العنوان ثقافات وأفكار لا بد أن تأتلف
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2011
مشاهدات 64
نشر في العدد 1963
نشر في الصفحة 39
السبت 30-يوليو-2011
أعترف أننا أجدنا ثقافة التحمل والصبر واتقنا صفات الاستسلام والسكون، وخلدنا للأمر الواقع والقدر المراد، وانتظرنا الفرصة السانحة أو المخلص الغائب، وطال الأمد وتوالت المحن تلو الأخرى، وتعمق الصبر وتعملق وزاد الاستسلام وتجذر، وغاض مع كل هذا كله الأمل، وتقطب الجبين وكلت الجهود، وعلت الشكاية حتى صارت نواحاً، وارتفع النشيج ليصبح صراخا ، وكان المرجو أن يقود ذلك إلى عزم دافع، وعمل ناهض ينفع الفرد والجماعة ويرود اليوم ويحقق آمال الغد، ولكن ظلت الحال هي الحال:
أيها الباكي رويداً لا يسد الدمع ثغرة
أيها العابس لن تعطى على التقطيب أجرة
لا تكن مرا ولا تجعل حياة الغير مرة
إن من يبكي له حول على الضحك وقدرة
فتهلل وتبسم فالفتى العابس صخرة
ونعترف كذلك بأن الناس كانوا أمام فكرين، فكر نظري بحت وفكر عملي متشنج وصار لكلا الفكرين أتباعه ومريدوه، وقطعوا في ساحتيهما بونا شاسعاً، وخطوات سراعًا ولكن في وجهة غير موفقة، وفعل غير سديد لا عمل معها، ولا تأثير فيها، فأصبح مقضيا عليها بالعقم، لأن تصورنا لموضوع ما، ما هو إلا تصورنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية، تؤدي إلى نفع ما للحياة والأحياء، أو غير ذلك.
إذن فالنفع والضرر هما اللذان يحددان الأخذ بفكرة ما أو رفضها .
- وقد نبهنا إلى ذلك ديننا الحنيف، فقال سبحانه ﴿ وكبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ( الصف 3 )
- وقد قال الشاعر العربي:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة
فإن فساد الرأي أن تترددا
- وقال أبو تمام
السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف
في متونهن جلاء الشك والريب
- وقال ابن مسعود : أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذتم دراسته عملا، وقيل: الأشخاص الواثقون نادراً ما يشعرون بأنهم مجبرون على الكلام، هذا فضلا عن أن يكون الحديث عبثاً، فإنه يكون مضيعة للجهد ومفسدة للإنسان وضلالاً عن الحق، قال تعالى: ﴿ ومن النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبيل الله بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أَوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مهين ﴾ (لقمان 6)، ومدح الله الذين هم عن اللغو معرضون فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الجاهلين ﴾ (القصص 55).
إذا فقد حذرنا الإسلام من قول لا ينفع ومن حديث لا يفيد ، وجعل هناك رقابة نفسية وعملية حتى لا يفسد الإنسان الحياة بالقول الفاسد والحديث غير المفيد، فقال تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ (ق 18)، وأعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل وهل يكب الناس على وجوهم يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم ..
أما عن الفكر العملي في مجتمعاتنا فكان فكراً مدمراً لثلاثة أسباب جوهرية:
أولها : أنه فكر يلغي الآخر ويشتبك معه، فألغى بذلك كل معارض لرأي السلطة الفاسدة كما لم يترك للآخر فرصة التنفس، أو إبداء الرأي، فهو بذلك يصل لنتائج مغلوطة عن الواقع، والآخر والتاريخ، ويحاول أن يؤسس عليها صرحاً ويجبر الآخر على السير في أخطائه تلك.
ثانيا، أنه يشغل المجتمع بقضايا هامشية لا ناقة للناس فيها اليوم ولا جمل، ويترك القضايا الجوهريه التي ينبغي أن يلتفت إليها كدولة القانون، ودولة الحقوق والحريات، ودولة السمو النفسي، وكيف نعالج أزمتنا الأبدية؟ كالبطالة والفقر والإسكان للعشوائيات واهتراء التعليم والتخلف الصناعي والتكنولوجي إن الإنشغال بالقضايا الهامشية يراد لنا أن نذوب فيها فكراً وجهداً ومجتمعا واقتصاداً وندخل في عملية إلهاء للمجتمع عن التفكير في المستقبل والاستعداد للنهوض من التخلف الذي ترزح البلاد تحت تأثيره، إن انشغال المجتمع بقضايا مثل الصغائر، والهامشيات لا تجلب للأمة غير العداوات والخلافات وإحياء النعرات، وعلاج ذلك ما أحسنه وأفضله في قول أحد علمائنا : نجتمع فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه».
ثالثا: عدم الأخذ بكثير من مستجدات العصر الفكرية والعملية مما لا يتعارض مع الإسلام، وإطلاق لفظ البدع عليها. وهذا يعد مخالفاً للقاعدة الإسلامية التي تقرر أمور الدين تقوم على الاتباع وأمور الدنيا على الابتداع.
وعلى هذا، ينبغي أن يلتقي المؤمنون على طريق واحد وصراط مستقيم، خاصة في كل أمر يدفع المجتمع إلى نيل مبتغاه ويحقق أهدافه وخاصه أمام الخطوب وعند الحوادث الجسام، وما أصدق القائل:
كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى
خطب ولا تتفرفوا أحاداً
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً
وإذا افترقن تكسرت أفراداً
والحق سبحانه وتعالى قد حبب إلينا الاجتماع وكره إلينا الفرقة والاختلاف، فقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهُ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلْفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ (آل عمران 103) .
وما دمنا في وضعنا اليوم، الذي يكثر الحديث فيه عن الاتحاد والتجمع، وعما يلزم من رأب الصدع بين الشباب والشيوخ وخاصة فيما لا يستغى عنه من حماس الشباب خاصة بعد قيامهم بثورة عظيمة قلبت الموازين وقضت على الدكتاتورية، وأطاحت بالفاسدين وهدمت حصون الظلم والباغين، ينبغي علينا أن نبحث عن وسيلة لجمع الشمل ورأب الصدع، ولا شك أن ذلك يحتاج إلى حكمة فائقة وعقل حصيف وخبرة واعية ومدربة في طبائع النفوس.
يقول أبراهام لنكولن (الرئيس الأمريكي السادس عشر): إن نقطة عسل واحدة تصيد الذباب أكثر مما يصيده برميل من العلقم وكذلك الحال بالنسبة للبشر.
وإذا قلت لشخص ما : إنه غبي وأحمق فإنه يصر على الخطأ، ويحطم كل شيء.. أما إذا قلت أنه قدير وموهوب وناجح؛ فسوف يتفوق ويبرز حتماً.
ويجب أن نعرف جيداً أننا لا نتعامل مع أهل منطق بل أهل عواطف وشعور وأنفس حافلة بالأهواء والغرور والكبرياء.
فلماذا لا نعطي ما لا يضر ونأخذ ما ينفع؟ ولماذا لا نفرح بهم ونطلق عليهم الرواد ونجعل لهم أقساماً، ونفسح لتطلعاتهم وأفكارهم؟ فقد يكون فيها الخير الكثير والنفع العميم خصوصاً وعندنا كثرة في المربين ونتمتع بوفرة في العاملين.
والله أسأل أن يوفق ويعين.. آمين آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل