; الملتقى التربوي | مجلة المجتمع

العنوان الملتقى التربوي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1981

مشاهدات 84

نشر في العدد 530

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 26-مايو-1981

صلاة المجاهدين

حين يبزغ الفجر بنسماته الباردة ويخرج أهل الإيمان يلتمسون المغفرة والرحمة من ربهم في ظلمة حالكة وطريق موحش، فبشرهم بنور تام يوم القيامة، فقد روى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» رواه أبو داود والترمذي.

تلك النفوس الطاهرة الزكية تسارع إلى ربها لصلاة الفجر الغالية، غالية الأجر وصعبة المنال، وغيرهم يغوص في سبات عميق في الفراش الدافئ صرعى ضربات الشيطان وعقده الثلاث.

وكم هو جميل أن ترى رجلًا كبيرا طاعن السن يذكر ربه بتضرع وخشية ويتمتم بتسبيح أو تحميد، وصديقنا حارس السوق يشمر عن ساعديه ويتوضأ ويمسح على جواربه ليتابع حراسته بعد الصلاة، ثم حين ترى بساطة المنظر الرائع.. عاملان يتوضآن للصلاة قبل الذهاب لعملهما وفراش مسجدنا البسيط يتأكد باستمرار من استواء البسط في المسجد، وأما مؤذننا فإنه لا يتوانى عن إلقاء نظراته الثاقبة متفحصًا بين الحين والحين الحاضرين، ليتأكد من اكتمال العدد ليقيم الصلاة، وها هو جارنا الحبيب قد اصطحب ابناه إلى المسجد ليعتادا على تلك العبادة واكتمل الجمع وأقيمت الصلاة وتلا إمامنا الكفيف بصوته الروحاني قطعًا من سورة الأعراف والروعة والرهبة والرغبة تغشي القلوب من موقف أهل النار وأهل الجنة في الآيات، وقرأ في ركعته الثانية مقطعًا من سورة الزمر ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ﴾ (الزمر:73) وتنتهي الصلاة ويتجمع الشباب حول المصحف يتلونه وترن أصواتهم في جنبات المسجد وتسمع الصدى يتجاوب مع قراءتهم وتأخذك انتعاشة لسماع قرآن الفجر، كيف لا وهو المشهود الذي تشهده الملائكة ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء:78). 

وتستمع إلى صوت أبو أحمد الشذي وهو يقرأ القرآن فلا تملك إلا أن تسجد مع سجدته لله تبارك وتعالى وتتمنى أن لو استمر في القراءة ولم يقف، وبعد ذلك ترى حلقة من شباب المسجد تجمعوا بعد الصلاة والذكر وقراءة القرآن، وجلسنا معهم نحصي بركات صلاة الفجر لنهديها إلى من حافظ عليها، وترغيبًا لمن كسل عنها من أهل الحق والدعاة.. فهاكم هذه الباقة من البركات.

الاجتماع الرباني

إن ملائكة الرحمن الموكلون بكتابة الأعمال يحضرون تلك الصلاة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم -وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» متفق عليه. 

فأعمالك أيها الداعي ترفع إلى الله بعد صلاة الفجر ألا تريد أن يدرج اسمك عند الله تبارك وتعالى مع الذين تشهد لهم الملائكة، إنه ربح عظیم فاحرص عليه أخي الداعية.

ليلة البدر

من أعظم النعم على العبد الذي يحافظ على صلاة الفجر الحديث العظيم التالي: عن قيس عن جرير قال: «كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) «متفق عليه) فأي نعمة أكبر من نعمة الله تبارك وتعالى.. مغبون في حق نفسه من فرط في هذا الربح.

ابعدوا عن حرها وسمومها

إنها النار أيها الداعي تستطيع أن تتجنبها بعبادة حقة ومنها محافظتك على صلاة الفجر فعن أبي زهير عمارة بن رويبة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» رواه مسلم.

لا تسبقك النساء

عجيب أمر بعض الدعاة يدع النساء تسبقه إلى صلاة الفجر، وهو غارق في سبات عميق في الفراش الدافئ ينعم بنوم يفوت عليه أجر السابقين.

وغير جميل بداعية الحق أن تكون النساء أسبق منه إلى صلاة الفجر، تقول أم المؤمنين عائشة -رضى الله عنها-: «كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهم حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس» رواه البخاري.

 فالمنافسة بينك وبين النساء غير عادلة يا داعي الحق فأنت رجل من رجال الحق فالزم صلاة هي زاد لك في دنياك وذخر لك في آخرتك.

واهًا لريح الجنة

كسب آخر لمن حافظ على صلاة الفجر لكنه ليس كسبًا دنيويًا، بل هو أرفع وأسمى من ذلك وهو الغاية التي يشمر لها المؤمنون ويتعبد من أجلها العابدون.. إنها الجنة وأي تجارة رابحة كالجنة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «من صلى البردين دخل الجنة» متفق عليه، والبردان هما: الفجر والعصر، ألا تريد الجنة ونعيمها فكن إذًا حريصًا على تلك الطاعة فإن جاهدت نفسك وشيطانك فأنت إلى ربح الجنة أقرب، فيصيبك من بردها وهواها وريحها الطيب.

في ذمة الله وحوله

عن جندب بن سفيان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى عليه وسلم- «من صلى الصبح فهو في ذمة الله فانظر يا ابن آدم لا يطلبك الله من ذمته بشيء» رواه مسلم.

فقل لنا يا داعية الحق أي طاغوت يقف في طريقك وأي مشكلة تعترض سيرك وأي حزن يصيبك فأنت في جوار عظيم خلقك وعظيم حقك بذمته وكرمه وجبروته فتمشي على الأرض بعزة المؤمن وتواضع المسلم، وحركة الداعي تغدو في يومك نشطًا لا تهاب الأذى ولا الناس.. إنك تسير وتصول وتعمل وتتكلم برعاية الله وذمته إنها بركة من بركات صلاة الفجر.

البضاعة «أجر قيام ليلة» الثمن ركعتين

عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال:سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام الليل كله» رواه مسلم

فهل اشتريت بضاعة غالية بتعب قليل ومغالبة النفس وحرص على الفوز بالبضاعة الغالية لا أظنك ترضى إلا بتلك.

 ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركعتين قبل صلاة الفجر قال هما: «أحب إلي من الدنيا جميعًا» رواه مسلم.

ولا أظنك سيفوت عليك تصور أجر الفريضة إن كانت ركعتا السنة أجرهما عظیم.

والآن أفضل صلاة! أفضل صلاة؟ وثلاثة شروط:

نحن نعلم أن ما من فريضة أجرها أعظم في الدرجة مثل الصلاة، فما بالك إن دللناك على أفضل صلاة عند الله؟ هو يحبها وتكون هي الأمثل في الأجر عن أخواتها من الصلوات.. إنها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلوات عند الله صلاة الفجر يوم الجمعة في جماعة" صحيح الجامع الصغير.

وثلاثة شروط:

إنها ثلاثة شروط لأفضل صلاة

1- صلاة الفجر.

٢-مع الجماعة.

٣- يوم الجمعة.

فهل نراك في المسجد فجر الجمعة المقبل نأمل ذلك.

إن الإنتاج الحركي والمقدرات التربوية وليدة الإيمان والنفس القوية، وجند الله تبارك وتعالى لا يتهاونون في جزء من إيمانهم اكتسبوه من صلاة فجر في جماعة.

 فما بالنا نرى جنود اليوم يتهاونون في صلاة هي خير من الدنيا وما فيها بما فيه حلاوة النوم بعد تعب شديد إنه السباق والمجاهدة.

السباق إلى الصفوف الأولى وكذلك صفوف الحركة لا يكون في مقدمتها إلا رجال هدوء الليل يهابهم، لأنهم قطعوا طوله بأنفاس البكاء وهدير المناجاة وشقوا ظلامه بآيات ربانية تصغي إليه نجوم الليل فتخسر ساجدة مع سجوده، يطيل أحدهم سجوده وهدوءه، إلا أنه سرعان ما يعلم أن التسبيح والدعاء قد طغت على قلبه فهدأ بطمأنينة من الله.. إن جنود الحركة بالأمس كان لهم سمعة لا يحيدون عنه زهد في الدنيا ورغبة في الآخرة، وكذلك جنود اليوم لابد وأن يسيروا بنفس سمتهم وعدتهم وصلاة الفجر درع حصين يتدرع به جنود الحق ليتقوا سهام الجاهلية العمياء التي لا تخطئ نائمًا عن صلاته لتسول له لذة نومه وواسع رحمة الله وقليل من الزمن حتى تكون صلاة الفجر ثقلًا على رأس داعي اليوم فنحن نحذر جنود الحق من أن يتركوا صلاة الفجر لأسباب منها:

1- إنها بداية المنزلق عن سنن الهدي.

2- إنها علامات النفاق. 

3- وأن النصوص الشرعية نبهتنا وحثتنا على الأخذ بالعزائم خصوصًا بالنسبة لأهل الهمم من الدعاة.

فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو صليتم كما يصلي ذلك المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف» رواه مسلم. 

فانظر يا أخي إلى حالك كم طوى النوم أجرًا غاليًا فاتك، فيا داعي الحق لا تلهينك دنياك ونفسك عن حب الآخرة ولا تركن إلى الدعة والراحة فالعبادة وقودها المجاهدة، وعمادها الإخلاص والشرع.

 فإنها الأيام القلائل التي لا تدري أهي لك أم عليك.

إنه الجهاد الطويل مع النفس وعقد الشيطان الثلاث فغدًا نراك في الصف الأول تدندن بكلمات التسبيح وآيات القرآن ونحن معك.

قد بلغناك وسنمر عليك لنوقظك فاستعد واحذر أن تفوتك ليلة البدر.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الرابط المختصر :