العنوان رغم أحكام السجن واحتمالات الإغلاق الرفاه.. ما زال الرقم الصعب في الحياة السياسية التركية
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
مشاهدات 69
نشر في العدد 1273
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
• حملة تستهدف أردوغان خليفة أربكان خشية قيادته حزب الفرح.. ومحاولة لجر جماهير الرفاه لدوامة العنف
• حزب الوطن الأم يعارض منع المحجبات من دخول الجامعات بهدف تحسين موقفه على الصعيد الإسلامي
• سيناريو جديد: حكومة أقلية لإجراء انتخابات مبكرة قطباها الطريق القويم والشعب الجمهوري يدعمهما الرفاه من الخارج لإسقاط حكومة يلماظ
مع الحكم على اثنين من رؤساء بلديات الرفاه بالحبس.. الأول لمدة سنة وهو شكري قره تيه رئيس بلدية قيصري، و٤ سنوات للثاني وهو بكير يلدميز رئيس بلدية سينجان، يكون موقف الرفاه القانوني في العد التنازلي على الجبهة القضائية؛ إذ يعزز ذلك طلب المدعي العام الجمهوري فورال سواشي لإغلاقه، وهي القضية التي تنظرها المحكمة الدستورية حاليًا، وتعتبر من القرائن التي ستستخدم ضده خاصة أنها أحكام استندت إلى تهديد النظام العلماني، وذلك رغم نفي أركان الرفاه لاحتمالات تأثير الأحكام على مسار القضية، وهو ما يرى القانونيون المحايدون عكسه بل يعتبرون أن الحكم بعدم الإغلاق سيكون سياسيًّا أكثر من كونه قانونيًّا، الأمر الذي يستعد الرفاه له جيدًا من خلال إعلان نجم الدين أربكان زعيم الحزب رئيس الوزراء السابق أن تغيير مكان حرف في اسم الحزب يكفي لاستمراره، في إشارة إلى تغيير الاسم من الرفاه إلى الفرح.
وتؤكد معظم المصادر أن رجب الطيب أردوغان رئيس بلدية إسطنبول سيكون رئيس الحزب الجديد؛ إذ إن الحكم بإغلاق الرفاه سيطلب أيضًا منع أربكان وعدد من القيادات من العمل السياسي لمدة 5 سنوات، وهو فيما يبدو ما دفع رئيس الوزراء مسعود يلماظ إلى بداية حملة تشويه ضد أردوغان أنجح رؤساء بلدية إسطنبول على الإطلاق وفقًا للإنجازات التي حققها، إذ طلب من الداخلية بداية سلسلة من التحقيقات مع رئيس البلدية متهمًا إياه بالفشل الإداري بعد السيول التي ضربت إسطنبول خلال شهر أكتوبر الجاري وتسببت في إغراق منطقة عشوائية هي «علي بيه كوي»، والذي نفى أردوغان مسئولية البلدية من الناحية الإدارية والقانونية عما حدث رغم قيامهم بتقديم المأوى ومواجهة الموقف، ولكن أردوغان رغم دفاعه أصبح الهدف الثاني بعد تحقيق الهدف الأول برفع دعوى إغلاق الرفاه، وخاصة أن كافة استطلاعات الرأي العام تشير إلى أنه في حالة تولي أردوغان رئاسة الرفاه ستزداد شعبية الحزب؛ إذ يعتبره البعض أنطوني بيلير التركي، في إشارة لرئيس الوزراء البريطاني الجديد. ولذلك حاول وزير الداخلية إلصاق تهمة تنظيم مظاهرات غير قانونية لأردوغان، وهي التي تخرج أسبوعيًّا ضد قانون التعليم الجديد الذي ألغي الإعداديات الدينية، وهو ما لم تستطع الداخلية تأكيده.
سيناريو العنف
ويبدو أن هناك جهات تصر على جر الرفاه إلى دوامة العنف لإحكام الحلقات حوله واتهامه بعدم احترام الديمقراطية، فقد نجح الحزب صاحب الـ٦ ملايين عضو في التعبير سلميًّا موقفه من قانون التعليم إذ ينظم احتجاجًا منظمًا في ساحة جامع أيوب سلطان عقب صلاة فجر كل أحد، وإن كان المحتجون لا يرفعون شارات الرفاه مكتفين بالعلم التركي، ولم يحدث حتى الآن صدام مع الأمن الذي يواجه مظاهرات الجمعة -خاصة في ساحة جامع بايزيد بإسطنبول- بالعنف؛ إذ إن منظميها من الإسلاميين والذين يعارضون أسلوب الرفاه الهادئ.
وقد قرر وزير الدولة المسئول عن الأوقاف والشئون الدينية -وهو من حزب اليسار الديمقراطي- تطبيق نظام الوعظ المركزي في الجوامع، أي يتم وضع شاشات كبرى في الجوامع التركية لبث خطبة الجمعة من رئاسة الديانة، وهو ما يعني وضع كافة الجوامع تحت السيطرة في محاولة لضمان عدم تسلل الأئمة التابعين للرفاه -وفقا لادعاءاتهم- إلى الجوامع.
وبعيدًا عن الموقف الفقهي من جواز صلاة الجمعة بتلك الطريقة، فإن محمد نوري يلماظ رئيس الشئون الدينية يدافع عن المشروع برغبته في الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، مشيرًا إلى أن عدد الأئمة والوعاظ لا يكفي الجوامع التركية، وهو اتهام للحكومة دون أن يقصد بخطأ إغلاق إعداديات الأئمة والخطباء التي كانت تمد كليات الإلهيات بمئات بل آلاف من الطلاب، وقال: إن المشروع الحالي ليس من بنات أفكار الحكومة الحالية ولكنه نوقش أيام حكومة أربكان وهو ما قاله العديد من أركان الوطن الأم، في محاولة لإلصاق الاتهام للرفاه؛ إما بهدف تشويهه أو إثارته وجر جماهيره إلى رد فعل غاضب على مشروع الوعظ المركزي، بعدما نجح الحزب في ضبط عناصره في موضوع إغلاق الإعداديات الدينية.
تحسين الموقف على الصعيد الإسلامي
ويبدو أن حزب الوطن الأم يحاول تحسين موقفه خاصة أن قسمًا من قاعدته الشعبية يستمد ثقافته وأفكاره من الدين الإسلامي، لذلك فإن أمينه العام المساعد انتقد في اجتماع حزبي وفي تصريحات متلفزة للقناة السابعة يوم 20 أكتوبر الجاري موقف الجامعة من الطالبات المحجبات، واعتبر منعهن من الدراسة بسبب الحجاب موقفًا متخلفًا، وطالب رئيس مجلس التعليم الأعلى ورؤساء الجامعات بالاهتمام بالعقول وليس بالملابس، وقال للقناة السابعة: إن حزبه عندما كان في السلطة وحيدًا أصدر قانونًا للمحجبات بدخول الجامعة، وأضاف أنه جاء الوقت لإصدار قانون أشمل.
سيناريوهات إسقاط الحكومة
من جهة أخرى فإن حزب الرفاه الذي قدم مذكرة دفاعه القانونية في دعوى إغلاقه سيعمل على الجبهة السياسية مع شريكه السابق الطريق القويم لإسقاط حكومة مسعود يلماظ، خاصة بعد أن نجح تكتيكه في إسقاط مرشح يلماظ رئيس مجلس الشعب مصطفى قلملي في تجديد انتخابه، وأوصلا حكمت شتيي نائب حزب الشعب الجمهوري صاحب الـ٤٩ مقعدًا إلى رئاسة المجلس، الأمر الذي يمهد لسيناريو إقامة حكومة جديدة من حزبي الطريق القويم والشعب الجمهوري بهدف أن تكون حكومة انتخابات، وسيدعمها الرفاه من الخارج حتى لو رأسها دنيز بيقال الذي دعم يلماظ في التصويت بالثقة على حكومته وفي يده إسقاطها إذا ما قدم استجواب للتصويت بالثقة عليها.
ويستند العرض الذي تطرحه تانسو تشيلر زعيمة الطريق القويم في الكواليس إلى تجربة سابقة لها من الشعب الجمهوري في الحكم مما يعني وجود نقاط لالتقاء المصالح، إضافة إلى أن يلماظ خدع بيقال عندما أعلن استمرار حكومته إلى عام ۲۰۰۰ وليس حتى نهاية العام الجاري، وبالتالي فإن على بيقال السعي لدعم الانتخابات المبكرة خاصة أن شعبية حزبه في ازدياد ملحوظ مقارنة بالحزب اليساري الآخر الشريك في حكومة يلماظ وهو اليسار الديمقراطي وذلك بدلًا من ترك الفرصة لنجاح الحكومة الحالي، الأمر الذي قد يستفيد منه اليسار الديمقراطي على حساب الشعب الجمهوري، والفرصة سانحة الآن لبيقال للتحرك، فبعد إسقاط حكومة أربكان بهدف الحفاظ على العلمانية -كما كان يدعي- وإصدار قانون التعليم الجديد الذي يرجع السبب في صدوره إلى موقفه وشروطه لدعم الحكومة، ودفاعًا عن المصالح الشعبية خاصة بعد أن ارتفعت الأسعار بنسبة ٥١% خلال مائة يوم من حكم يلماظ فعليه حاليًا التحرك الجدي لمواجهة الحكومة وليس الاكتفاء بالتصريحات المعارضة، وبعد أن حصل حزبه على رئاسة مجلس الشعب بدعم من الطريق القومي، فلماذا لا يحصل على رئاسة الوزراء أيضًا إذا كان ذلك متاحًا؟ وهو ما تعرضه تشيلر في إطار انتقامها من يلماظ الذي شتت حزبها وقلص نوابها من ١٣٥ بعد الانتخابات إلى ۹۲ نائبا حاليًا، حتى ولو أصبح رئيسًا لوزراء حكومة اقلية لإجراء انتخابات مبكرة، وهي الفرصة التي لن تتكرر له ثانية؛ إذ إن أصوات أحزاب اليسار لا تزيد على ٢٥% في تركيا، خاصة أن الاستطلاعات تضمن لحزب الرفاه رغم الضغوط الحالية نسبة ٣٠٪ على أقل تقدير تجعله اللاعب الأساسي على الساحة السياسية.
المفتاح لدى الرفاه
وبالطبع سيدعم حزب الرفاه السيناريو من الخارج خاصة أنها ستكون حكومة انتخابية؛ وذلك لهدفين: الأول دعم شريكته تشيلر والثاني للانتقام من يلماظ، وفي الوقت نفسه يهدد بالطعن في دستورية رئاسة شتين للبرلمان إذ يرى نائبه مصطفى قلماك أستاذ الدستوري السابق أن المدة القانونية لقلملي تنتهي في ديسمبر المقبل وبالطبع فإنه قد يستخدم سلاح الطعن إذا ما اشتم رائحة الاتفاق بين يلماظ وبيقال وإبقاء الوضع كما هو عليه؛ إذ يخطط الرفاه لإسقاط الحكومة خلال العام الجاري وذلك قبل أن تصدر قانونًا انتخابيًّا لصالحها وللاستفادة من التعاطف الجماهيري الحالي معه، بينما تهدف تشيلر عدم إعطاء الفرصة لحزب تركيا الديمقراطية المنشق عن حزبها والشريك في حكومة يلماظ للتحرك على قاعدتها واستقطاب قطاع منها.
وبالتالي فإن الرفاه ١٥٠ مقعدًا بالاضافة إلى ٣ مستقيلين منه ولكنهم معه في التصويت، والطريق القويم ۹۲ مقعدًا، والوحدة الكبرى ٨ مقاعد، والحركة القومية مقعدان علاوة على الشعب الجمهوري ٤٩ مقعدًا يريدون جميعًا الانتخابات المبكرة أي ٣٠٤ نواب يمكنهم ببساطة سحب الثقة من الحكومة، وسيدعمهم أيضًا الحزب الديمقراطي بزعامة كوركوت أوزال الذي سيكون بديلًا للرفاه وضامنًا لترشيح عناصره على قوائمه في حالة إغلاقه وعدم قدرته على تشكيل حزبه الجديد، أو تشكيله وعدم القدرة على دخول الانتخابات بسبب شرط ضرورة تأسيسه قبل الانتخابات بـ ٦ شهور.
والحزب الديمقراطي يحتاج لمزيد من الوقت لترتيب أوضاعه لضمان الفوز القوي بعيدًا عن الرفاه، إذ يعتمد على الطرق الصوفية خاصة النقشبندية والنورحانيين لدعمه؛ مما يعني أنه سيستقطب مصوتيه من حزبي الوطن الأم والطريق القويم دون أن يؤثر ذلك كثيرًا على الرفاه، وإن كان الاثنان معًا يشكلان الاتجاه الإسلامي في الساحة السياسية التركية، فالرفاه سيظل الرقم الصعب في الساحة التركية ولا يمكن إغفاله مطلقًا عند الحسابات السياسية ونجاح أي سيناريو لإسقاط الحكومة مرتبط بموقفه.