; قصة من غزة.. لؤي: شكرًا لكم!! | مجلة المجتمع

العنوان قصة من غزة.. لؤي: شكرًا لكم!!

الكاتب محمد السيد

تاريخ النشر السبت 04-أبريل-2009

مشاهدات 66

نشر في العدد 1846

نشر في الصفحة 44

السبت 04-أبريل-2009

لن يموت حق وراءه مثل هذا الطفل.. ولن تغلق السماء أبوابها دون دعاء لؤي

ضاعت العينان الواسعتان اللتان كانتا تقودانه في طرقات غزة ويتلو بهما القرآن..

أغطش ضباب الفسفور الأبيض الرؤية، وسال الرعب لهيبًا في القلوب الصغيرة اللاهية بالكرة، إذ ضج المكان بجنون المتفجرة الراعبة المتشظية فوق حيز الصغار، الذين تناولوا فطورهم للتو، ولم يتوجهوا إلى المدرسة؛ لأن أيادي وحشية فاتكة، أرادت أن تلهو ساعات وأياما بأرواح البراءة..

 لم تكن الثواني النازفة قتلًا وحرقًا وإعاقات جسدية ونفسية، إلا مثخنة برثاء الإنسان، أين مكانه؟ أم أن اللحظة الغزية الشتوية كانت تتسربل بخطاب رثاءٍ لأخلاق الرجال؛ حيث تدثر قدر الجبن بكبر «جنرالات» يهود، النهمين لدم الأطفال، يهرعون عند كل هزيع من ليل؛ ليحصدوا الدم البريء، يقدمونه لفطير صهيون كؤوسًا مترعات بنار النذالة، وبـربـريـة صهيون التلمودية.. حتى الشمس الساطعة في الأفق الشرقي لذلك اليوم الكانوني غيبها غبار الفسفور القاتل؛ إذ صبغ وجه الصباح الندي بسواد حقد ولا أشرس ولا أضل!

 تلك كلمات دارت في رأسي عندما كنت ساهمًا أمام صورة «لؤي» في التلفاز، وهو يدلي بقصته لمراسل القناة التلفزيونية داخل مستشفى الشفاء في غزة، وعجبت من قوله:شكرًا لكم..

قالها لؤي للإعلامي، وكانت قسمات وجهه شاخصة بالوجع، والجرح نازف بلا سيولة؛ وكان الموت يترقب في كل زاوية. 

وزال عجبي عندما فطنت إلى أن لؤيًا ربما قد تعلم في معاهد غزة أن يقابل المصيبة بالشكر، وإلا من أين له بجملة «شكرًا لكم»، يهديها للرجل الذي يقابله، ليفتح بها خطوط الاتصال مع العالم؛ إذ تهتكت هيئات النقل الأخرى، بعد أن سقطت الحمم الحاقدة من غربان مافيا تل أبيب على كل الأنحاء، وفي كل اتجاه بلا تمييز.

ينابيع الإنسان

شكرًا لكم.. وأرسلها جملة تتسرب بقامتها المديدة إلى البقية الباقية من الضمائر، لتفجر ينابيع الإنسان التي غادرت قلوب القتلة من يهود مذ كانوا.. 

فعيناه اللتان أطفأ نورهما للتو حقد الفسفور، المرسل من قلوب مقفرة عاقرة إلى شوارع غزة وحواريها وبيوتها وأطفالها.. إن عينيه هاتين لم تزيداه إلا إيمانا واطمئنانا كانا بارزين في محياه، وهو يحدث الإعلامي عما كان من أمره في ذلك الصباح، فهو في حديثه العفوي الهادئ يوحي لك أنت «المتفرج» على المأساة أن لا مفر من الصمود والثبات للخروج من مأزق السجن الغزي.

 وفي هذه الأثناء مدّ لؤي يده اليمنى، فتحسس بها عينيه المنتفختين، ثم أدار يده فمسح بها كل أنحاء وجهه، ثم صمت برهة وكأني به يريد القول: إن الوجه الذي كانت تزينه العينان الواسعتان اللتان كانتا تقودانه في طرقات غزة العزيزة، وتوصلانه إلى المدرسة، ويتلو بهما القرآن، ويوافي بهما وجه أمه الحبيبة إلى قلبه، لم تعودا تنفعان لأي شيء من ذلك، وكأنه عندما عاد ليتحسسهما بأطراف أصابعه يريد أن يستدرك فيقول بلسان الحال: إليكم بني يعرب أرسل حزني وبثي وشكوي..

عفوا ولكن، أجيبوني: لماذا أصبحت استجابتكم خرافة؟ ولماذا حزني وتفحم العشرات من أمثالي باتا لا يلاقيان صهيل جواد يعربي واحد في المدى؟ أم أنكم استمتعتم بانفرادي ووحدتي أمام سيل النار الصهيونية السوداء؟! وقلتم في سركم: «يا سلامتنا»! فنحن اليوم زبد تجرفه السيول، ومنا إليك قُبَل الأماني الخاويات!!

شبح ابتسامة

حاول لؤي أن يعتصر عينيه، لكن الوجه الجامد حال دون الفعل، وبدلًا من ذلك حاول أن يضفي على تقاطيع وجهه شبح ابتسامة عاتبة، صاحبت حركة حنجرته التي ألقت إلى شفتيه الجملة من جديد شكرًا لكم على تفضلكم بالاستماع إلى قصتي، لكن: هل بريدكم واصل؟ وتخيلته وهو يدلي بتصريحه 

«شكرًا لكم»، يريد أن يضيف جديدًا يقول: أيها الناس، لماذا تستبيحون قمر غزة تريدون إطفاءه بنار صهيون، وأنتم فرحون ترقص قلوبكم جذلا، أن أطفأ اللهيب نور عيني، وحولت حياة ابن عمي وغيره إلى أجساد محترقة؟

وهنا ارتطمت كلماته الكامنة في مخيلتي، فأحدثت في جسدي رعدة وقشعريرة عاجزتين عن أي فعل، كما العجز اليعربي المفتعل، لكن شيئًا غامضًا بقي يجول في كياني، ويرتاد دمي، ويستبيح لحظتي، وتتدحرج من بين شفتي تمتمة تقول: أأكتفي بهذا التوجع البخيل، وصوت المذياع السقيم؟ أأُصَعَّد من حنجرتي الصراخ المأسور نداءً باسمك يا لؤي؟

طلب الموت

ولكن صوتا من داخلي يرد على التمتمة: وكيف يصل الصراخ إلى المحزون، وماذا ينفعه؟ وكيف سيعوض نزيف الصوت المتهالك نور العيون المطفأة، وروح الأجساد المحترقة، وفرح الأطفال المفريَّ بمنجل الشيطان؟ قل لي: لماذا السواعد مكبلة بنار شهوة البقاء الخامل الذليل، ألم يكن أوائلنا يطلبون الموت العزيز، فتوهب لهم الحياة المذخورة بالكرامة، وتداخل هذا الصوت مع صوت آخر يقول: كأنك تقول لي: إن الصراخ المأسور لن يصل إلى عيني لؤي ولن يداعب شعره البريء بلمسات دافئة فالرحيل إلى هناك بالساعد والعضد يعوزه الغضب، وأنت قل لي: متى تغضب؟ «مع الاعتذار من الشاعر».

وحانت مني التفاتة إلى التلفاز، كان لؤي يتنهد ثم يأخذ نفسًا عميقًا ثم يصمت، غير أن وجنتيه سكنتهما سرحة، تشي بكلام مجروح، ينبت على شفا أسىً متفجر البركان، مثل نبض خانق، خارج من قلب عميق الأوجاع. ثم ألحق ذلك بآهة صامتة، كأنها تدلي ببوح ساخن حزين، يقول: منذ أسابيع كان عيد الأضحى، ارتديت فيها بدلة أهداها لي أبي، وكان يتأملني، ويرى الأفق القادم المشرق يتربع بين يدي.. أما ابن عمي الذي أصبح جثة متفحمة، فقد ضاهاني ببدلة أخرى، فكنا اثنين نراهن أمام الرفاق متسائلين: أيهما أجمل؟ لكن بحر غزة كان يهزأ منا ومن «بدلتينا»، حين رشقت موجاته الثلجية واجهاتنا، بينما كنا زوارًا له مع الأهل..

والبارحة كنت وابن عمي المتفحم نجلس في المكان نفسه الذي جاءتنا فيه الغربان السوداء، نتلو آيات القرآن، تُسَمعها لنا الوالدة التي أبهجها حفظنا. ومنذ أيام كان معلمنا الصبوح الوجه ذو اللحية السوداء المشرقة يقول لنا: أنتم عدة الأيام؛ فالصلاة الصلاةَ، والأدبَ الأدب، والاجتهادَ الاجتهاد، والعلمَ العلم.. فهل يذهب ذلك كله سدىً؟ 

والتفت لؤي إلى الإعلامي فجأة ورفع يده ملوحًا، وهو يقول: ادع لي، فأنا مسافر للعلاج، وأرجو الله أن يشفيني، وإن لم يكن ذلك فلن أيأس، الحمد لله على كل حال، ولن تزهق ذكرياتي بفعل الغربان السوداء فهي زادي في طريقي، أبصر بها ما أريد لنفسي وللناس وشكرًا لكم، ولمن قدموا لي المساعدة.

وحينئذ قلت في سري: لن يموت حق وراءه مثل هذا الطفل، وإن السماء مهما اكفهرت فلن تغلق أبوابها دون دعاء لؤي، فهي قافلة سَمَت على مرّ الزمان.

الرابط المختصر :