; ٣٥ عاما على إعدامه... سيد قطب وكفاح المغرب العربي | مجلة المجتمع

العنوان ٣٥ عاما على إعدامه... سيد قطب وكفاح المغرب العربي

الكاتب مولود عويمر

تاريخ النشر السبت 25-أغسطس-2001

مشاهدات 85

نشر في العدد 1465

نشر في الصفحة 42

السبت 25-أغسطس-2001

  • تبين لسيد قطب أن مساندة الحركة الوطنية. المغاربية. تبدأ بمقارعة الادعاءات الإنسانية لفرنسا التي حاولت ترسيخ صورتها كداعية للتحضر.
  • كان همه أن يكشف الغطاء عن حقيقة فرنسا أمام النخبة العربية المنبهرة بها الذين سماهم عبيد فرنسا.
  • جمعية القيم الجزائرية أرسلت مناشدة لعبد الناصر لوقف إعدام سيد قطب فكان الرد حل الجمعية وحظر نشاطها.

لم يكن سيد قطب أديبًا ومفكرًا إسلاميًا فحسب وإنما أيضًا مناضلًا سياسيًا ومعارضًا للقوى الظالمة في جميع صورها وأشكالها. لقد كان همه تحويل كلماته إلى قوة تحرك النفوس وتكسر قيود الذل وتقلع جذور الوهن والهوان، فالمثقف الذي لا يساهم في كفاح شعبه أو أمته بقلمه ولسانه وروحه مهمل لوظيفته خائن لرسالته، وانطلاقا من هذا المبدأ ساند سید قطب الحركات التحررية في المغرب العربي وهاجم بشدة فرنسا التي استعمرت الغرب الإسلامي.

كانت مصر في الأربعينيات والخمسينيات قبلة للزعماء المغاربة الذين دفعتهم غطرسة الاستعمار الفرنسي إلى هجرة الأوطان فوجدوا في مصر وعلمائها وقادة الرأي فيها سندًا قويًا لقضيتهم وعونا على مواصلة نشاطهم السياسي من أجل تحرير المغرب العربي، والذي يهمنا هنا هو إبراز علاقات المفكر الكبير بهؤلاء الزعماء وخاصة نشاطه في سبيل نصرة الحركات الوطنية المغاربية.

علاقاته بالعلماء والزعماء المغاربة:

 وصل الزعيم المغربي علال الفاسي إلى مصر في الأربعينيات وتعرف على سيد قطب الذي كان شغوفا بمعرفة أحوال المسلمين في المغرب وأخذ منه أحاديث نشرها في مجلة العالم العربي معلقا عليها وكانت هذه المجلة التي يرأسها قطب تهتم بجميع البلدان العربية وتفتح صفحاتها لكل الكتاب والزعماء العرب.

 في العام ١٩٥٤م، أصبح سيد قطب مشرفًا على جريدة الإخوان المسلمون فاستكتب مرارا صديقه علال الفاسي عن أخبار المغرب والعمل النضالي المغربي يقول علال في هذا الصدد: لقد عاشرت سيد قطب زمانًا من مقامي بالقاهرة وتعاونت معه حينما كان يصدر جريدته الأسبوعية... وكنت أكتب فيها.. كما خصصت المجلة صفحاتها لأقلام مغاربية أخرى ورحبت بتصريحاتهم خاصة قادة مكتب المغرب العربي بالقاهرة نذكر منهم الأمير عبد الكريم الخطابي الحبيب بورقيبة والرشيد إدريس... كانت هذه المقالات والتصريحات نافذة يطلع من خلالها المسلمون على تطور الحركات الوطنية في المغرب العربي. وتربط سيد قطب بالشيخ محمد البشير الإبراهيمي علاقات قوية، وشاركا سويًا في المؤتمر الإسلامي بالقدس الذي انعقد في أواخر ١٩٥٣م، وقد ترأس الشيخ الإبراهيمي جلسات أعماله فيما عين سيد قطب والفضيل الورتلاني والدكتور سعيد رمضان ومحيي الدين القليبي ومحمد محمود الصواف ومحمد خليفة وكمال الشريف أعضاء في اللجنة التنفيذية للمؤتمر. 

واظب سيد على حضور الندوة التي ينظمها مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة كل أسبوع والتي كان يشارك فيها أيضًا كبار الكتاب والعلماء نذكر منهم أحمد حسن الزيات ومنصور فهمي والحاج أمين الحسيني والدكتور عبد الواحد وافي والدكتور سعيد رمضان والإمام حسن الهضيبي وصالح حرب والشيخ محمد عبد اللطيف دراز والدكتور محمد عبد الله دراز.

وكان سيد قطب أيضًا على صلة قوية بالعالم والمجاهد الجزائري الشيخ إبراهيم أطفيش الذي كان يشتغل بدار الكتب المصرية. وقد تحدث سيد قطب عن هذه العلاقة في مجلة الشهاب الإخوانية، ولا شك أن سيد قطب تعرف على الزعماء المغاربة الآخرين الذين كان لهم صيت كبير في مصر في الأربعينيات والخمسينيات أمثال عبد العزيز الثعالبي وشاذلي المكي، وأحمد بيوض([1]).

كتاباته في صحيفة البصائر الجزائرية:

 خص سيد قطب صحيفة البصائر التي تصدرها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بأربعة مقالات تدعيما لنشاطها الإصلاحي وتعزيزًا للصحافة العربية في الجزائر، وقد نشرتها بعد أن قدمته بكلمات تقول فيها: «وجد الأستاذ «سيد قطب» في صحيفة البصائر - التي هي اللسان المعبر عن كفاح الجزائر في سبيل المحافظة على إسلامها وعروبتها وربط نهضتها بالعالم الإسلامي - صدى دعوته الصارخة فأحبها، وبادر بإرسال هذه الكلمة البليغة الجامعة إليها وهي إذ تحلي صدرها بها، إنما تنشر صفحة من جهاد أحد العلماء العاملين من أعلام هذه النهضة».

وقبل الحديث عن هذه المقالات نشير إلى أن البصائر نشرت مقالات لكتاب آخرين نقلًا عن جريدة «الإخوان المسلمون»، التي يشرف عليها سيد قطب كما أقدمت صحف جزائرية أخرى على إعادة نشر مقالات قطب على صفحاتها لما يتمتع به من شهرة واسعة وسمعة طيبة في الجزائر، نذكر على سبيل المثال جريدة «المنار» التي أسسها محمود بوزوز، والتي نشرت مقالتين لسيد قطب في العام ١٩٥٢ نقلا عن جريدة الدعوة ومجلة الرسالة. ونقلت لقرائها مقالًا للإمام حسن البنا نشر في العدد الثاني والثلاثين من جريدة «الإخوان المسلمون».

 في ٢٣ يناير ١٩٥٣م نشرت البصائر المقال الأول لسيد قطب تحت عنوان «كفاح الجزائر» بين فيه سياسة فرنسا التي تهدف إلى محو الثقافة الإسلامية واللغة العربية في الجزائر أملا في سلخها من العالم الإسلامي على نمط الأندلس والذي جاء فيه: «كفاح الجزائر في سبيل البقاء»، وكفاحها في أن تظل عربية وأن تظل مسلمة هذا الكفاح له في نفسي دلالة خاصة قد لا تخلص لي من كفاح أي بلد آخر من البلاد العربية أو البلاد الإسلامية لقد أريد بالجزائر أن تكون أندلسًا جديدة، أريد بها أن تنسلخ من جسم الوطن العربي الإسلامي، وأن تبتلعها الصليبية الأوروبية الجديدة. ومضى أكثر من قرن من المحاولات الجبارة لا تني لحظة ولا تكف، واستخدمت كل الوسائل التي لا تعرف البشرية أقسى منها ولا أمكر منها ولا أفتك منها([2]).

 وكتب سيد قطب مقاله الثاني تحت عنوان «نحن خير أمة أخرجت للناس»، جاء فيه على الخصوص: «هذه المزق التي صار إليها الوطن الإسلامي بفعل الاستعمار الغربي هذه الأوطان المتعددة التي أنشأها الاستعمار من الوطن الإسلامي الواحد هذه الرايات المختلفة التي اتخذناها من مزق الراية الواحدة. هذه كلها قد حالتنا بعضنا عن بعض غرباء». 

«انعكس هذا التفرق على واقع المسلمين فأضاعوا القدس كما فقدوا بالأمس الأندلس فالیهود رغم اختلاف جنسياتهم وتعدد أوطانهم وحدوا صفوفهم وجمعوا قواتهم لاغتصاب فلسطين، وهذه الأرض المقدسة حررها من الصليبيين صلاح الدين الأيوبي الذي ليست له سوى راية الإسلام يدفع عنها وليس له وطن لا الوطن الإسلامي يدفع عنه وليست له جنسية إلا الجنسية الكبرى التي من الله بها على الأمة الإسلامية». 

وخيرية الأمة الإسلامية في نظر سيد قطب لم تكن محاباة ولم تكن وراثة إنما بين الله أسبابها وقواعدها، وهذه الأسباب والقواعد تجسدها الآية القرآنية ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ سورة (آل عمران:١١٠).

 هل يمكن للمسلمين أن يتوحدوا في ظل التآمر العالمي على الإسلام وهيمنة الدول الاستعمارية على كثير من الأقطار الإسلامية تسلط الأنظمة الحاكمة على شعوبها؟ يجيب سید قطب قائلا: إن العقبات في طريقنا شتى وإن الاستعمار لنا بالمرصاد. ولكننا نملك أن نحطم العقبات ونملك أن نغلب الاستعمار على أمره إن الاستعمار الذي يغلبنا ليس هو استعمار الحديد والنار. فالاستعمار لا يملك أن يقيم جنديا من جنوده على كل فرد من الملايين الكثيرة في ذلك الوطن الإسلامي إنما الاستعمار هو ذلك الذي في صدورنا وقلوبنا والسبب هو خلو ضمائرنا من الإيمان بالله وامتلاؤها بالخوف والطمع([3]).

 نشر سيد قطب مقاله الثالث في ١٣ مارس ۱۹٥٣ تحت عنوان طريق النصر، بين فيه سنن النصر منطلقا من قوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج:40-41)،فالمسلمون ينتصرون على أعدائهم حينما يتشبثون بدينهم، وينهزمون حين ينحرفون عن عقيدتهم وقد تجسدت هذه القاعدة في غزوة أحد ويوم حنين والعقيدة الإسلامية كما عرفها سيد قطب هنا وفي جميع مؤلفاته ليست عقيدة لاهوتية تنزوي في المسجد وتنتهي بأداء العبادات، إنما هي نظام حياة ودستور مجتمع وقانون دولة.

 ختم سيد قطب مقالته بتأكيد هذه القناعات التي يجب أن تظل راسخة في أذهان المسلمين «إذا نحن آمنا حق الإيمان أدينا ما يحتمه علينا إيماننا من استعداد، فكان لنا النصر لأننا نزيد على قوة أعدائنا قوة العقيدة...هذا هو طريق النصر وهو أمامنا مفتوح.. وليس لنا طريق سواه.. فلنعرف الطريق، ثم نطلب النصر من الله».

استهل سيد قطب مقاله الرابع بالتفاؤل بمستقبل الإسلام وخاصة إذا اعتمد الدعاة والعلماء على منهج دعوي يتسم بالواقعية والوسطية ودعا إلى وضع إطار يرشد مسار الدعوة ويحمي مكاسبها وليس أفضل من اغتنام فرصة الحج مؤتمر الدعوة الإسلامية، كما سماه سید قطب لاجتماع العلماء ودراسة مشكلات المسلمين في جميع أبعادها؛ لا ليكون مهرجانًا للخطب وإنما جلسات علمية منظمة ولجان تعد البحوث حول كل مشكلة، وتتألف كل لجنة من خبراء وتنتهي بقرارات يلتزم بها علماء المسلمين وقادتهم، ويكون المؤتمر الخطوة الأولى لإحياء الإسلام عقيدة ونظامًا وشعورًا وعملًا. واختار سيد قطب أن يعقد المؤتمر في مكة وليس في غيرها من المدن الإسلامية وفي فترة الحج وليس في الأيام الأخرى لسبب ديني محض. ولقد كان في وسعي أن أدعو إلى عقد هذا المؤتمر في القاهرة مثلًا، وهي مركز العالم الإسلامي، وفيها وسائل الدعوة ميسرة من صحافة وإذاعة وطرق اتصال، ولكنني دعوت إلى عقد هذا المؤتمر في موسم الحج، لأن في إقامته هناك إحياء لفريضة إسلامية، وتنفيذًا لاتجاه إسلامي.. ونحن حين نبدأ بإحياء الإسلام يجب أن نبدأ بشعائره وفرائضه وسننه وتوجيهاته([4]).

وقد قامت شبيبة جمعية العلماء الجزائريين بترجمة مقالات سيد قطب ومقالة أخرى بعنوان عبقرية حسن البناء نقلًا عن جريدة الدعوة ونشرتها في جريدتها الناطقة بالفرنسية «الشاب المسلم».

سيد قطب يفضح السياسة الفرنسية:

لقد تبين لسيد قطب أن مساندة الحركة الوطنية المغاربية تبدأ من مقارعة الادعاءات الإنسانية لفرنسا قبل أي تعبئة عسكرية لمقاومة الاحتلال، خاصة وهو يعلم مدى نجاح فرنسا في ترسيخ صورتها كداعية للتحضر في أذهان النخبة العربية، وكان همه أن يكشف الغطاء عن حقيقة فرنسا في أفضح صورها فلا بد أن تتغير صورة فرنسا تبعا لمواقفها المخذلة من القضايا الإسلامية وممارساتها القمعية مع المسلمين الذين يعيشون تحت سيطرتها، وليس نسبة إلى تاريخها الثقافي وشعاراتها الإنسانية التي تنادي بها ولا تطبقها إلا على أبنائها. وقد عبر سيد قطب خير تعبير عن هذا التناقض بقوله «في الجزائر يعتبر تعليم اللغة العربية والدين جريمة يقبض على فاعلها كما يقبض على اللصوص وقطاع الطريق، وينادى عليه في قفص الاتهام معهم، ويحشر كذلك معهم في واحد»([5]).

 وفي مقال آخر بعنوان تهكمي «فرنسا أم الحرية» يضيف: «وفرنسا هي التي تحارب ثقافتنا، وكتبنا وصحافتنا في الشمال الإفريقي كله، ولقد عجز الدكتور طه حسين وهو في وزارة المعارف - وهو أصدق أصدقاء فرنسا أن يفتتح معهدا لمصر في الجزائر، أو حتى في طنجة التي تحكم دوليا، بسبب تعصب صديقته الكبرى فرنسا!»([6]) ويقصد هنا معهد فاروق الأول للدراسات العربية الذي كان من المفروض أن يفتح أبوابه في الجزائر ويديره الدكتور يحيي الخشاب، ولكن فرنسا رفضت ذلك لأنها رأت في المعهد خطرا على وجودها في الجزائر ولم تفلح تهديدات طه حسين بإغلاق جميع المدارس الفرنسية في مصر وإيقاف أعمال التفتيش الأثري الذي تقوم به البعثات الفرنسية بمصر. في تراجع السلطة الفرنسية عن رفضها لإنشاء معهد مصري لدراسة الثقافة العربية في الجزائر([7]).

 ولم يكتف سيد قطب بالكتابة في الصحف لفضح الاستعمار الفرنسي، فقد ألقى محاضرات في هذا الموضوع ففي 5 مارس ۱۹٥١م، ألقى محاضرة في دار جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة انتقد فيها فرنسا التي تتعامل مع الشعوب الإسلامية التي استعمرتها بمنطق القوة والقمع. وقد حضر اللقاء الشيخ أبو الحسن الندوي وسجل أهم ما ورد في حديث سيد قطب، «قرأ كلمة كانت موجهة إلى «عبيد فرنسا» وكانت كلمة أدبية تهكم فيها بهؤلاء العبيد الذين يسبحون بحمد فرنسا بكرة وأصيلا ويرون فيها القدسية، والجلالة، ويدينون بحبها وولائها، واقترح بأن تغير الكتب المقررة في الدراسة التي تتكلم عن ثورة فرنسا وتأثيرها في تحرير الفكر والمساواة بكتب تاريخ الاستعمار الفرنسي وفظائعه، وكانت الكلمة تقاطع بهتافات صارخة وتصفيقات حارة وكان الجميع يهتف بين حين وآخر «تسقط فرنسا العاهرة»([8]).

ولعل هذه العبارات تلخص مجمل رأيه في الاستعمار الفرنسي: «ومع أن سيد قطب استنكر فظائع المستعمرين الأوروبيين والأمريكيين، في كل قطر دنسوه بمخالبهم، في عدد من مقالاته العنيفة، إلا أنه خص الاستعمار الفرنسي بحملة أقسى، متحدثا عن جرائمه التي اقترفها بحق الشعوب العربية والإسلامية التي وقعت فريسة بين يديه، فنهشها بمخالبه، وانتهب خيراتها، وكان سيد يهاجم مؤيدي فرنسا، أو الذين يدينون بحبها في محاضراته بجانب مقالاته التي نعت هؤلاء في واحد منها بأنهم «نفر منحلون، وسمى اللغة التي ينطق بها هؤلاء «لغة العبيد»([9]).

دعوة الآخرين:

دعا سيد قطب رجال الفكر وقادة الرأي في العالم الإسلامي للتحدث والكتابة عن فظائع الاستعمار: إن فرنسا تمزق جسم الوطن الإسلامي في تونس والجزائر ومراكش وإنجلترا تقوم بدورها في مواقع أخرى وهذا ما يجب أن نذكره صباحًا ومساء، وما يجب أن نلقنه أبناءنا بكرة وعشيا([10]).

 تعتبر الفترة الواقعة بين ١٩٥٤ و١٩٦٢من أعتى فترات الصراع مع الاحتلال الفرنسي ومنعطفًا في تاريخ المغرب العربي المعاصر، فقد انتقل النضال الوطني من العمل السياسي إلى المقاومة المسلحة، فوقف كثير من العلماء المسلمين إلى جانب المجاهدين ولا يمكن لنا أن نتحدث هنا عن مشاركة سيد قطب لأنه كان معتقلا في مصر من عام ١٩٥٤م إلى ١٩٦٦م بسبب نشاطه الحركي ومعارضته للحكومة المصرية. 

ولا بد أن نشير إلى أن الجماعة التي ينتمي إليها سيد قطب هي الأخرى تهتم بالمغرب العربي وتتابع تطور الحركة الوطنية فيه وتعبر عن مساندتها للوطنيين المغاربة، وقد تطرقنا لهذا الموضوع في مقال سابق ولا مانع أن نذكر مثالين هنا يدعمان قولنا:

  1. نجح الإمام حسن البنا في توحيد الحركة الطلابية المغربية التي كانت مشتتة ومنقسمة إلى جمعيتين: جمعية الدفاع عن مراكش وجبهة الدفاع عن مراكش، فتأسست في دار المرشد العام رابطة الدفاع عن مراكش بعد توحيد الجمعيتين.
  2. في عام ١٩٥١م نددت جماعة الإخوان المسلمون بحملة الاعتقالات التي مست كثيرًا من مناضلي الحركة الوطنية الجزائرية وأنصارهم، وأقامت اجتماعا احتجاجيًا في مقر الجماعة، وأصدرت بيانا جاء فيه: إن الإخوان المسلمين المجتمعين اليوم جموعًا كثيفة يضمون صوتهم إلى الحركة الوطنية الجزائرية برفع الاحتجاجات الصارخة ضد اعتقال الإخوان الجزائريين في مختلف السجون الاستعمارية بالجزائر ويطالبون بإطلاق سراح المعتقلين([11]).

 أصداء إعدام سيد قطب في المغرب العربي:

 بقي سيد قطب مرتبطا بالمغرب العربي بعد استقلال دوله حريصًا على تتبع أحداثه رغم المضايقات والمحن التي تعرض لها، انطلاقا من العام ١٩٥٤ بسبب أفكاره الجريئة وانتمائه الحركة الإخوان وقد حرص المغاربة أيضًا على الاتصال به كلما زاروا مصر، وقد تحدث عن الاتصالات التي كانت بينه وبين بعض الدعاة والعلماء الليبيين والجزائريين في كتابه لماذا أعدموني.

في مقال بعنوان: «عندما يسكت العلماء» أشاد العالم الجزائري الشيخ عبد اللطيف سلطاني بالعلماء المخلصين، ولا بد أنه وضع في باله «سيد قطب» الذي كان في تلك الفترة في صراع شديد مع السلطة المصرية: «طائفة قليلة أخلصت لربها، وشعرت بقيمة المسؤولية وثقل الأمانة، فرفعت صوتها مدافعة عن الدين وتعاليمه في بعض الأقطار الإسلامية»([12]) وبعد بضعة أشهر، اعتقل سيد قطب وحكم عليه بالإعدام.

 قام قادة الرأي والسياسة في العالم الإسلامي بالاحتجاجات أملًا في تراجع السلطة المصرية عن هذا القرار، أرسلت جمعية القيم الجزائرية التي تضم أغلب الإسلاميين الجزائريين خطابا إلى جمال عبد الناصر تناشده إصدار قرار عفو عن سيد قطب، وكرد فعل حظرت الحكومة الجزائرية نشاطها في ۲۲سبتمبر ١٩٦٦ بذريعة التدخل في الشؤون الداخلية لدولة صديقة وفي ۱۷ مارس ۱۹۷۰ تم حل الجمعية.

 قامت عدة مساع في المغرب الأقصى لإنقاذ حياة سيد قطب كان علال الفاسي المحرك الأساسي لها والساهر على نجاحها، بعثت النخبة المغربية رسالة إلى عبد الناصر جاء فيها على الخصوص: تلقت الهيئات السياسية والإسلامية والشعبية في المغرب العربي نبأ الحكم بالإعدام على الأستاذ الكبير سيد قطب وإخوانه بالألم العظيم، وهي تتقدم إلى سيادتكم بالرجاء الحار لتدخلكم الشخصي العاجل لإلغاء هذا الحكم، حفاظا على حياة علامة إسلامي فذ واثقة بأن جوانب الخير في هذا الإلغاء ستكون أكبر من أي اعتبار آخر. وسيقدر لكم العالم الإسلامي بشعوبه ومفكريه وهيئاته المختلفة هذه الاستجابة لشعور الأمة الإسلامية([13])، وأمضى هذه البرقية مجموعة من الزعماء والعلماء منهم علال الفاسي، عبد الكريم الخطيب وعبد الكريم غلاب والمكي الناصري وأرسلت نفس النخبة رسائل مماثلة إلى حكام المسلمين وهيئة العفو الدولية للتدخل السريع لوقف تنفيذ الحكم. 

وأرسلت جمعية شباب النهضة التي يرأسها أبو بكر القادري رسالة احتجاج إلى عبد الناصر ليتدخل شخصيا للوقوف دون تنفيذ هذا الحكم الذي من شأنه أن يترك جروحا في نفوس كل من يحمل بين جنبيه عاطفة إسلامية، وعرف ما أسداه سيد قطب للخزانة والثقافة الإسلامية من جميل([14])، وبعث الاتحاد العام للشغالين برقية بالمطلب نفسه.

 وطالب علماء القرويين الملك الحسن الثاني بالتدخل لدى الحكومة المصرية لإلغاء حكم الإعدام ضد سيد قطب ورفاقه «لما لهم من مواقف في الدفاع عن الإسلام ونشر ثقافته»([15]) وطالب البرقان التونسي بإلغاء حكم إعدام سيد قطب وأرسل مناشدات بذلك إلى بورقيبة وهواري بومدين والملك الليبي السنوسي.

ورغم ذلك أعدم سيد قطب شنقًا في ٢٩ أغسطس ١٩٦٦م وأقيمت صلاة الغائب على روحه في طنجة، وأمها الشيخ عبد الله بن عبد الصادق وشارك فيها علال الفاسي. وفي الثاني من سبتمبر من العام نفسه كتب في جريدة العلم التابعة لحزب الاستقلال مقالًا مستفيضا عن سيد قطب جاء فيه: «إن تنفيذ الإعدام في سيد قطب وصحبه، بداية الشهادة الإسلامية ضد الماركسية الملحدة إن موتهم سيكون حياة للفكر الإسلامي الذي لا يعيش بغير الشهداء».

إن الناظر إلى قناعات سيد قطب عن فرنسا ومهاجمته لممارساتها الاستعمارية في المغرب العربي يدرك مدى التزامه بمناصرة هذا القسم الغربي من العالم الإسلامي ووفائه لزعمائه الذين تربطه بهم صلات قوية، والذي دفع سيد قطب إلى الاهتمام بالحركة الوطنية المغاربية وتبني قضاياها المتحررة إيمانه العميق بوحدة العالم الإسلامي، واستجابته لواجب النصرة للمسلمين المستضعفين في المغرب العربي، ومقارعة التيار التغريبي المتجذر في الحياة الثقافية والسياسية في مصر عن طريق فضح نموذجه الحضاري، فإن فرنسا تعارض تطبيق مسوغاتها الفلسفية وشعاراتها الإنسانية «العدل المساواة، الأخوة الحرية العلم...» على الشعوب المستعمرة وتتعامل معها بمنطق القوة والعنف.

 


 

([1]) علال الفاسي، سيد قطب الداعية الإسلامي الكبيرالعلم المغرب. العدد ٥٩٥٨، ٢٠ سبتمبر ١٩٦٦م.

([2]) د. محمد ناصر الشيخ إبراهيم أطفيش في جهاده الإسلامي - الجزائر المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية ١٩٩١م- ص ٥٢.

([3]) البصائر، العدد ٢٢٠ - ٦ مارس_١٩٥٣

([4]) البصائر العدد ۲۲۳ - ۲۷ مارس ١٩٥٣م

([5]) سید قطب دراسات إسلامية - بيروت دار الشروق، ۱۹۸۷م، ص ١٦٩.

([6]) المرجع السابق ص ۱۷۹.

([7]) الأهرام ٤ ديسمبر ١٩٥١ وروز اليوسف ۱۱ ديسمبر ١٩٥١م.

([8]) أبو الحسن الندوي: مذكرات سائح في الشرق العربي دمشق. دار ابن كثير، ۲۰۰۱م ص136.

([9]) عبد الله عوض الجناص - سيد قطب الأديب الناقد - الجزائر، شركة الشهاب للنشر والتوزيع، د.ت، ص ۲۱۹.

([10]) المنار الجزائر العدد٥١ ، ١ يناير١٩٥٤م.

([11])المنار العدد ۱۱، ۸ ديسمبر ١٩٥١م.

([12]) التهذيب الإسلامي، العدد ۸، مارس ١٩٦٦ م ص ٢٨.

([13]) العلم، العدد ٥٩٥٠، ٢٤ أغسطس ١٩٦٦م.

([14]) العلم، العدد ٥٩٥١، ٢٥ أغسطس١٩٦٦م.

([15]) العلم العدد ٥٩٥٢، ٢٦ أغسطس ١٩٦٦م.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية