; موازين العبودية | مجلة المجتمع

العنوان موازين العبودية

الكاتب عدنان محمد القاضي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997

مشاهدات 80

نشر في العدد 1242

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 18-مارس-1997

 

وقفة جادة نزن بها عبادتنا لله عز وجل، وقفة نحاسب بها نفوسنا وذواتنا وقفة نراجع الشعائر التي نؤديها ليلًا ونهارًا، وشهرًا بعد شهر وسنة بعد سنة حتى نسير على هدى مستقيم، وحتى نؤدي عبادة صحيحة مخبرًا ومظهرًا وإليك أخي القارئ أربع موازين تزن بها نفسك.

١- إخلاص النية: إن صلاح النية وإخلاص الفؤاد لله عز وجل، يرتفعان بمنزلة العمل الدنيوي البحث، فيجعلانه عبادة متقبلة، فكيف بالعبادات المنزلة المشرعة لنا، وإن خبث الطوية، يهبط بالطاعات المحضة، فيقلبها معاصي شائنة فلا ينال المرء منها بعد التعب في أدائها، إلا الفشل والفساد. 

والنية تكون في بداية العمل، كما ورد عن نافع بن حبيب عندما قيل له: ألا تشهد الجنازة؟ قال: كما أنت حتى أنوي قال ففكر هنيهة ثم قال: امض، والنية في وسط العمل حماية من الرياء وشوائب العجب، والنية في آخره بأن يتقبل الله هذا العمل ويستره عن نظر الناس ما أمكن، فقد قال يوسف بن أسباط تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد، ولا يستصغر المسلم العمل كالابتسامة وإماطة الأذى عن الطريق، وإصلاح ذات البين مثلًا فقد قال عبد الله بن المبارك رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية.

وليكن شعارك الدائم قول الله تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ﴾(الأنعام: ١٦٢- ١٦٣) يقول صاحب الظلال رحمه الله: «إنه التجرد الكامل لله بكل خالجة في القلب وبكل حركة في الحياة بالصلاة والاعتكاف، وبالمحيا والممات بالشعائر التعبدية، وبالحياة الواقعية، وبالممات وما وراء....» ج ٣ ص ١٣٤٠.

وتذكر أنها محل نظر الرحمن ومقياس قبول الأعمال وما أجمل ما قاله مكحول: «ما أخلص عبد قط أربعين يومًا إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه».

٢- الشعور الدائم بالتقصير: هل هناك أطهر وأكثر عبادة الله من ملائكته، فقد ورد أن لله ملائكة في وضع السجود وآخرين في وضع الركوع منذ أن خلقوا هكذا وظيفتهم يرفعون رؤوسهم عند النفخة الأولى يقولون ربنا ما عبدناك حق عبادتك!! فماذا نقول نحن.

قال بعض العارفين: متى رضيت نفسك وعملك لله، فاعلم أنه غير راض به، ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر، وعمله عرضة لكل آفة ونقص كيف يرضى الله نفسه وعمله؟ 

وقال خباب بن الأرت في معرض كلامه الرجل يحثه على العمل الدؤوب طاعة لله تقرب إلى الله تعالى ما استطعت، وأعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه، هكذا عمل دائم لا يدري أحدنا أرضى الله به أم لا؟؟ 

وهل كل عمل نؤديه مقبول كله أم نصفه ام ثلثه أم هو مردود على وجوهنا، وكما قيل إن أحب العباد إلى الله: الذين يستكثرون من الصالحات، مع مراقبة لها، فقد ندب الله تعالى إلى ذلك ﴿كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ﴾(الذاريات: ۱۷-۱۸) قال الحسن البصري معقبًا: «مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون الله أكبر استغفارًا عن كل نقيصة أو سهو أو خاطرة أو رمشة عين في غير طاعة».

ومما ابتلي به بعض المسلمين من أنهم يفرطون في حضور الجماعات ولا يعرفون في شهورهم الصيام إلا في رمضان ولا يذكرون الله إلا قليلًا ومع ذلك فإنهم يحلمون بالقصور الحمراء والبيضاء في الجنة وكأنها سلعة سهلة المثال خابوا وخسروا ما هكذا تشد الرحال إلى الفردوس الأعلى.

٣- الفرح والسرور أثناء العبادة: الأنس بالله والتلذذ في العبادة من أعلى مراتب العبودية الحقة، يقول صاحب الإحياء أبو حامد الغزالي: «أن يكون أنسه بالله تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة، إذ لا يخلو القلب عن حلاوة المحبة، إما محبة الدنيا، وإما محبة الله، وهما في القلب كالماء والهواء في القدح، فالماء إذا دخل: خرج الهواء، ولا يجتمعان، وكل من أنس بالله: اشتغل به ولم يشتغل بغيره» ج ٤ ص ٢٤١ .

أي سعادة تصبر صاحبها كصاحبنا إبراهيم بن أدهم نام بعضهم عنده فقال: «فكنت كلما استيقظت من الليل وجدته يذكر الله فأغتم ثم أعزي نفسي بهذه الآية. ﴿ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ ﴾ (المائدة: ٥٤)

كيف ينسى المحب ذكر حبيب

 
 اسمه في فؤاده مكتوب

 

 

٤- محبة لقاء المعبود: يقول أحد العارفين «لا يتمنى أحدكم الموت إلا ثلاثة رجل جاهل بما بعد الموت أو رجل يفر من أقدار الله تعالى عليه أو مشتاق محب للقاء الله» وروي أن ملك الموت عليه السلام جاء إلى إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن ليقبض روحه، فقال إبراهيم: يا ملك الموت هل رأيت خليلًا يقبض روح خليله؟ فعرج ملك الموت عليه السلام إلى ربه فقال: قل له: هل رأيت خليلًا يكره لقاء خليله فرجع فقال اقبض روحي الساعة. 

إن هذه المنزلة لا يصل إليها إلا ثلة قليلة من المحسنين، أما جماهير المسلمين فيتمنون المزيد من الأعمار تمتعًا بلذائذ الدنيا الفانية متناسيين أن الآخرة هي الحيوان، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «ما من مؤمن إلا والموت خير له، فمن لم يصدقني فإن الله تعالى يقول: ﴿ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ﴾(آل عمران: ۱۹۸) وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ﴾(آل عمران: ۱۷۸) وزاد حيان بن الأسود: الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب. 

هذه أيها القارئ موازين اجتهدت في وضعها علها تنبه الغافل وتثبت السائر.

الرابط المختصر :