; أخلاق النصر عند جيل الصحابة (1) | مجلة المجتمع

العنوان أخلاق النصر عند جيل الصحابة (1)

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1992

مشاهدات 82

نشر في العدد 1011

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 11-أغسطس-1992

·       لقد جاهد صحابة رسول الله أنفسهم بكل ما تملكه أيديهم وبكل ما تطيقه أنفسهم.

ما من شك في أن نفوسنا جميعًا تتوق إلى النصر والتمكين كي نحيا في هذه الدنيا سادة أعزة، كرماء، وحتى نظفر غدًا بجنة عرضها السماوات والأرض، ورضوان من الله أكبر.

وما من شك في أن هذا الذي تتوق له النفوس مطلب غالٍ ونفيس، وما نحن ببالغيه بالنوم والكسل، والدعة، والراحة وإنما بشق الأنفس، أجل لابد لهذا المطلب الغالي النفيس من تكاليف وتضحيات ومجاهدات كتلك التي تحملها، وكابدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يمكن أن نسميه: «أخلاق النصر».

 

الصدق مع الله:

فقد حدثتنا كتب السير والتراجم والتاريخ أن هؤلاء الأصحاب جاهدوا أنفسهم في التقرب إلى ربهم بكل ما في أيديهم، وبكل ما تطيقه أنفسهم، مما شرعه الله سبحانه وتعالى لهم؛ حتى أثنى عليهم ربهم في كتابه فقال:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).

وتجلى هذا الخلق في:

 

إخلاص الوجهة والعمل لله:

هذا شداد بن الهاد يقول: جاء رجل من الأعراب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فآمن به واتبعه، فقال: أهاجر معك، فأوصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه. فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم. فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى ها هنا وأشار إلى حلقه بسهم، فأموت، فأدخل الجنة. فقال: إن تصدق الله يصدقك. ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل وقد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو، هو؟ قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه، وكفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قدمه فصلى عليه، وكان مما ظهر من صلاته: «اللهم هذا عبدك خرج مجاهدًا في سبيلك فقُتل شهيدًا، وأنا عليه شهيد» (1).

وهذا أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقول: أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إني رجل أسود اللون قبيح الوجه، لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل؛ أأدخل الجنة؟ قال: نعم، فتقدم حتى قتل، فأتى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مقتول، فقال: «لقد سنّ الله وجهك، وطيب ريحك، وكثر مالك». وقال: «لقد رأيت زوجتيه من الحور العين يتنازعان جبته عليه، يدخلان فيما بين جلده وجبته» (2).

وهذا عبد الله بن جحش يقول لسعد بن أبي وقاص يوم أحد: ألا تدعو الله؟ فخلوا في ناحية، فدعا سعد، فقال: يا رب؛ إذا لقيت العدو، فلقني رجلًا شديدًا بأسه شديدًا حرده، أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه، حتى أقتله، وآخذ سلبه. فأَمَّنَ عبد الله بن جحش ثم قال: اللهم ارزقني رجلًا شديدًا حرده شديدًا بأسه، أقاتله فيك، ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي، وأذني، فإذا لقيتك غدًا قلت: من جدع أنفك، وأذنك؟ فأقول: فيك، وفي رسولك صلى الله عليه وسلم، فتقول: صدقت. قال سعد لبنيه: يا بني، كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرًا من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار، وأن أنفه وأذنه لمعلقان في خيط (3).

وهذا أبو هريرة رضي الله عنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة، لم يصل قط. فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو؟

فيقول: هو أصيرم بن عبد الأشهل: عمرو بن ثابت بن وقش. قال الحصين - اسم لأبي هريرة - قلت لمحمود بن لبيد كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم أحد بدا له فأسلم، ثم أخذ سيفه، فغدا حتى دخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة «أي أثقلته فلم يتحرك». قال: فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم ما جاء به؟ لقد تركناه، وإنه لمنكر لهذا الحديث «أي الإسلام». فسألوه: ما جاء بك يا عمرو، أحُبًّا على قومك؟ «يعني أعطفًا وشفقة على قومك» أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله، وأسلمت، ثم أخذت سيفي، وغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلت حتى أصابني ما أصابني، فلم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنه من أهل الجنة» (4).

وجاء في رواية أخرى: إن عمرو بن أقيش كان له رِبا في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه، فجاء في يوم أحد، فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأحد. قال: بأحد. فلبس لأمته يعني - عدة الحرب - وركب فرسه، ثم توجه قبلهم. فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو. قال: إني قد آمنت. فقاتل قتالًا حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحًا، فجاء سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فقال لأخيه سلمة: أحَمِيَة لقومه أو غضبًا لله ورسوله؟ قال: بل غضبًا لله ورسوله، فمات فدخل الجنة، وما صلى لله صلاة (5).

 

أخي: إذا عرفت هذا فاجتهد أن تتحلى بهذه الشعبة من الصدق مع الله، وأعني بها شعبة الإخلاص لله في الوجهة، وفي العمل حتى يكون النصر والتوفيق حليفنا، وحتى تنجو وتفوز غدًا ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88 - 89).

وإذا حدثتك نفسك بغير هذا فذكِّرها بما يلي:

ذكِّرها بأن الله مطلع يعلم، ويسمع ويرى، ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام: 3).

﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: 1).

﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 29).

وذكِّرها بفضيحة الدنيا والآخرة «من سَمَّع سَمَّع الله به ومن يُرائي يُرائي الله به» (6).

«يا عبد الله بن عمرو: إن قاتلت صابرًا محتسبًا، بعثك الله صابرًا محتسبًا، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا بعثك الله مرائيًا مكاثرًا، يا عبد الله بن عمرو: على أي حال قاتلت أو قُتلت بعثك الله على تلك الحال» (7).

وذكِّرها بأن الهزيمة إن وقعت بالمسلمين فإنما هي السبب، وستتحمل وزرها ووزر هؤلاء جميعًا بين يدي الملك الحق المبين «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعوتهم، وصلاتهم وإخلاصهم» (8).

وكأنه بعدم الإخلاص تأتي الهزائم وـتحمل النفس المرائية الوزرين جميعًا.

وذكِّرها بأن ما وقع منها محبط للعمل قليله وكثيره، وكأنها بذلك قد ضيعت عليها جهاد سنوات وسنوات «وقد خاب من حمل ظلمًا» (111).

«لأعلمن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثورًا، أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا انفردوا بـمحارم الله انتهكوها» (9).

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (الفرقان: 23). وذكِّرها بأنها - بعملها هذا - ستكون من أول من تُسَعَّر بهم النار:

«إن أول الناس يقضي عليه يوم القيامة رجل استشهد، فأتى به فعرفه نعمته فعرفها، قال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جَريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: إنك عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي به في النار. ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي به في النار» (10).

وذكِّرها بالنار، والخلود فيها ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (النساء: 14).

﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (الجن: 23).

وذكِّرها بخبر المرائين، وأنها ستكون قريبًا لهم يوم القيامة، مثل خبر «قزمان» وغيره. إذ يقول قتادة - رضي الله عنه - كان فينا رجل أتى «أي غريب» ولا يدرى من هو يقال له «قزمان»، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر: «إنه لمن أهل النار». قال: فلما كان يوم أحد قاتل قتالًا شديدًا فقتل هو وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بني ظفر، قال: فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر. قال: فبماذا أبشر؟ فو الله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت. قال: فلما اشتدت عليه الجراحة أخذ سهمًا من كنانته فقتل به نفسه (11).

ذكِّرها بذلك كله وغيره، فلعلها ترعوي وتنزجر، وتخاف الله، وتقدره حق قدره وتلتزم بإخلاص الوجهة والعمل لله.

واجتهد كذلك ألا تهملها فترة طويلة بغير تفتيش ومحاسبة، بل فتش فيها وحاسبها مع كل عمل، ومع كل نفس، ومع كل خاطر.

واطلب من إخوانك أن تكون عيونهم مفتوحة عليك، فإذا رأوا ما يدل على عدم الإخلاص فلينهوك، بل يزجروك، ورحم الله امرءًا أهدى إلي عيوبي.

«وأخيرًا اطلب من الله العون والتسديد ولُذْ بحماه»، والجأ إليه كثيرًا، وردد دائمًا هذا الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» (12).

«يتبع»

 

(1) رواه النسائي والحاكم.

(2) رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.

(3) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 9/303 وعزاه إلى الطبراني وعقب عليه بقوله: «رجاله رجال الصحيح».

(4) أورده ابن كثير في البداية والنهاية 4/37 وابن حجر في الإصابة 2/526 ثم عقب عليه بقوله: «هذا إسناد حسن، رواه جماعة من طريق ابن إسحاق».

(5) رواه أبو داود والحاكم.

(6) رواه البخاري ومسلم.

(7) رواه أبو داود.

(8) رواه النسائي.

(9) رواه ابن ماجه.

(10) رواه الشيخان.

(11) رواه ابن كثير في البداية والنهاية 4/36 نقلًا عن ابن إسحاق.

(12) رواه أبو داود.

 

الرابط المختصر :