العنوان وأي مبدأ ليس حمال أوجه؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1989
مشاهدات 84
نشر في العدد 920
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 13-يونيو-1989
زكريا يعتبر الإسلام «دينًا كهنوتيًا»
لا مجال للاختلاف حول نصوصه.
حمل الأحكام الفقهية على مداراة
الدوافع الإنسانية قد يهدم الشرع بكامله.
نشرت الزميلة اليومية «الأنباء» وعلى ٣
حلقات مقالاً للدكتور إبراهيم مكي مدير عام المؤسسة العامة للموانئ والكاتب
والمفكر الكويتي المعروف، يرد فيه على ما كتبه الدكتور فؤاد زكريا في صحيفة القبس
قبل فترة وتعرض فيه للدين وعلماء الشريعة.
الدكتور إبراهيم نشر مقاله القيم تحت
عنوان «وأي مبدأ ليس حمال أوجه؟» ونظرًا للقيمة الفكرية والقانونية للمقال وحسن
وشمولية رد الدكتور إبراهيم على ترهات وتخرصات فؤاد زكريا، فإننا نعيد نشر المقال
على صفحات المجتمع.
يقول د. إبراهيم في رده:
الأستاذ الدكتور فؤاد زكريا مفكر له
آراؤه العميقة وتوجهاته الفكرية المميزة والمعروفة للقارئ الحصيف. غير أن الأستاذ
زكريا، مثل الكثيرين من أمثاله من رافعي الدعوة إلى الفكر التقدمي إذ تتيح لهم
حرية الفكر التي يدعون إليها باستمرار، فرصة الدعوة والجهر بآرائهم، فإنهم وللأسف
يتناقضون مع أنفسهم إذ يحملون على أفكار غيرهم حملات لا تتسم بالموضوعية والنقاش
العلمي الذي يؤمنون به. أن التقدمية والنهضة عندهم هي إعلاء شأن الفكر الذي
يعتنقونه وكفى به على الناس والمجتمع حسيبًا ورقيبًا.
قبل أيام كتب الأستاذ الدكتور زكريا في
جريدة «القبس» عدد الجمعة ٢٦ مايو ۱۹۸۹ مقالاً تعرض فيه لرأي بعض علماء
الشريعة الإسلامية بحرمة زراعة أعضاء الإنسان في أبدان الغير ونهج في نقده،
ونقولها بكل مرارة وأسف، منهج من يجهل أبسط أصول الاجتهاد في الدين الإسلامي.
وخلاصة النقد الذي كتبه الدكتور زكريا هو الآتي:
١-
بدا
من كلام سيادته أن يعجب من مسألة هي: كيف يظهر من منطلق ديني رأيان متناقضان في
وقت واحد.
۲- قال عالم بعدم
جواز نقل الأعضاء بين بني الإنسان مستندًا إلى أحكام الدين، وقال آخر مستندًا إلى
ذات أحكام الدين بجواز ذلك، وهما رأيان متناقضان تصديق أحدهما يحتم تكذيب الآخر.
٣-
أحد
الرأيين «إنساني يتعاطف مع المريض في محنته» فلماذا يعارضه الآخرون الذين اختاروا
تفسيرًا «لاإنسانيًا» لنصوص الدين، ثم وصف سيادته أصحاب الرأي الأول بأنهم أصحاب
فكر مستنير والتالين بأنهم أصحاب فكر رجعي ومتخلف.
٤-
إذا
كان الدين «حمال أوجه» فلماذا نأخذ من
«الأوجه» ما يزيد من آلام الإنسانية ويبدد سعادة أبنائها؟
ونبدأ مناقشة الدكتور زكريا من مسألة
«أن الدين حمال أوجه» ونسأله سؤالًا مباشرًا أي مبدأ أو شريعة في الدنيا كلها..
ماضيها وحاضرها ليس حمال أو حمالة أوجه؟
لنبدأ بالتاريخ المعاصر: فقد بطش
«ستالين» بمخالفيه في الرأي في تفسيرات معينة للفكر الشيوعي وذبحهم ذبحًا، ثم جاء
من بعد ستالين قوم نبشوا قبره ومسحوا اسمه وذكره وقالوا في حقه ما لم يقله مالك في
الخمر، وتعاقب الحكام الشيوعيون وكل خلف ينسف أفكار من سلف حتى جاء بطل
البريسترويكا فهال التراب على «كلو»!
هل مفكرو الرأسمالية الحرة، كمبدأ،
متفقون في آرائهم وأفكارهم؟ أليست كتب فقهائهم تعج بالآراء المختلفة والاجتهادات
المتباينة؟
ألم يقرأ الأستاذ زكريا آراء فقهاء
القانون الجنائي من أبناء المدرسة الواحدة في الغرب أو الشرق التي تتباين توجهًا
وتأصيلًا إلى حد غاية في البعد؟
هل علماء الغرب كلهم متفقون على فكر
«فرويد» مثلاً؟ هل علماء التربية والتنشئة متفقون على «قلب رجل واحد» في تربية
الأطفال وتنشئة الشباب؟
مشكلة الدكتور زكريا أنه لا يعتبر
الإسلام «مبدأ فكريًا» ولذلك يستغرب الاختلاف بين المجتهدين في مجاله لأنه من غير
المعقول أن الدكتور زكريا يتصور أن كل العالم المفكر متفق على رأي واحد في المسألة
الواحدة ولكنه يعتبر الإسلام «دينا كهنوتيًا» وبالتالي فنصوصه «تعبدية» ولا وجه
للخلاف عليها. وبغير هذا التفسير لا يمكن أن نقول إلا أن الدكتور زكريا متحامل على
الإسلام وذلك ما ليس معروفًا عنه ولا مقبولًا عندنا نسبته إليه.
مثالان من حضارة الغرب:
في الولايات المتحدة الأمريكية قبل
سنين وفي فرنسا قبل سنة تقريبًا، والبلدان قلعتان من أكبر قلاع الفكر الغربي الحر
المتميز، ثارت مسألتان على جانب عظيم من الأهمية في الفكر والعقيدة ولنتحدث عنهما
بإيجاز.
١-
في
إحدى الولايات الأمريكية حيث يوجد تجمع كبير لطائفة يهودية أمر اليهود أبناءهم
وبناتهم الطلبة في المدارس الأمريكية بأن يمتنعوا عن الاصطفاف في طابور تحية العلم
الصباحي باعتبار أن ذلك الفعل «شرك بالله» وضرب من التقديس لا يصح عقيدة لغير
الخالق وأنذرت المدارس الطلبة وأولياء أمورهم بأنهم إذا استمروا ممتنعين عن الوقوف
في طابور الصباح، تحية للعلم الأمريكي، فوف يطردون. وأصروا على امتناعهم وتم طردهم
جميعًا من مدارسهم، فرفع أولياء الأمور اليهود الأمر إلى القضاء، وطرح النزاع على
المحكمة العليا.
لم يقل أحد في أمريكا من مفكريها أو
صحفييها، أن هؤلاء اليهود متخلفون ومتزمتون، وأكثر من ذلك فإن أكبر محكمة في
الولايات المتحدة ناقشت رأيهم بكل هدوء وبكل تقدير، فقال القاضي في حكمه ما معناه:
إننا هنا أمام قضية فيها مصلحتان متعارضتان لا أقول إن إحداهما عامة والثانية خاصة
وإلا لسهلت مهمة الفصل بتغليب الأولى على الثانية، ولكنهما كلتيهما عامتان. فتحية
العلم الأمريكي مسألة فيها مصلحة عامة هي توحيد الأمة الأمريكية خلف شعار دولتها
ومجتمعها والنهوض بالشعور الوطني والقومي من أجل التضحية في سبيل الوطن دفاعًا
عنه. غير أن ما فعله اليهود انطلاقا مما يعتقدون أن «عقيدتهم» تأمرهم به ليس مصلحة
خاصة بطائفة ذلك أن احترام ما تمليه عقيدة أي فرد أو طائفة إنما هو مصلحة عامة لأن
الدولة الأمريكية اختارت «حرية العقيدة» أصلًا من أصول مبدئها، وبالتالي فإنها
«مصلحة عامة» أن تحترم عقيدة كل فرد أمريكي وبالتالي تقدير ما تفرضه عليه عقيدته..
وخلص القاضي، وبكل هدوء فكري ونقاش فقهي إلى أن هناك مصلحتين عامتين تعارضتا، فلا
بد من النظر لتغليب إحداهما ويومئذ اعتبر قضاء المحكمة الأمريكية - ولا نريد
الدخول فيما انتهى إليه- ثروة فكرية فقهية مع أنه يقوم على أن الفكر الغربي الحر
«حمال أوجه»!.
٢-
في
فرنسا تدهورت صحة رجل فقامت زوجته بسبب حبها له أو لدوافع أخرى وبالاتفاق معه على
استخلاص شيء من منيه، وحفظه بمعرفة الأطباء مجمدًا في ثلاجة طبية للمستقبل وتم
ذلك. وتوفي الزوج وبعد مدة من وفاته، وفي وقت وجدته الزوجة أو الأطباء، مناسبًا،
راجعت الأطباء فلقحوا بويضتها بحويمنات من مني زوجها المتوفى منذ مدة، وكان أن
حملت ووضعت مولودًا سويًا، وطالبت بحق مولودها في إرث زوجها. وثار جدل حاد في
المجتمع الفرنسي ورفع الأمر إلى القضاء وتباينت الاجتهادات وتجادل المحامون، هل
ينسب هذا الطفل لأبيه وقد ابتدأ الحمل به بعد وفاة الأب بمدة طويلة؟ ألا يحتمل أن
«النطف» اختلطت على بعضها في ثلاجة المستشفى؟ هل يمكن نسبة الثقة المطلقة إلى من
كانوا يحتفظون بمفتاح ثلاجة «النطف»؟ هل يسمح بهذا الأمر، وقد يكون بعضه لـ «أسباب
إنسانية» كأن تكون الزوجة في حالة مرض لا تستطيع معه الحمل فتخزن النطف للوقت
المناسب لتحمل من زوجها الذي أحبته.
وهكذا؟ بين الفقهاء الفرنسيين من عارض
حفظًا للمجتمع ودرءا للفتنة، ومنهم من وافق لأسباب إنسانية وانطلاقًا من مبدأ حرية
الأفراد.. ومع ذلك فلم يقل أحد عن معارضيه أنهم ذوو نظرة متزمتة وضيقة.. أو وصف
اجتهادهم بـ «ومن الاجتهاد ما قتل»!
لست أدري لماذا يضيق بعض من يدعون حمل
لواء التجديد والتقدم بـ «الرأي الآخر» مع أن تصارع الآراء نعمة لأن العبرة في
النهاية ليست بآراء من اختلفوا، وإنما بما يتبناه للتطبيق صاحب السلطة التشريعية.
التمركز حول الذات عند زكريا:
الموضوعية في النقد تقتضي من الناقد أن
يعرف «أسس» تفكير غيره من أصحاب المبادئ والعقائد، ومن غير الإنصاف أن يجعل الناقد
من «عقله» و«فكره» هو ذاته معيارًا ليحكم به على آراء الغير بالخطأ أو بالصواب.
الدكتور زكريا هاجم من قال بمنع نقل
وزراعة الأعضاء استنادا إلى أن رأيهم هذا «غير إنساني» و«قد يموت بسببه كثيرون»
وإن فكرهم غير مستنير، بل هو رجعي ومتخلف! هكذا بكل بساطة رأي ومحاكمة عاجلة.
الرأي الشرعي في الإسلام «المبدأ» هو
ما يطلق عليه «الحكم الشرعي».. و«الحكم الشرعي» يستنبط بالاجتهاد- وفق أصوله المعروفة-
من الكتاب والسنة وما دلا عليه أو أرشدا إليه كالقياس والإجماع. وعلى ذلك فإذا وجد
«واقع معين» يراد معرفة حكم الشرع فيه، فإن ذلك الواقع يدرس بعناية من قبل المجتهد
ثم ينظر الأخير في النصوص المنطبقة على ذلك الواقع ليصل إلى الحكم الشرعي فيه.
فإذا توصل المجتهد إلى رأي بدلالة النصوص فإن ذلك الرأي يصبح حكم الله في حقه ليس
له أن يحيد عنه بحجة مراعاة الواقع أو مداراة الدوافع الإنسانية، ولو سمحنا بذلك
لهدم الشرع بكامله ولتفرقة بالناس السبل، لأن الفقهاء إذا تجادلوا على دلالة النص
فيمكن أن يقنع طرف منهم الآخر، أما إذا كان الترجيح بناء على ما يراه هذا من مصلحة
وذاك من دوافع إنسانية، فإن المفاضلة لا تعود قائمة على أسس موضوعية وإنما هي
قناعات شخصية لن يمكن معها حمل الكافة على رأي واحد إلا بالعنف والإكراه والأصل
«الأصيل» في الشريعة الإسلامية أنه «حيثما وجد الشرع فثمة المصلحة» فالمصلحة هي ما
أمر الله به والمفسدة هي ما نهى الله عنه، أما تطويع الشريعة لتناسب ما نعتقد نحن
بني البشر أنه «إنساني» و«ما يقضي به الواقع» فذلك نمط آخر من الفكر ومنهجية
«متميزة» من البحث يريد أصحابها أن يأطروا عليها الخلق كلهم أطرا! فأي ديمقراطية
هذه؟ وأي حرية في البحث والتفكير تراها قائمة؟
وهنا يأتي سؤال مهم هو ذروة سنام
النقاش: لماذا اختلف المجتهدون وذهب كل مجتهد منهم برأي، هو حكم الله في حقه، فأي
رأي إذًا هو الذي سيجري تنفيذه في المجتمع؟ والجواب عند من ينشدون النصفة والحق
بسيط جدًا، جاءت الشريعة به، وهو في أصوله الإجرائية شبيه تمامًا بما هو معمول به
في كل الدول المبدئية القائمة فلماذا نستر الحال على الآخرين ونهاجم أهلنا؟!
اجمع المفكرون والمجتهدون وأئمة
الإسلام على أن «أمر الإمام يرفع الخلاف» ومعنى ذلك أن آراء المجتهدين تعتبر
«فقهًا» والخلاف فيه رحمة وإذكاء للإبداع الفكري في المجتمع. أما ما يطبق على
الناس فهو ما يأمر بتطبيقه رئيس الدولة من فقه وحينئذ، ويأمر السلطة السياسية يصبح
الرأي الفقهي «تشريعًا» نافذًا على الناس في المجتمع. وهذه الصورة الإجرائية
موجودة في دول الشرق والغرب المبدئية كلها، إذ الخلاف الفقهي عند الأفراد والأحزاب
قائم، ولكن الدولة لديها تشريع مطاع تستمر طاعته قائمة ما دام تشريعًا نافذًا حتى
يلغى أو يستبدل به غيره فلا ينبغي أن نضيق ذرعًا برأي فقهي وإنما علينا أن نفنده
وفق أسسه ومعاييره فأنا لا أستطيع أن أفند فلسفة الحريات الأربع في الولايات
المتحدة استنادًا إلى دعوة الماركسية لسطوة الطبقة العمالية «البروليتاريا» ولا
أستطيع أن أنقد رأي لينين استنادًا إلى أن الرأسمالية الغربية هي الحقيقة المطلقة
ولا جدال حولها.
ولنعد أخيرًا إلى «الرأي الشخصي»
والمصلحة الإنسانية كما يفهمها بعضهم: من يستطيع الجزم بأن فتح باب نقل وزراعة
الأعضاء لن يفتح بابًا لمفسدة لا أول لها ولا آخر؟ لقد سمعنا قبل مدة بحكاية
الفتاة التي أدخلوها مستشفى في بلد معين لاستئصال الزائدة الدودية منها فسرقوا
أثناء العملية إحدى كليتيها؟ من يدري أنه لن تقوم غدا سوق سوداء رهيبة للمتاجرة
بالأعضاء البشرية وينتشر خطف الأطفال السرقة عيونهم وأكبادهم وكلاهم لبيعها إلى
«من يدفع» ويومئذ يموت الفقير والعاجز ليحيا الموسر القوي؟!
العبد لله ليس له رأي في مسألة نقل
وزراعة الأعضاء ولكنه كطالب علم يعز عليه كثيرا أن يأتي أستاذ كبير يدعو إلى
التقدم وحرية الفكر ليهاجم علماء لهم باعهم في الفكر لمجرد أنهم لا يشاركونه رأيه
وينسب إليهم التخلف والرجعية والتزمت، ويعتبر رأيه الشخصي في مسألة معينة، دليل
الصواب الذي به توزن آراء الغير وعند أعتابه تطأطئ الرؤوس.
ويا من تدعون التقدم.. ثقوا أن غيركم
تقدم عندما آمن بحرية الفكر وموضوعية النقاش، أما الإثارة واستعداء الناس والسلطات
على من يخالفكم في الرأي فليس هو مخالف لما تظهرون أنكم تؤمنون به فحسب.. وإنما هو
حرية سترتد إلى ما تدعون إليه من فكر.. لأن المعايير العلمية الموضوعية إذا ضاعت
فسوف يأتيكم يوما سيل من التهم أقسى مما تكيلونه اليوم للآخرين.. ابذلوا حرية
الرأي وموضوعية النقاش.. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا
تَعْدِلُوا.. ﴾ (المائدة: 8) غفر الله لنا ولكم.