; الإدمان على العلة الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان الإدمان على العلة الأمريكية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1983

مشاهدات 81

نشر في العدد 630

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 26-يوليو-1983

* مائير تقول عن السلام "الإسرائيلي": أن أقود سيارتي فأتسوق في القاهرة ثم أعود إلى تل أبيب سالمة

* الداء الأمريكي يقود إلى سيادة الصهيونية 

* كيف أزالت تصرفات نظام مصر بقية الحرج والتردد في نفوس الآخرين

العاشر من أغسطس القادم هو الموعد المحدد للتمرين الأمريكي الثالث في الإجهاز على منابع النفط والذي تطلق عليه الدبلوماسية الأمريكية الإنقاذ أو الحماية!

ولا يستوقفنا أمر التدربيات الأمريكية العسكرية ومحاولتها للتمرس بالأجواء الصحراوية والبيئات الحارة، فتلك مسألة متصلة بالاستراتيجية الأمريكية لو جردنا الموضوع من ملابساته وأبعاده الأخرى، ولكن ليس في إمكاننا التجريد ونحن نرى الأمر متصلًا بوجودنا واقتصادنا واستقلالنا وحريتنا في التصرف. مما يستحيل أن نغض الطرف عن أبعاد اختيار ميدان هذه المناورات التي ما عادت تتخفى أو تتسربل بأي لباس مموه وها قد أعلنت عن نفسها وبكل وضوح أنها مناورات «النجم الساطع».

العروبة والقلب العليل:

يحلو للبعض أن يسمي مصر بقلب العروبة، ولا ضير علينا من ذلك لو كان القلب صحيحًا ولكن الذي بدأ واضحًا أخيرًا أن هذا القلب معلول ومنذ زمان طويل بداء اسمه أمريكا.

وإن هذه العلة هي التي تطورت فيما بعد لتأتي بداء أمر وأقسى هو الصهيونية والتصالح معها بل التطبيع الشامل والكامل لكل أنواع العلائق معها.

وقد كان البعض «المتفائل» يروج لهذا الأمر على أساس أنه إحلال للسلام والوئام في المنطقة، وأنه تهيئة لازمة للبناء ومواصلة ما انقطع منه وفي شتى الميادين. وبشر الشعب المصري بالرخاء الاقتصادي والعيش الرغيد في ظلال الاتفاق الحكومي بين مصر و"إسرائيل"، واستجاب الكثير من الناس لذلك واستسلموا للأحلام الموعودة ينتظرونها على أحر من الجمر. ثم إذا بهم لا يجنون إلا السراب!

وأمر من ذلك

وليت فجيعة «السلام» وقفت عند حدود التردي الاقتصادي والأزمات الطاحنة التي تكاد تمسك بخناق مصر من كل جانب بل تعدى الأمر ذلك ليلمس الناس نمطًا واضحًا من الاستعمار لا يختلف عن أسلافه الملعونين سوى أنه استعمار بالاختيار وعلى رضا ومباركة من المسئولين. بل إن ألسنة هؤلاء «المباركين» تجاوزت ذلك بالحمد والتهليل على نعمة هذا الاستعمار الأمريكي العظيم.

السانحة الهينة

وإذا سنحت للأمريكان هذه السانحة البخسة التكاليف فقد عقدوا العزم على عدم تفويتها فتأملوا في الأوضاع من حولهم ووجدوا أن مصر قد صارت بين فئتين فئة مترفة فئة متلفة، أما الأولى فتشمل أصحاب المصالح الضيقة وعلى رأس هؤلاء فئة المرتزقة من المتسمين بالثقافة وفيهم طابور طويل من الصحفيين والإعلاميين ومن إليهم ويشملون أيضًا تلك الطبقة الطفيلية التي ما عادت تجد هناءها إلا في الأجواء الآسنة وظروف الفساد السياسي والظلم المتسع. وفيهم أيضًا عبدة الكراسي والمناصب الذين لا يهمهم غير الحصول عليها، ومهما كان الثمن.

* الفئة المتلفة

وهذه هي الفئة الثانية من الشعب المصري وهي القطاع الساحق من جمهور الناس وهؤلاء قد ألهوا بقضايا الحياة اليومية فلا ينامون إلا بعد أن تستهلكهم مطالب العيش اليومي ولا يصحون إلا على همها الزائد والتنامي على مضي الأيام.

وهؤلاء إن أتيحت لهم فرصة يتأملون فيها حالهم فسيجدون وسائل الإعلام التخديري ترد عليهم شكاواهم وآلامهم وأن سببها الأوحد ليس الظلم وإفساد المترفين بل هو الزيادة في النسل! ولا تنسى أن تعللهم في أثناء ذلك بالمزيد من وعود الرخاء ومواعيده القريبة الآتية.

وأما الفئة الواعية التي تستعصي على التنويم والتخدير فأمامها خيارات الاغتراب الداخلي أو الخارجي أو تلك العصا الغليظة التي تقتادهم إلى السجون والمحاكمات التمثيلية إن تمادوا في «غيهم»!

وفي هذه الظروف والأحوال تسللت الوجوه الأمريكية مدعومة بأسلحة التطبيع "الإسرائيلي".

* التطبيع أو المجرم المتنامي:

نكاد نزعم أن هذا التطور في الاستئساد الأمريكي بالمنطقة يرجع وفي المقام الأول إلى تطبيع العلاقات المصرية "الإسرائيلية" ومن وراء ذلك تطبيع العلاقات العربية "الإسرائيلية" كما تشهد المنطقة الآن- فإن النفسية المصرية ومعها شقيقتها من بقية الفئات العربية ظلت تشحن منذ عام 1948م بأن شيب الغراب أقرب من سلام مع "إسرائيل" وقد استقر ذلك في الوجدان العربي إلا في حالات نادرة - تونس مثلًا- حتى إذا ما أعلن السادات عن مبادرته صعق العالم العربي. لأن ذلك هز مسلَّمة توطدت وتعمقت طوال عقود وسنوات طويلة مرفودة بتجارب تاريخية خاصة وفجائع مريرة تدعمها وتزيد من قوتها وتوطيدها.

وقد كان يهود وأهلوهم من الأمريكان حريصين كل الحرص على تشييد أسس جديدة لهذه المرحلة التاريخية الحرجة من حياة العالم الإسلامي فيما أسموه بالتطبيع.

وقد حرصوا حرصًا شديدًا على تسويد حقيقته وفرضه كواقع. ولو اكتفينا بنموذج السفير "الإسرائيلي" وسلوكياته لرأيناه مثالًا مجسدًا لذلك الحرص. فمع النفور الشديد الذي كان يلاقيه في أيامه الأولى حيثما ذهب وتوجه إلا أنه ظل حريصًا على أداء دوره ليقر في الأذهان حقيقة التطبيع وحتمية وقوعه.

وتجد الجانب "الإسرائيلي" يذكر دائمًا بالتطبيع وينوه كثيرًا بأن السلام في نظره لن يتحقق ما دامت الخطوات مترددة في سبيل التطبيع هذا. وقد كانت جولدا مائير تعبر عن مفهومها للسلام بقولها: «أن أقود سيارتي فأتسوق في القاهرة ثم أعود إلى تل أبيب سالمة!».

* ما بعد الصعقة:

أما ما بعد الصعقة الكهربائية المسماة بمبادرة السلام فقد هان على عدونا الأمريكي كل أمر وسهل كل عسير. وتفسير ذلك أن الساسة الأمريكان وأجهزتهم المتخصصة فطنوا إلى أنه: إذا جاز في العقول المصرية وبقية العرب الحقيقة اليهودية فلِمَ لا تجوز الحقيقة الأمريكية؟ وما كان لهم أن يتلكأوا في خطاهم. وانتهزوا سكرة الغرور والتفرعن التي حلت في السادات. وبدأوا في تأكيد وجودهم العسكري بعد أن تأكد وجودهم السياسي.

* ولادة الظرف الملائم:

منذ أيام المقاطعة الاقتصادية الشهيرة لأمريكا واستخدام سلاح النفط وفي ذهن الأمريكان استكمال حلقات سيطرتهم على المنطقة في تحقيق صورتها النهائية، فبعد أن أنشأوا قوات تدخلهم السريعة والتي زعموها من أجل حماية منابع النفط- أي انتهابه قسرًا بعد انتهابه اختيارًا- رأوا أن تدريب تلك القوات سيكون ناقصًا ومبتورًا ما لم تتمرس بالأجواء الشبيهة لمناطق النفط وكانوا قد جربوا إجراء شيء من التدريبات في الصحاري الأمريكية ولكنهم وجدوها دون الميدان المنشود وأخيرًا وجدوا بغيتهم في الاستعمار الإختياري المنتقى من جانب مصر وحكامها ليجدوا في الأجواء الصحراوية المصرية شيئًا شبيهًا لمنابع النفط الأصلية.

* بوابة الاستسلام

وإذ هان قلب العروبة والإسلام فلا شك أن ما سواه أهون. فقد أزالت تصرفات مصر بقية الحرج والتردد في نفوس الآخرين فأخذنا نسمع عن تصريحات ملونة للنميري تارة. وكالحة السواد تارة أخرى عن استعداده «لمنح» تسهيلات لأمريكا. وتشجيع صاحب الصومال تحت وطأة المسالك الصعبة التي قاد إليها بلاده فأبدى استعداده هو الآخر وكانت عمان هي الأخرى قد أبدت شعورًا مشابهًا.

وإزاء هذا لا نستطيع أن نشجب تصرفات أمريكا فقد أظلنا زمان يتسابق فيه بعض الزعماء على.... الاستعمار!!

الرابط المختصر :