العنوان في النقد الذاتي: لا يا إبراهيم.. إنه عتاب غير صالح
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1982
مشاهدات 95
نشر في العدد 586
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 07-سبتمبر-1982
لا يا إبراهيم إنه قياس غير مستوف لأصوله إنه قياس يفتقر إلى المقدمات الصحيحة؛ فأين أين شركان شركون من كرامات الأولياء والصالحين التي يخص الله بها بعض عباده.
وأين التربية الإيجابية من الخزعبلات الشيطانية؟
لا يا إبراهيم، إن ذكر الحقائق وبيان ما هو واقع ليس إفراطًا إعلاميًا من قبل الخطباء والعلماء فكما أن العالم والموجه والداعية مطلوب منه أن يبين أهمية الجهاد مطلوب منه كذلك أن يبين منة الله وفضله على أهل الجهاد.
فبالله عليك أجبني لو طلب منك وأنت في أمريكا بلد المادية والعقلانية والإلحاد أن تتحدث عن غزوة بدر؛ فهل تقتصر في حديثك على الجانب المادي منها وتتحاشى ذكر نزول الملائكة المسومين؟
وهل ستذكر قصة سعد؛ كيف كان يرمي السهم ثم كان يراه في كنانته مرة أخرى؟ وهل في إيراد الواعظ أو الخطيب قصة عمر رضي الله عنه حين اخترق بنظره الحجب وشاهد قائده سارية عن بعد وخاطبه قائلًا: يا سارية الجبل الجبل! ثمة خيال أم أنه يعتبر من الدين بالضرورة؛ لست معك يا إبراهيم في هذا الذي قلته فإننا حين نؤمن بهذا لا نكون قدريين ولا متواكلين لأن الجانب العقلاني متوقد وقائم في ذهن المسلم ولا ينسحب هذا بحال على العامي الذي قصدت لأنه لا يمثل السواد الأعظم من عامة المسلمين فقد غدونا بعصر تفتح وعلوم ومعرفة.
لا يا إبراهيم، فإن الاعتقاد بكرامات الأولياء لن ينشئ جيلًا تواكليًّا خمولًا ينتظر المعجزات بل يكون الجيل الذي يعلم أن لله جلت قدرته قادر على كل شيء وقادر على نصر المؤمنين العاملين المنافحين عن الحق وذلك إذا حسن التوجيه بإقامة توازن منضبط بين العاطفة والعقل ولا يناهض ذلك ما قلته بأن العقلية التي حرص المنهج الإسلامي على صياغتها هي عقلية تؤمن أن شرطي نجاح العمل هما إخلاص النية وإحسان الوسيلة ولا يفوتني هنا أن أنوه أن ما جاء بكتاب (هذا الدين) للعلامة الشهيد سيد قطب يؤكد هذا.
خلاصة القول إن الله سبحانه وتعالى قد خص بعض عباده بكرامات لا نستطيع إنكارها وليس بوسعنا سوى تصديقها.
وحسبي أن أورد الحديث القدسي المروي عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- ما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها. إلخ..
أما استشهادك بقول الإمام أحمد «لا تحدثوا العامة بالسنة فيكفروا» فقول يحتاج إلى تحقيق أصولي؛ فكيف يتصور أن ينهي إمام أهل السنة عن ذكر سنة المصطفى- صلى الله عليه وسلم- والتحدث بها.
إن ما ينهي عن ذكره للعامة المتشابهات من الأمور التي قد يلتبس على الناس فهمها فيؤلونها.
واعلم يا أخي أن موقف الناس من الكرامات على ما أري لا يتعدى حالات ثلاثة:
أما الأولى: فعامة المسلمين ترتاح لذكرها ويجدون فيها تحريكًا شعوريًا لتصور قدرة الله تعالى وليس في هذا ما يخالف الشرع وإن كان في نفسك شك فاسأل أهل الذكر في ذلك يخبروك.
أما الثانية:
فإن العلماء والمحدثين وأهل الدعوة الإسلامية يزدادون بذكرها يقينًا بالله وتصديقًا وإيمانًا مع إيمانهم.
أما الثالثة:
وهم المعتزلة الجدد وهم الذين لا يصدقون إلا ما يوافق عقولهم فهذا الصنف من الناس لا يؤبه له ولا يرد عليه.
* أما شرطًا النجاح فهما شرطًا القبول كما في المنهج الإسلامي التجرد لله في العمل والتخلص من الأنا وإسقاط حظ النفس أي التجرد المطلق لله جلت قدرته.
وشرطًا القبول المتفق عليهما- الإخلاص- والصواب أي توافق المحسوس والمنظور والسلوك مع المنهج الرباني.
وهما يا أخي شرطًا للنجاح.
أما الإحسان فهو مطلب شرعي في كل عمل ولهذا كان من أسس العقيدة حيث عبر عنه- صلى الله عليه وسلم- بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وقبل أن أختم حديثي أقول لك يا إبراهيم: إننا نحبك في الله ونخشى عليك ومن يتبنى هذا المنهج العقلاني بعيدًا عن الضوابط الشرعية أن يكون من معتزلي هذا الزمان وفلاسفته فوالله ما دار أبو حامد في متاهات علم الكلام إلا عندما استكبر على نفسه أن يسلم بآيات الصفات والأسماء ويؤمن بها من غير تكييف ولا تفصيل كما يؤمن بها عامة المسلمين وهو علم من أعلام المسلمين والمحدثين.
كما أنني في ردي هذا لا أختلف معك في أهمية الصياغة الفكرية الداعية وبناء الشخصية العقائدية العلمية ولكن أقول: إنه ليس بين الأمرين ثمة تضاد.
وفي الختام أقول لك: إن الله يعطي بعض عباده أمورًا خارقة للعادات إكرامًا لهم لصلاحهم وشدة تقربهم من الله تعالى نسأل الله أن يلهمنا التوفيق والسداد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل