العنوان القوة النووية الأمريكية.. ضد «مجموعات إرهابية» بين الدعاية والحقيقة
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
مشاهدات 58
نشر في العدد 1316
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
* أمريكا تدرس ردود الأفعال على هجومها الأخير على السودان وأفغانستان إستعدادًا لحرب المستقبل.
نقلت وكالة الصحافة الألمانية، عن صحيفة «زود دويتشه» الصادرة في ميونيخ، حديثها في عدد يوم الإثنين 17/ 8/ 1998م، عن «نهج جديد» تبنته القوات العسكرية الأمريكية منذ فبراير 1996م، يضع في حسابه استخدام الأسلحة النووية في توجيه الضربات إلى من تعتبرهم «مجموعات إرهابية» في أنحاء العالم، واستندت الصحيفة في مقالها إلى دراسة قام بها «مركز المعلومات عن الأمن الأطلسي» في برلين و«المجلس البريطاني الأمريكي للمعلومات السرية» في لندن.
أول ما يتبادر إلى الأذهان عند الاطلاع على هذه الأنباء تصور الضربات العسكرية الأمريكية الأخيرة، خارج نطاق الشرعية الدولية، ضد منشأة لصناعة الأدوية في السودان، ومنطقة يقال إنها تضم معسكرات تدريب في أفغانستان، وتصور استخدام «أسلحة نووية» في هذين الهجومين.
والواقع أن الساسة والقادة العسكريين الأمريكيين لا يتورعون عن شئ، بما في ذلك استخدام أسلحة الدمار الشامل الفتاكة، ولاسيما عندما يقدرون من الناحية العسكرية أنهم لن يواجهوا ضربة مضادة بحجم مماثل، كما كان في حقبة الحرب الباردة بينهم وبين السوفييت، فقوة «الردع المتبادل» كانت حاجزًا دون العدوان، ولكن ما الذي يمنع العدوان عند افتقاد وجود قوة رادعة؟.. الشرعية الدولية؟.. ألم تثبت الضربات الأخيرة ضد السودان وأفغانستان أن «الشرعية الدولية» وفق المفهوم الأمريكي، ليست أكثر من «النظرة الأمريكية إلى المصالح والمطامع الدولية الذاتية»؟
السؤال الذي يتوجب طرحه أمام هذه الأنباء يدور حول المغزى من توقيت نشرها الآن.. وقد يكون الأمر مجرد نشاط صحفي، ولكن الاحتمال الأكبر أن يكون المقصود نشر الخبر المذكور في هذا الوقت بالذات، في خضم النقاش الدولي الدائر عن الأساليب الأمريكية الأشبه بأساليب رعاة البقر، في مكافحة «الإرهاب العالمي» الذي تعطي واشنطن لنفسها وحدها الحق في تعريفه وتوزيع الاتهامات بصدده كما تشاء.. ثم إصدار الأحكام وتنفيذها!
ليس المقصود هنا هو تخويف من يمارسون أعمالًا إرهابية ما، سيان.. ما تعريف الإرهاب؟، فكما يقول أحدهم يتحول الأمر آنذاك إلى صورة «كاريكاتورية- مأساوية»، كمن يريد اقتناص ذبابة بطلقة مدفع، ولكن المقصود هو إرهاب دول معينة، مثل أفغانستان والسودان، وقد يأتي دور سواهما في قادم الأيام، ولا يقف الأمر عند حدود «إيواء مجموعات إرهابية والسماح بقيام معسكرات تدريب»، فالأمريكيون وهم يقصفون مصنعًا للأدوية بحجة اشتباههم بإنتاج «غاز سام» فيه، يجعل كل دولة من الدول التي لا ترضى الولايات المتحدة عن سياساتها في فترة من الفترات عرضة لخطر «الاشتباه.. والضرب»، فما أسهل نشر المزاعم عن إنتاج أسلحة كيماوية وحيوية- محظورة على غير الأمريكيين وأنصارهم- في هذا البلد أو ذاك، لحظة تمرده على هدف سياسي أو اقتصادي أمريكي، كالامتناع مثلًا عن الانضواء تحت مشروع مفروض لترسيخ الأقدام الصهيونية في المنطقة العربية، ثم ما أسهل العثور على الذريعة لجعلها سببًا مباشرًا لتوجيه ضربة إنتقامية، فقد أصبحت السياسات الأمريكية استفزازية إلى درجة تثير مخاوف أقرب الحلفاء إليها.
الاحتمالات.. والواقع:
بين قنابل هيروشيما وناجازاكي والقنابل النووية المتوافرة الآن فارق كبير، ولئن تركزت الأنظار على جيل الأسلحة النووية المدمرة بما تصل قوته إلى عشرات أضعاف قنبلة هيروشيما، فمن المعروف أنه توجد أيضًا «أسلحة نووية صغيرة»، وعندما أجرت باكستان تجاربها النووية الأخيرة ردًا على التجارب الهندية، لم يكن مفعول ذلك مقتصرًا على توافر القدرة على صناعة السلاح النووي فقط، بل لفت الأنظار مدى جهل التقديرات الغربية، ولاسيما الأمريكية والهندية إلى ما وصلت إليه الطاقة الباكستانية في هذا الصعيد، ليس في صناعة رؤوس نووية كبيرة فحسب، بل في صناعة رؤوس نووية أخرى، لا تتعدى طاقة تفجيرها واحدًا من خمسين بالمقارنة مع قنبلة هيروشيما، فهذه الأسلحة الأصغر التي تملكها الدول النووية الرئيسية، هي التي بات يُخشى من استخدامها أكثر من الأسلحة الكبيرة، في حالة اندلاع حروب بمشاركة طرف نووي، لأن حجم الضحايا البشرية والمادية فيها، لا يقارن مع حجم الأضرار الضخمة المترتبة على تفجيرات نووية ضخمة، وبالتالي مع ما يثيره من ردود فعل دولية، وهنا مكمن الخطر الحقيقي فيما تتداوله القيادات العسكرية الأمريكية منذ سنوات من احتمالات استخدام السلاح النووي بعد غياب الرادع السوفييت، فالأسلحة النووية «الميدانية الصغيرة» لم تجد طريقها إلى التجربة العملية، ولا يعرف مفعولها الحقيقي، رغم الدراسات والتقديرات، وصناعة السلاح الأمريكي، معروفة بأنها شديدة الحرص على «تجربة» كل سلاح جديد في حرب من الحروب، كما صنعت في أكثر من مائتي نزاع عسكري كان الأمريكيون طرفًا فيها في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين.. وصاروخ «توما هوك» الذي استخدم في السودان وأفغانستان، يقطع مسافحة تصل إلى 1500 كيلو مترًا، بحمولة تصل إلى 500 كيلو جرامًا من المتفجرات، ويصل إلى هدفه بتوجيه شبكة توجيه في الأقمار الصناعية، واستخدام لأول مرة في حرب الخليج الثانية بأعداد كبيرة، ورأي الخبراء العسكريون أنه لا يصيب أهدافه على الدوام بالدقة المتوقعة، فأدخلوا التحسينات عليه.
وتبعًا لما سبق يمكن القول: الأمريكيون يعدون سياسيًا لاحتمال تجربة أسلحتهم النووية «الصغيرة» تحت عنوان مكافحة الإرهاب الدولي، وهذا ما يعطي الضربتين الأخيرتين ضد السودان وأفغانستان مغزى أبعد مدى من مجرد الانتقام لعمليتي تفجير السفارتين على الأرض الأفريقية.. فرصد ردود الأفعال السياسية في المناطق المعنية إقليميًا وعلى المستوى الدولي، يتحول إلى مادة لدراسة ردود الأفعال المحتملة عند التصعيد العسكري الأمريكي باستخدام سلاح أشد خطورة.
والأمريكيون يعدون «الرأي العام» الأمريكي والعالمي لمثل هذا الاحتمال عن طريق تسريب الأبناء عما يخططون له، لرصد ردود الأفعال، فعلى قدر ما يؤخذ النبأ مأخذ الجد ويجد طريقه إلى النقاش، ثم على قدر ما يتجد المخططات الأمريكية رفضًا أو تجاهلًا أو سكوتًا، يمكن تقدير ما يجده الأمريكيون عند الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ، ولاسيما إذا ساد لديهم الاعتقاد، بأن توجيه ضربة أو ضربتين «نوويتين» من هذا القبيل، يكفي لإحكام السيطرة على الدول المتمرة على السياسات الأمريكية عالميًا.
والأمريكيون يعدون عسكريًا لاحتمال استخدام السلاح النووي ضد «الإرهاب الدولي»، جنبًا إلى جنب مع الحملات المعروفة للتخويف من أن «الإرهاب الدولي» يمكن أن يستخدم أسلحة فتاكة، كيماوية أو حيوية، كمبرر من أجل توجيه ضربات «وقائية»، ولاسيما أن «الاتهام بالشبهة»، و«التنفيذ خارج نطاق الشرعية الدولية» في مقدمة ما يجري إعداد الأمريكيين له على المستويين العسكري والمدني على السواء.
جوهر المشكلة:
في إطار الحديث عن احتمالات استخدام السلاح النووي، ركزت بعض وسائل الإعلام الغربية التي تابعت الموضوع بصورة محدودة نسبيًا، على أمر رئيس، لا يرتبط بالأطراف المستهدفة من السلاح العدواني الفتاك، بل يرتبط بالعلاقات الأوروبية- الأمريكية في نطاق حلف شمال الأطلسي، باعتبار القسط الأعظم من «الأسلحة النووية الميدانية» منتشر في البلدان الأوروبية في نطاق حلف شمال الأطلسي، والدول الأوروبية التي تراقب بقلق كيف تتجاوز السياسة الأمريكية حلفاءها وأصدقاءها فيما تقرره لتثبت زعماتها الدولية انفراديا وترسيخ دعائم هيمنتها الاقتصادية والأمنية والسياسية عالميًا، ترصد أيضًا تصعيد نوعية الوسائل التي تستخدمها واشنطن لهذا الغرض، كما ترصد «الظروف» الداخلية الأمريكية، التي تتحكم في صناعة القرار الدولي، وتتندر فيما تتندر بهذا الصدد أن الصحفيين الذين كانوا متجمعين في جزيرة «مارتا فينيارد» حيث كان كلينتون في إجازة، كانوا يشاهدون فيلم «حرك ذيل الكلب» ويضحكون على الممثل «دستن هوفمان» في دوره الكوميدي كرئيس أمريكي انكشفت فضائحه الجنسية، فأثار حربًا خارجية للفت الأنظار عن وضعه الداخلي.
بتعبير آخر، يشعر حلفاء واشنطن بمدى خطورة أن تجرهم الأوضاع الداخلية الأمريكية إلى مغامرات دولية خطيرة، وهنا لا يقتصر الأمر على «فضائح جنسية»، بل يمتد إلى مختلف الميادين، بدءًا بتأثير ما يسمى «لوبي السلاح»، وانتهاء بعمليات استطلاع الرأي التي تؤكد أن كل «حرب أمريكية»- باستثناء حرب فيتنام- كانت تضيف إلى الرئيس الأمريكي عددًا من النقاط في درجة شعبيته.!
يجب أن يوضع حد للاستهتار الأمريكي على المستوى الدولي، ولاسيما تجاه المنطقة العربية والإسلامية، فما يمكن أن يصل إلى مستوى استخدام أسلحة نووية، أو سواها من الأسلحة الفتاكة، هو أولًا وأخيرًا حرب أمريكية محضة، تصفها وزير الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت بحرب المستقبل، وتريد واشنطن أن تستخدم فيها «سائر الوسائل المتوافرة لديها» على حد تعبير وكيلها الوزاري توماس بيكرينج، ويمكن أن تسبب في المستقبل خسائر أكبر مما كان حتى الآن، كما يتنبأ مدير المخابرات المركزية الأمريكية السابق روبرت جيتس، ولهذا «يجب إعطاؤها» الأولوية على سائر ما عداها في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والمالية والآمنة.
هذه الحرب الأمريكية يحاول الأمريكيون وصفها بالدفاعية، أي تستند إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تقول: «لا شيء في هذا الميثاق يحد من الحق الطبيعي للدفاع الانفرادي والجماعي عن النفس، عندما تتعرض دولة عضو في الأمم المتحدة إلى هجوم مسلح، وهذا إلى أن يتخذ مجلس الأمن الدولي الإجراءات الضرورية للمحافظة على السلام والأمن الدوليين».. ويقول خبير القانون الدولي مشائيل بوتي من فرانكفورت- كمثال وتوجد أمثلة عديدة سواء من الساحة الغربية- «الدفاع عن النفس شيء... والضربات الإنتقامية شيء آخر» ومسألة الضربات الوقائية «تقف على أرضية ضعيفة للغاية» ولا سند لها في القانون الدولي.
حرب المستقبل حرب عدوانية، تتخذ من «الإرهاب الدولي» ذريعة لتحقيق أهداف أخرى، خلاصتها الهيمنة الدولية المطلقة، بل تكاد واشنطن لا تتورع عن المخاطرة بعمليات تزيد ذلك الإرهاب الدولي، لتوفير مزيد من الذرائع لممارسة تلك الحرب، التي يعتبرها فرانس شورمان، الأستاذ الجامعي في جامعة كاليفورنيا سابقًا: «حربًا كبرى ضد الإسلام والمسلمين.. بدأت في السودان وأفغانستان»، وإدراك هذه الحقيقة هو الذي يجعل عددًا من المسؤولين الأمريكيين وفي مقدمتهم بيل كلينتون يؤكد مرة بعد أخرى، أنه لا يستهدف الإسلام في الحرب التي يشعل أوارها، وقد يصدقه من يريد، ولكن نأمل الا تصدقه البلدان العربية والإسلامية، وأن تضيف إلى نص «اتفاقية مكافحة الإرهاب» التي وقعتها في أبريل الماضي، نصًا يقضي بمكافحة الإرهاب الأمريكي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل