العنوان التطرف «الوسطى»!
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 24-مايو-2008
مشاهدات 72
نشر في العدد 1803
نشر في الصفحة 66
السبت 24-مايو-2008
بعد مرور أكثر من ستة أعوام على مواجهة التطرف في المملكة وبعض الدول العربية ومحاربة وجوده في المؤسسات التعليمية والمجتمعية أطرح تساؤلاتي حول نتائج تلك المعركة بجولاتها المختلفة، وفي إمكانية نجاحنا في دحض شبهات المتطرفين والقضاء على جيوبهم المنتشرة في المدن والأرياف؟ وهل استطعنا أن نوجد الأنموذج الصحيح للتدين المعتدل؟ وهل قلصت جهود الدعاة والعلماء دوائر المتعاطفين مع الفكر التكفيري؟ وهل بعد هذه السنوات نستطيع أن نقول: إننا حصنا عقول أجيالنا من أي خطر للتطرف قد يهدد مستقبل الأجيال القادمة؟
أعتقد أن هذه التساؤلات وغيرها ضرورية لتقويم تجربتنا، وتصحيح مفاهيمنا نحو الأخطاء المرتكبة، والتي تعتبر طبيعية إذا ما قارناها مع حجم المواجهة وتعقد مجالاتها وتشابك أسبابها، ولكن يبقى طرح الأسئلة والمراجعة حول هذا الموضوع مهما للغاية لنعرف موقعنا بالضبط وموقع المقابل كذلك لنفهم أبعاد الجولة القادمة والأسلحة المناسبة لها.
ولعل أهم ما يجب مراجعته في إطار واجب المؤسسات هو أداء الأجهزة الإعلامية والتعليمية على وجه الخصوص في نشر الوعي الحضاري والفكر المعتدل والتسامح الأخوي بين أبناء المجتمع الواحد؛ وذلك أن دورها شمولي لكل الأفراد، وأثرها قوي في حس الإنسان ومشاعره وعقله اللاواعي بالدرجة الأولى، خصوصاً أن معركتنا الحقيقية مع التطرف هي في ميدان الفكر والعلم وأسلحة الحرب فكرية بالدرجة الأول وأدواتها معرفية وضحايها ليسوا بأموات هامدين، بل هم أحياء يعيشون بيننا، وقد يحملون تلك الفيروسات الخطيرة وهم بيننا، لكننا لا نستطيع التنبؤ بموعد تفاعلها أو انفجارها في الجسم والمجتمع، لخمودها أحيانا وتلونها وقبوعها تحت السطح أحياناً أخرى.
فالتركيز على المواجهة الأمنية ليس هو العلاج الحاسم لهذه الأزمة أو الخيار الوحيد لمواجهتها بل يعتبر حلا مؤقتاً ومرحلة نهائية للقضاء على الحالات الخطيرة التي استفحل فيها المرض، ولم يعد من خيار إلا القطع والبتر للعضو التالف، وليس للحالات الحاملة لتلك الفيروسات القاتلة، والتي قد تستوجب إجراءات علاجية مستمرة ومكثفة لتأهيل المريض للعودة مرة أخرى لمجتمعه نقياً وصالحاً. وأي تقاعس في المبادرة نحو المعالجة الفكرية قد يؤدي إلى انتشار الوباء داخل الجسد، وحينها تكون خيارات النجاة قليلة ونتائجها باهظة.
والحقيقة أن الواقع المحلي خلال الفترة الماضية حمل الكثير من التنظيرات وأنتج العديد من المؤتمرات، وتشكلت لها لجان عدة، ولكن ثمرة هذه البرامج في التغيير وجدواها في الإصلاح لا يزال متواضعا ودون الطموح في الوصول إلى قناعات مؤثرة وإيجابية تجعل الشباب المتحمس سواء كان متدينا ، أو غير ذلك يتفاعل معها ويؤمن بها ويتحصن ضدها، وللأسف فإن مراجعتنا وتقويمنا لبعض الشخصيات العلمية التي لها فتوى شاذة مخالفة لمقاصد التنزيل الرشيد للنص السديد، مثل: فتاوى أئمة الدعوة في الردة والتكفير والجهاد ضد المخالفين.. وغيرها، أو المؤلفات العقدية المعاصرة التي اختارت بعض الآراء الفقهية والعقدية في هجر المبتدع، ولو كانت بدعة يسيرة مبناها الجهل والعرف المتوارث كحال كثير من الشعوب الإسلامية المتأثرة بالتصوف، أو التشيع، أو الكفر بالموالاة المطلقة لغير المسلم أو الحكم بالضلال والهلاك العام للأشاعرة والماتريدية، وغيرها من مراجعات مهمة تحتاج جرأة علمية من هيئات موثوقة لا تخضع لسلطة الجماهير، أو الدول أو الإعلام المسيس، ومناقشة تلك المرجعيات العلمية في آرائها ونقدها موضوعيا ينبغي ألا يقابل بحساسية شديدة من الأتباع والمحبين لأن الحق أحب إلينا والمعصوم هو الوحي ومبلغه ﷺ وكل علمائنا الكبار من أئمة المذاهب ومن دونهم لم يسلموا من الخطأ والنقد والمراجعة وتغيير الفتوى، فالاحترام لا يعني التقديس والعصمة والنقد لا يعني النكوص والاتهام، وحتى لا يصبح الأمر منفلتاً لغير المتأهلين أجد من المناسب أن يقوم بهذا الدور هيئة كبار العلماء في المملكة، أو المجامع الفقهية المعتبرة بتكليف خاص من المؤسسات الرسمية لتوضيح الموقف الشرعي من الولاء والبراء كمفهوم للسلف يتفق مع مقاصد الشريعة، ويجمع النصوص كلها ولا يجزئ فهمها، كذلك تطبيقات الجهاد على العصر الحاضر والموقف من غير المسلمين والمخالفين لأهل السنة أفراداً ودولاً وجهات، وتحقيق المعنى بدارى الكفر والإسلام، وحقوق ولاة الأمر وحفظ نظام الأمة ورعاية مكتساباتها فهذه المسائل وغيرها تعتبر أهم الإشكالات الفكرية التي يتسلح بها المتطرفون ويغض الطرف عنها المعتدلون الوسطيون بل ربما يصر بعض المعتدلين على آرائهم الفقهية والتي يتذرع بها المتطرفون- مع إنكارهم لنتائجها الكارثية من تفجير وتكفير ولكن تغافلهم عن نتائجها المدمرة لا يعفيهم من ضرورة مراجعة تلك الآراء وتغييرها سدا لذرائع الغلو والتطرف والحقيقة أننا أمام تطرف وسطي هيأ المناخ وشكل العقليات الأحادية المتشددة، فهل يقبل هذا التيار مراجعة مدخلات التطرف مثلما ينفي مخرجاته؟!!
(*) كاتب وأكاديمي سعودي