تذوق الكلمة والإحساس بها باعتبارها وحدة لغوية ذات دلالة حسية أو معنوية والقدرة على تذوق الكلمة، ومعرفة الصلة بين ما هو منطوق وما هو مكتوب ثم القدرة على الربط بين رموزهما.

إن تعليم القراءة في الصغر له طابع خاص أفضل بكثير من تعليمها عند الكبر لأننا بها نفتح طريق الثقافة للعقل ويكون نقشها في الصغر كالنقش على الحجر.

وإذا كانت القراءة حقًا مفتاح الحياة فتعالوا نتناول العوامل المساعدة على تيسيرها والإقبال عليها لدى أطفالنا ومنها:

١- العوامل العاطفية: يحتاج الطفل إلى استعداد عاطفي واستقرار ليتعود على القراءة حيث إن الاضطرابات العاطفية الناتجة عن الظروف العائلية تؤثر على وجود هذه العادة كما أن سيطرة مشاعر العداء أو الانطواء أو الإحساس بالإحباط تبعده عن هذا الطريق.

والبيت والمدرسة يمثلان أهمية كبرى في شعور الطفل بالرضا والاستقرار العاطفي والنفسي. 

فالبيت هو المصدر الأول لتعامل الطفل مع الكتاب والمعرفة فإذا كانت تجاربه فيه طيبة ومشجعة وكان التوجيه من الوالدين ترغيبيًّا كانت علاقة الطفل بالمعرفة طيبة، فإذا انتقل إلى المدرسة عظمت اتجاهاته نحو القراءة والمعرفة وعظمت خبراته وتجاربه.

٢- المادة المقروءة ونوعها: يتعلق الطفل بالقراءة إذا كانت المادة المقروءة في نطاق قدرته على الاستيعاب والفهم، فالمشكلة التي تبعد الطفل عن القراءة أن كثيرًا من المادة الدراسية من الصعوبة بحيث يجهد الصغار أنفسهم في فهمها لا ما يمكن لهم تعلمه، فكثير من الأطفال يصفون القراءة بأنها صعبة، وتتكون لديهم اتجاهات الكراهية وعدم الرضا نحو المدرسة ويفرحون باليوم الذي تغلق فيه المدرسة وبذلك تنشأ عندهم العادات وبالتالي تتكون عندهم الاتجاهات المعاكسة نحو القراءة لأننا ندفع الصغار إلى أن يتعلموا ما نريد غير الصحيحة نحو القراءة، بل إن معظم الأطفال يعانون حتى من كمية الكتب التي يحملونها كل يوم على ظهورهم، والحقيقة أنهم يحملون أوزار غيرهم على ظهورهم.

3- المعلم.. والتشجيع: وبما أن الأطفال يختلفون في قدراتهم، وإمكاناتهم في التعامل مع اللغة، فإن واجب المعلمين تنمية إحساس الأطفال باللغة ووسائلهم في التعبير عن أفكارهم لأن هذه هي التي تقودهم إلى النضج العقلي، ذلك أن الأطفال يتعلمون اللغة من خلال المنهج المخطط الموضوع لتنمية المهارات اللغوية وهم يتفاوتون في فهم اللغة من جانب وكيفية استعمالها من جانب آخر، فبعضهم على درجة كبيرة من النضج اللغوي بينما يحتاج البعض إلى جهد يوصله للنضوج والرقي، ولذلك نلاحظ في درس التعبير أطفالًا يعبرون بسهولة وتلقائية عن أفكارهم وآرائهم بينما يتعثر البعض في ذلك. 

إن الأطفال ينمون قدراتهم اللغوية بعدة طرق منها أن يعطوا فرصة كافية للتعبير عن آرائهم وأفكارهم ومنها استحسان ما يقولون وتشجيعهم وكذلك لدى إحساسهم بالاطمئنان والأمان أنهم لن يواجهوا بأي نوع من الإحباط أو السخرية مما يقولون مع الحرص على توجيههم بما يشجعهم على الاستمرار في التعبير بلغة جيدة خاصة الأطفال الذين يتملكهم إحساس بالخجل والحياء.

ومن خلال الآراء التي يطرحها الأطفال يمكن تحديد مستوى قدراتهم اللغوية، وبالتالي وضع الطرق التي يمكن بها تشجيع المتأخرين للوصول إلى المستوى المرغوب فيه، وحفز المتقدمين على مزيد من التقدم.

 كما أن مقدرة الطفل على إعطاء أكثر من معنى للكلمة الواحدة دليل على ثراء الناحية الكيفية والكمية عنده وعلى محصوله اللغوي لأن الهدف هو الوصول إلى ذخيرة من الكلمات المتباينة المختلفة من ناحية، ثم معرفة دلالات هذه الكلمات واستخداماتها من ناحية أخرى زيادة على الوصول بالطفل إلى درجة يستطيع بها أن يعبر تعبيرًا راقيًا في أسلوب جميل سلس التركيب دقيق العبارات وله القدرة على معرفة الكلمات المناسبة لبناء الجمل في نبرات واضحة ومخارج سليمة.

مشروع المنظمة العربية للتربية والثقافة: وقد سعى مشروع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالاشتراك مع اليونسكو إلى ضبط الرصيد اللغوي المستوى البلدان العربية كلها انطلاقًا من التعليم الابتدائي فالإعدادي والثانوي وكان لهذا المشروع فوائد منها: 

١- إيجاد سياسة لغوية موحدة للبلاد العربية، تساعد على الاتحاد في استعمال اللغة العربية من ناحية وفي التطور الاجتماعي والثقافي الموحد من ناحية أخرى، والوصول إلى هذه السياسة الموحدة للغة لابد من مسح شامل للواقع اللغوي في البلاد العربية.

٢- تأهيل الطفل العربي لغويًّا، بما يحتاج إليه من المعلومات الأساسية التي تساعده على الأصالة والمعاصرة اللغوية، والعمل على استعمال الألفاظ التي تجد استجابة واستعمالًا في أكثر البلاد العربية، ونبذ الشاذ منها بحيث تتلاشى الاختلافات في استعمال الكلمات.

٣- القدرة على الإدراك والتحليل، فالشخص الذي يجبر على قراءة شيء، لا يفهمه يفقد متعة القراءة، وبالتالي يفقد القدرة على توظيفها في الحياة والاستفادة منها.

أسباب النفور من اللغة

وهناك العديد من أسباب نفور الصغار والكبار من اللغة بدلًا من أن تكون أداة جذب وتحبيب ومنها على سبيل المثال:

- صعوبة المقررات على العقل بحيث لا تتناسب مع سن الطفل.

- سهولة المقرر لدرجة لا يحس الطالب أنه يضيف إليه جديدًا.

- عدم التدقيق في المادة المقروءة وإنما تؤخذ عشوائيًّا.

- تجاهل مستوى القاموس اللغوي لمن قررت عليهم المادة.

- أن يكون المعلم غير منسجم مع مادته بالطريقة التي يحبب فيها الآخرين.

- أن المعلم لا يستخدم الوسائل التربوية السليمة لإيصال المعلومة.

- وجود اتجاهات معينة بسبب الغزو الحضاري الذي يستهدف اللغة وآدابها..

 إن لغتنا العربية في انحدار لعدم الالتزام بها في المعاملات اليومية وكلما اعتمدنا على اللهجة المحلية انهارت اللغة الأم التي أتى بها القرآن الكريم تشريفًا وتكريمًا لأمتنا، فينبغي علينا أن نحبب أطفالنا في القراءة ونتيح لهم الكتب السهلة الشائقة التي تحفزهم على الميل للقراءة إذ القراءة تنمي ثقافة الطفل العربي التي نحن مازلنا في حاجة ماسَّة إليها ..

عبد العليم عبد السميع غزي


  • قراءات في الشعر الإسلامي العالمي مع الشاعر الماليزي أحمد كمال عبدالله

محمد شلال الحناحنة

للأدب الماليزي الحديث دور فاعل في التعبير عن هموم الأمة الإسلامية، نلحظ ذلك في كثير من الأعمال الأدبية والنقدية للكتاب والشعراء في ماليزيا، ويبقى الإسلام في صورته المشرقة هو المضمون الثري لهذا الأدب الذي استوى على سوقه بعد استقلال ماليزيا عام ١٩٦٣م، ومن الشعراء الماليزيين الذين لهم حضورهم الإسلامي الأدبي المتميز في المنابر الثقافية الشاعر أحمد كمال عبد الله المعروف أدبيًّا بلقب «كمالا» والمولود عام ١٩٤١م في العاصمة الماليزية([1])

 وقد نشر عدة أعمال شعرية منها ديوان «تأملات» وديوان «عين» كما شغل بعض المناصب الأدبية أهمها: الأمين العام للاتحاد الوطني للكتاب الماليزيين، ونال عددًا من الجوائز التقديرية عن أعماله الشعرية في مهرجانات ثقافية محلية، وله نشاط أدبي واضح في ترجمة شعر بلاده، وتقديمه بلغات عالمية في المهرجانات الأدبية الدولية.

في شعره بوح روحي سام، فيه حب عظيم الله، يتكرر هذا البوح في كثير من قصائده، مما يدل على عمق إيمانه بالله، وصدق لجوئه إليه، يقول في قصيدة رائعة له بعنوان «حميم»:

(يا من أنت هو اللطيف

أنت حميتني

ولذلك لم تأكلني السباع الجائعة

والثعالب الوحشية

مع أنني لا أعدو أن أكون ذرة

فهذا حبي الذي تنفخ أنت فيه

الروح والإيمان)

أما قصيدته «عين»، فهي مشهد رائع من مشاهد حبه للرسول r حيث يغدو المكان عبر شعره دفقات حية متأججة تستضيء، بنور النبوة المشحون بالصدق والأصالة:

(أمام كهف حراء

المغطى بنسيج العنكبوت

النبي الأمين سكن هنا

وكذلك أبو بكر الصديق

الذي أحبه حبًّا عظيمًا

إن أصداء رحيل النبي

لاتزال تتردد في الدروب

المدينة، مدينة النور تداعبني

وأقف مأخوذًا أمام الألحان الدافقة)

هذه البؤر المشعة الدافقة لدى شاعرنا الماليزي محمد كمال عبد الله تستوقفنا بكل حميميتها، فهي تربطنا معه بوشائج إيمانية روحية، وتستنطقنا بعذوبتها، وتأسرنا بإشراقاتها الضاربة في عمق التاريخ الإسلامي، لنمضي معه، حيث مدينة النور تعانقنا، وحيث الدروب تردد بألحان عذبة هجرة النبي r، ولعل هذه القصيدة المفعمة بالحنين لماضينا العريق جاءت عبر رؤى وجدانية خاصة قبل أعوام قليلة، حيث أدى الشاعر فريضة الحج، فكانت هذه الدهشة والانبهار في أقدس بقاع الأرض!

وتلازم الهموم الوطنية التي تعاني منها ماليزيا شاعرنا، وهي هموم سياسية واجتماعية واقتصادية، ففي قصيدته «لا تحزني يا ماليزيا» التي يشارك فيها أوجاع الفقراء في بلاده يقول معبرًا عن أحزانهم:

(هناك لدى صيادي الأسماك أغان حزينة

هناك أغان بلا إيقاع

يغنيها الفلاحون الفقراء

الباحثون عن المحبة

بصوت أجش مبحوح)

تلك الأناشيد الحزينة تتوحد مع هموم الفقراء من صيادي الأسماك والفلاحين ليعلو صوتهم رغم الأسى الذي يضرب الأفاق، ولم يغفل الشاعر عن بعض الفساد الذي يلف ماليزيا رغم تقدمها الاقتصادي وازدهارها وهذا ما كشفه أخيرًا الوزير الإسلامي أنور إبراهيم في الحكومة الماليزية، فدفع ثمنًا باهظًا لمواقفه الإسلامية الثابتة، منها سجنه وتعذيبه والطعن في أخلاقه، ففي قصيدة «موازييك» يطرح الشاعر أسئلة ساخرة موجعة، وهذه السخرية لم تأت عيشًا لولا ألمه الدفين لأوضاع بلاده من أخلاق بعض ساستها، وعبد الديون الحكومية الربوية، وقمع الحريات:

(كم يبلغ مقدار الدين الوطني عندنا ؟!

الحرية! العمال يضربون مطالبين برواتبهم

كم يبلغ مقدار الدين الوطني عندنا؟

إذا لم تلزم جانب الحذر

فسترهن ماليزيا عند المرابين)

لكن الآلام الدفينة التي تموج في صدره لما آلت إليه بلاده لم تجعله يفقد التفاؤل بنهضتها وحفظها من الله، فهو يتوسل إلى الحافظ القدير أن يخرج وطنه من أزمته، ويحفظه من المفسدين المرابين

(يا إلهي احفظ هذه الأرض

قبل أن تنقرض

قبل أن تختفي

يبتلعها العمالقة الجائعون

الجائعون).

ونلمح لدى شاعرنا قدرة فائقة في الغوص على المفارقات الساخرة الموجعة لفظًا ومعنى من خلال رموز موحية تشحننا بالمزيد من المرارة لما يحدث فهو يرمز إلى المفسدين المرتشين المرابين (بالعمالقة الجائعين) الذين يتربصون لابتلاع خيرات بلاده.

وقد اتسعت هموم شاعرنا الماليزي أحمد كمال عبد الله لتشمل مآسي أمته الإسلامية في أقطار عدة منها فلسطين والبوسنة والهرسك، وغيرهما، يقول في قصيدة «الفجر» التي نشرها عام ١٩٨٣م أثناء حصار بيروت من العصابات اليهودية:

(ألف حيلة من اليهود وحيلة

وهذا لبنان محاصر

ينهمر الرصاص بغزارة

قذائف الهاون

بيروت مدينة الموت 

الموت في كل مكان

 اليهود، اليهود 

يمتصون دماء الشعوب

 انهضي يا منظمة التحرير

 انهضي بجيشك الصغير

وأسلحتك الصغيرة).

هكذا يدعو الفلسطينيين إلى مواجهة الغزو اليهودي والحفاظ على كرامة الأمة الإسلامية أمام الحقد الصهيوني والقصيدة فيها استنهاض للهمم وبث واعد للأمل في النفوس، ويمضي الشاعر في تصویر حزنه الإسلامي من خلال قصيدة أخرى بعنوان: «رسالة إلى سراييفو» معبرًا عن جرائم الحرب ضد مسلمي البوسنة والهرسك فيقول: 

(أشجار صامتة، أحجار صامتة

بحيرات صامتة

غزيت البوسنة والهرسك

مساجد سراييفو المئة هوجمت ودمرت

وأمطرت القذائف الموجهة على البوسنة القتل

الشياطين الصرب يغسلون أجسامهم

بدم البوسنة والهرسك

يجرعون دموع الأطفال الأبرياء

وصرخات الضحايا)

تلك الفجائع لم تكن لتحدث لولا تقاعس المسلمين وفرقتهم وبعدهم عن دينهم، أما الدول الكبرى فهي غارقة في غيها وطغيانها، واستغلالها للدول الصغيرة الفقيرة، وهي السبب في كثير من الحروب في عالمنا، ولذلك نراه يصور بسخرية مرة من يطلبون الخير والعون من هذه الدول:

 (واشنطن ماما، نيويورك ماما

باريس ماما، بون ماما

لندن ماما، موسكو ماما

يا للكارثة !!) ([2])

وكذلك يسخر من الادعاءات الكاذبة للدول الاستعمارية الكبرى في تشييد نظام عالمي جديد يحافظ على الحقوق والعدل وحرية الإنسان وكرامته، وهذه الدول الكبرى تمارس الظلم والقمع والإرهاب والدمار وسحق كرامة الإنسان، لاسيما في عالمنا الإسلامي

(لقد غزوا العالم بالإرهاب،

 والتخريب الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي

غزوا الدول الصغرى في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية).

[1])) كتب عن حياة الشاعر وبعض أشعاره... الناقد د. محمد مصطفى بدوي - رئيس قسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية، ونشر في مجلة الأدب الإسلامي العدد الثامن، ص (٤٨ – ٥٤).

[2])) ترجمت مقاطع القصائد السابقة عن الإنجليزية وترجمها ، محمد مصطفى بدوي، مما أفادنا في الكتابة عن الشاعر.

الرابط المختصر :