; مفاهيم لا بد من تأصيلها في مسيرة الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان مفاهيم لا بد من تأصيلها في مسيرة الدعوة

الكاتب الأستاذ يوسف العظم

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1987

مشاهدات 54

نشر في العدد 824

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 07-يوليو-1987

في آفاق العمل الإسلامي والسياسة الشرعية النائب الأردني يوسف العظم يكتب للمجتمع:

بين الفكر الإسلامي والفكر الفوضوي

لا أدري إن كان هناك نية سوء وراء الخلط بين الفكر الإسلامي الذي يدعو لمزيد من البناء والعطاء، ومزيد من الخير والإيجابية، ويرى أن في البناء والعطاء وعمل الخير دنوًّا من الكمال الإنساني، وقربًا من الهدف لقيام المجتمع الإسلامي الأمثل، وبين الفكر الفوضوي الذي يرتاح لزيادة عدد المحرومين والبؤساء والحاقدين، ويدعو لمزيد من الدمار والانهيار؛ لأن في ذلك اقترابًا من «صراع الطبقات»، ودنوًّا من «الثورة» التي يحلم بها أولئك الفوضويون، أم أن مثل هذا الخلط ناتج عن عمق الجهالة بالإسلام، وسطحية المعرفة بأصول الفكر الإسلامي، وجذور ثقافته، وشمول معطياته؟

وإلا لماذا يقع الخلط بين المعارضة الإسلامية الرشيدة التي تضع أصبعها على الجرح وفي يدها بلسم العلاج: نصح صادق، وقول خير، وتوجيه مخلص، وبين من لا يؤمنون إلا بتحطيم الحافلات، وكسر زجاج العربات، وقطع الأشجار، وإشعال الحرائق؟!

أذكر أن صحافة بلد عربي فيه للحركة الإسلامية حضور كبير، حملت في الستينيات على «الإسلاميين» دون إنصاف ولا موضوعية، بل وفي غوغائية ظالمة، وصخب أهوج، وزعمت أن من أهداف الإسلاميين ووسائلهم معًا: تخريب الجامعات، ونسف الجسور والسدود، وتحطيم المستشفيات، وتدمير المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها؛ ليتمكنوا من حكم البلد والاستيلاء على السلطة فيه.

وقد تساءل المنصفون- يومئذٍ والعقلاء الذين لا يخلو منهم زمان- فقالوا:

أي بلد هذا الذي يسعى «الإسلاميون» لحكمه- يا مفترون- بعد أن حولته تصوراتكم الموهومة وخيالكم المريض إلى خرائب وأطلال ينعب فيها البوم، وتنعق فيها الغربان؟!

بين القوة الواعية والعنف المتخبط:

لا بد من التفريق بين «القوة الواعية» التي تعمل الحركة الإسلامية على تناميها في مجتمعنا تماسك شعب، وقوة جيش، وعدالة حكم، وبين «العنف المتخبط» الذي يرفضه الإسلام، ولا يرتضيه بحال من الأحوال، ذلك أن القوة الواعية تساعد على تماسك الأمة الذي يصب في نهر قوتها وعطائها، ووقوفها في وجه الأطماع الأجنبية والفتن الداخلية، أما العنف المتخبط فلا يقدم للأمة عونًا، ولا يسير بها خطوة واحدة نحو بر الأمان!

القوة الواعية أشبه بنهر غزير الماء عميق، يجري في سهول خصبة، أو ينحدر من هضاب خضراء، يشرف على مسيرته هيئة ذات تخصص في شؤون الري، توجه ماء النهر إلى حيث ينفع، حينًا يروي الأشجار المثمرة، وحينًا يسقي الخضروات، وحينًا ينطلق ماؤه نحو المراعي، وقد يساق إلى منحدر لتوليد طاقة كهربائية تنير ظلمة الليل، وتدير آلة الصناعة والإنتاج.

أما العنف المتخبط فهو عاصفة هوجاء، تهب فتطفئ سراج الحكمة والعقل، وهو أشبه بإعصار مدمر، وطوفان جارف، يسوق أمامه كل شيء، فلا يبقي ولا يذر، بل يغرق الأخضر واليابس، ويهلك الحرث والنسل، ومطلقوه وصانعوه هم أول من يذوق بلاءه، ويغرق في وحله، ويصاب بأذاه!

هذا هو فهم الحركة الإسلامية الراشدة، وهي تفرق بين «القوة الواعية» التي تبني و«العنف المتخبط» الذي يدمر، فهل يعي هذه الحقيقة من يسهم في صنع القرار، أو يزجي النصح حين يستشار بعيدًا عن المؤثرات الأجنبية المشبوهة، وأطماع المؤثرات الداخلية المغرضة؟!

إنني- وأنا أكتب هذا- أستحضر في قرارة نفسي، وبين عيني نمطين من الناس: الشانئون ممن هم في بعض مواقع المسؤولية، الذين لا يمحضون النصح، بل يسعون لإيقاع الفتنة، وشق الصف، وإحداث الشرخ بين أبناء الأسرة الواحدة، وبعض الدعاة من الذين لا يسيطرون على انفعالاتهم؛ فيحاولون- بالكلمة الجارحة والعبارة النابية- أن يستفزوا الناس؛ لتقع الفتنة النائمة، وتشتعل النار التي يحسن أن نوقدها في وجه المحتل لأرضنا، المنتهك لحرمات مقدساتنا.. فهل تعون؟!

الدعاء لولي الأمر مسألة تقتضيها السياسة الشرعية:

يحاول بعض الدعاة أن يلمح أو يصرح لمن حوله أن الدعاء لولي الأمر باسمه لا يليق بالدعاة، وهو رأي إذا جاز لبعض العاملين فرادى في حقل الدعوة أن يأخذوا به كما يعتقدون، فإنه لا يجوز للدعاة العاملين في تنظيم يسعى لإقامة مجتمع إسلامي متميز أن يدعو لمثله؛ لأن أبسط قواعد الدعوة أن تحسن التعامل مع الناس كافة، فكيف مع صاحب القرار الذي يملك أن يسير السبيل على الدعوة والدعاة، حين يحسن بدفء الدعاء له، أو يعكر صفو الحياة بما يضع من عقبات وعراقيل حين يلمس الجفوة الواضحة والقطيعة التي تقوم حين يحرم من الدعاء.

إن المسلمين الواعين ملزمون أن يتبعوا سبيل الرشاد الذي اتبعه الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- في مجال الدعاء للناس أو عليهم، ولا يستطيع أحد أن يتنكب هذا السبيل بافتعال مواقف شاذة تخرج عن أحكام شرعية محددة.

لقد عرض جبريل- عليه السلام- على النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يطبق على المشركين الجبلين ليهلكوا وهم من نعلم شركًا وعنادًا، فأبى أملًا في هداية بعضهم، وفي أن يولد من أصلابهم من يوحد الله ويجاهد في سبيله، وقد كان، فلقد نصر الله الإسلام بأحد العمرين حين أسلم عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وعرفت ساحة الشهادة عكرمة- رضي الله عنه- ابن أبي جهل عدو الدعوة، وموقع الأذى بالنبي وأصحابه.

ولقد دعا الرسول- صلى الله عليه وسلم- لقومه بالهداية، وهم من نعلم شركًا وعنادًا: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون».

هذا والفريقان متميزان: نبي الهدى والرحمة، وعتاة الشرك والكفر البواح، فكيف إذا كان الموقف مختلفًا تمامًا، بين دعاة من البشر ليس لهم حظ من العصمة أو نصيب من القداسة، وهم يدعون لقيام مجتمع إسلامي أمثل وحكم إسلامي رشيد، وحكام من المسلمين يحسنون ويسئون، ويصيبون ويخطئون، تتسع رقعة إحسانهم وإساءتهم وتضيق، ويكثر صوابهم وخطأهم أو يقل.

لقد دعا الرسول- صلى الله عليه وسلم- لقومه قبل إسلامهم بالهدى، وهم في مواطن القوة، ومواقع التسلط والجبروت، وتسامح معهم وعفا عنهم، وهو في موقف القوة ومركز القيادة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

إن من صدق التوجه وحسن التأتي للداعية الموفق الحريص على نشر دعوته، وحماية إخوانه، ورعاية شؤون المسلمين، أن يدعو لولي الأمر بما يبيحه دينه، وتسمح به شريعته، ويقره عليه علماء السلف الصالح، ورحم الله الإمام العارف الحسن البصري الذي يقول: لو كان لي ألف دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان؛ فإنه بصلاحه تصلح الرعية!

وفي ظل هذه المعاني الإسلامية الرفيعة، والأحكام الشرعية السامية، لا يجوز بحال لداعية ملتزم أن يصدر الأحكام وفق هواه في أمر بدهي، يلتقي عليه علماء الأمة ويتفقون.

فاللهم وفق ولي الأمر- أني قام وارتحل- للسداد والرشاد في القول والعمل، وهيء له من الأمر ما يعز به الإسلام ويعز الإسلام به، ويسر له بطانة صالحة تذكره بالخير إذا نسي، وتعينه على الخير إذا ذكر، وآجرنا اللهم عن هذا الدعاء ما خلصت النية، وتجرد القصد لوجهك وحدك دون سواك.

الساعون للصدام دومًا يخسرون:

أولو الأمر في عالمنا الإسلامي نمطان: نمط يسعى لاجتثاث الحركة الإسلامية من جذورها بدوافع حزبية أو طائفية، أو لأطماع ومنافع ذاتية، أو بسبب مؤثرات خارجية تفرض من بعيد، ويُوحى بها بين الحين والآخر، ونمط لا يرى ضيرًا في أن يتعايش مع الحركة الإسلامية في حدود، ويلتقي معها حينًا، ويختلف معها حينا آخر.

وواجب الدعاة أن يضعوا سياسة واضحة صادقة صريحة للتعامل الودود مع النمط الثاني، الذي ييسر للدعوة رئة تتنفس من خلالها، ويصنع لها مظلة من الحرية النسبية تتحرك الدعوة في أفيائها.

وحين يخلط الدعاة بين النمطين السالفين من أولى الأمر، يقعون في شرك تنصبه لهم فئات معادية، ومراكز قوى مخططة، حتى لا يفرقوا بين من يعمل على اجتثاث الحركة الإسلامية من جذورها كما أسلفنا، وبين من يمكن أن يقيم معهم علاقات من المودة أو التعايش، أو إن جاز التعبير حسن الجوار!

لقد مرت الحركة الإسلامية الأم في مصر بموقفين فُرِضا عليها بقصد اجتثاثها:

الموقف الأول: حين التقى ثلاثة من سفراء الدول الغربية في مقر قيادة الاحتلال البريطاني بمعسكرات فايد في «القناة»، وأوحوا للملك فاروق يومذاك والحكومة المصرية أن تحل الجماعة، وقد كان، مما أدى إلى انفعال بعض الشباب وخروجهم عن روح العقلانية والاعتدال، خاصة بعد أن دُبِّر وتم أمر اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا بهدف أن يفلت الزمام وقد كان، مما عاد على مصر وشعبها بالتمزق والضياع!

تُرى ماذا لو أن الحكومة المصرية- بمنأى عن نصائح الأجنبي، وتسلط الأجهزة القمعية- لم تعمل على اغتيال الإمام حسن البنا؟

لقد كان من الممكن احتواء الموقف، ومحاكمة قاتل النقراشي شخصيًا، ومعاقبته ومن معه وفقًا للقوانين والأنظمة المعمول بها مما يجنب البلاد فتنة عارمة، كان سببها أن الزمام قد أفلت من أيدي القادرين على الإمساك به، وتوجيه الأمة بعيدًا عن مواطن الفتن ومهاوي الضلال.

والموقف الثاني: حين أعدت «مسرحية حادث المنشية»، ودبرت بليل، لتتهم الجماعة المسلمة الراشدة بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر.

لقد برأ القضاء المصري النزيه الجماعة من هذه المحاولة بعد ما يقرب من ربع قرن من الزمان، واعتمد في تبرئته وثائق وأحداثًا لا يمكن أن تحال له، أو أن يطلع عليها لو ظلت السلطة في موقعها، وبقي القهر والقمع يمارس هوايته في سفك الدم وترويع الآمنين.

لقد صدر قرار البراءة، وعرف الناس إلى أي مدى يمكن تدبير المؤامرات وإعداد الخطط لضرب الحركة الإسلامية، ولكن بعد أن وقع بالشعب المصري- وخيرة شبابه وبنيه، وكرام أسره وبناته- ما تشيب له الولدان، ويندى له جبين الزمان!

لقد ضربت الحركة الإسلامية، وأوذي أبناؤها، ووقع بهم من الأذى ما وقع؛ لتبعث بعد حين من جديد، وتبرعم أغصانها بجيل أصبح ملء السمع والبصر، ليس في مصر وحدها، ولكن على امتداد الساحة العالمية.

إن المؤامرة أكبر من أشخاص الدعاة الذين يفنون، ولكنها أصغر من الدعوة التي لا تموت! أسوق هذا للعبرة من الماضي للتعامل مع الحاضر لبناء المستقبل.

إن المتصدي للمواجهة الساعي للصدام هو الذي يخسر الموقف في النهاية، ولكن بعد أن يقود الأمة إلى مهاوي التهلكة، وتيه المذلة والضياع!

ترى المعارضة الإسلامية الواعية أن حقن الدماء في مسيرتنا واجب، وأن إشاعة الأمن والاستقرار لا بد منها، وأن حماية الأنفس من الهلاك فرض، وأن توفير الطاقة في كل مجالاتها أمر لا بد منه؛ ليقوم بين أبناء الشعب- على اختلاف فئاتهم، وتعدد حقول العمل لديهم- تماسك؛ لتنهض أمة قوية ترد العدوان، وترفض الهوان.

الرابط المختصر :